كيف يمارس السوري نشاطاته اليومية في بلاده المدمرة والمقسمة بين أربعة مناطق ذات قوانين مختلفة، ما هو المسموح فيها وما هو الممنوع؟ وأي المناطق تعاني فقرًا أكثر؟ وأيها تقدم الخدمات الأفضل؟ وماذا يعني أن تفتح فمك وتتكلم بحرية؟ وماذا سيحدث لو خرجت فتاة إلى الشارع؟ وماذا يميز كل منطقة عن الأخرى؟ وهل للسوري أي مستقبل في هذه المناطق؟

في هذا التقرير سندخل إلى المناطق الأربعة السورية «النظام السوري، قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، هيئة تحرير الشام، الجيش الوطني السوري) ، لنحكي لك كيف يعيش الموطن، الكبير والصغير، والمقاتل والمدني، سنتحدث عن الحياة بحلوها ومرها، وعن منغصات العيش وصعوبتها، عن هموم الناس وأفراحهم وأتراحهم، ونعتذر لو شعرت أن الصورة قاتمة.

مر على الثورة السورية 10 سنوات لم تر شيئًا مما قامت لأجله، فلا الشعب كسب حريته وكرامته، ولا حتى أمنه وسلامته، فالنظام السوري حرص تمام الحرص ألا يرى السوريون حريتهم المنشودة وقد أصبحت واقعًا يعيشونه، فهناك من خرج على النظام وحاربه وهناك من أيده ودافع عنه، وآخر لزم الحياد، وما يجمعهم كلهم أن المأساة أتت عليهم جميعًا.

واقع حرية التعبير في مناطق الحكم المختلفة

لدى السوريون قول مأثور أو حكمة تقول «المكان الوحيد الذي يستطيع السوري أن يفتح فمه فيه بحرية هو عيادة طبيب الأسنان»، وما زالت المناطق التي تقع ضمن سيطرة النظام السوري تمتثل بشكل كامل لهذا المثل بحذافيره خوفًا من الاعتقال أو الاختفاء «خلف الشمس»، ولكن ذلك ليس معناه أن بقية المناطق قد نالت حريتها أيضًا.

حرية التعبير في المناطق السورية الأربعة هي حرية نسبية وليست كاملة وفق المعايير المنشودة في المؤشرات العالمية، أسوأ هذه المناطق بلا منازع هي مناطق النظام، فالسوري فيها ممنوع عليه الحديث إلا بما يرضي الحكومة فقط، ولا يجرؤ على انتقادها سرًّا أو حتى علانية، وإذا تجرأ أحدهم فمصيره الاعتقال والاختفاء، وكان آخر القوانين التي سنها النظام لممارسة الاعتقال بحق منتقديه هو «قانون الجرائم الإلكترونية»، الذي بات سيفًا مسلطًا على رقاب كل من تسول له نفسه الحديث ولو بكلمة تسيء للأسد ونظامه.

ويختلف الوضع قليلًا في مناطق قوات سوريا الديمقراطية «قسد» حيث من الممكن أن نجد في مناطقها معارضين لها، كما أن مظاهرات كثيرة خرجت ضد العديد من السياسيات مثل التجنيد وتردي الوضع المعيشي والأمني، في حين اعتقلت السلطة هناك العشرات ممن رفع شعارات ضدها، وبعضهم مات تحت التعذيب.

أما في منطقتي المعارضة السورية، ففي مناطق هيئة تحرير الشام في إدلب، نجد أن حرية التعبير ليست بأفضل حالاتها، فهناك اعتقالات عديدة قامت بها الهيئة لأشخاص انتقدوها بشكل مباشر ومات بعضهم تحت التعذيب أيضًا، حيث ما يزال العديد من المواطنين هناك يتجنبون انتقاد الهيئة بشكل علني أو على وسائل التواصل الاجتماعي، ولكن نجد أن هناك مساحة حرية أكبر نسبيًا على عكس مناطق قسد والنظام.

Embed from Getty Images

وفي مناطق الجيش الوطني أو النفوذ التركي (درع الفرات وغصن الزيتون ونبع السلام) فنستطيع القول إن حرية التعبير هناك أيضًا نسبية، فمسموح لك انتقاد الفصائل العسكرية عمومًا بدون التخصيص والحديث عنها بشكل علني وقد تتعرض للاعتقال بسبب ذلك والاختفاء قسريًا أيضًا. هناك خطوط حمراء يمنع الحديث عنها بشكل علني وعلى وسائل التواصل مثل التنديد بالتواجد التركي على سبيل المثال، وهو ما قد يعرضك للاعتقال.

الحريات الدينية

أما ما يتعلق بالحرية الدينية فهو مختلف تمامًا، لأن الخلفية الفكرية والعقائدية والقومية التي تحكم هذه المناطق الأربعة مختلفة نوعًا ما، فالنظام السوري وقسد علمانيان، وهيئة تحرير الشام تعتبر من الإسلاميين المتشددين، أما الجيش الوطني السوري فهو منوع فمنهم المتشدد والإخواني (إخوان مسلمون) وإسلاميون معتدلون وليبراليون.

Embed from Getty Images

إذ تطبق تحرير الشام الشريعة الإسلامية وفق تأويلها بحزم، فتمنع الخمر، وتلزم النساء بالحجاب الذي يغطي الرأس حتى القدمين ولا يكشف إلا الوجه على أقصى تقدير، ففي إدلب من المستحيل أن تشاهد سيدة تمشي في الشارع بشعرها أو تلبس «بنطلون الجينز»، كما أن الهيئة اعتقلت وأعدمت شابًا سب بحسبها الذات الإلهية.

ويتواجد قرابة 500 مسيحي فقط بينهم نساء وأطفال في ريف إدلب الغربي، ضمن مناطق الهيئة، لا تخرج نساؤهم إلا باللباس الإسلامي، بينما يسمح لهم بإقامة الصلوات في كنائسهم وإقامة أعيادهم ولكن بصورة ضيقة، ولا يسمح بأن تكون علنية، وبالتأكيد وضع الطوائف الأخرى مثل الدروز ليس بأفضل حال فهي الأخرى تعرضت للتضييق عليها، إذ أجبر بعض منهم على إعلان إسلامه بالقوة، بينما فر غالبيتهم إلى مناطق النظام السوري أو خارج سوريا، ولا يسمح لهم بإقامة أي شعائر دينية في مناطقهم.

والأمر ذاته تقريبًا في مناطق الجيش الوطني السوري، ولكن بصورة أخف، فلا يوجد تشديد كبير على لبس النساء ما دام يغطي شعرها وجلباب حتى ركبتيها، وفيما يخص الخمور فهي موجودة ولكن بصورة مخفية، وما يخص المسيحيين فقد هرب غالبية المسيحيين الأكراد من ريف عفرين في 2018 عقب عملية غصن الزيتون، في حين ما يزال عدد من المسيحيين موجودين في المناطق التي سيطر عليها بريف الرقة والحسكة ضمن عملية نبع السلام في 2019، ويعيشون بسلام ويسمح لهم بالصلاة وإقامة أعيادهم بصورة أكثر حرية مما هي عليها في إدلب، في حين يفضل غالبية النساء المسيحيات لبس الحجاب الإسلامي خوفًا من أي مضايقة قد يتعرضن لها.

Embed from Getty Images

وفي موضوع التسامح الديني في مناطق المعارضة بشقيها (الهيئة والجيش الوطني)، ونحن هنا نتحدث عن المسيطرين على هذه المناطق وليس الشعب، فمن غير الممكن أن يوجد شخص من الطائفة العلوية أو الشيعية على سبيل المثال، ولن يتم التسامح، وقد تم طرد أهالي قريتي الفوعة وكفريا الشيعيتين، في حين أن الطوائف الأخرى لا وجود لها في هذه المناطق بتاتًا، إلا عدة قرى في جبل السماق يعيش فيها المئات من الطائفة الدرزية المنغلقين على أنفسهم، إذ لا يزوجون بناتهم لأبناء الطائفة السنية والعكس بالعكس.

أما الحرية الدينية في مناطق النظام السوري وقسد فهي أفضل منها لدى مناطق المعارضة، حيث الطعام والشراب واللباس والصلوات وإقامة الأعياد مسموح بها، ولكن على جانب آخر يعطي النظام السوري مساحة أكبر للطائفة العلوية في التحكم بسياسة الدولة والجيش والقوات المسلحة والمخابرات ويتم تهميش السنة بشكل كبير، كما يسمح النظام لانتشار المذهب الشيعي بشكل كبير في مناطق السنة وسهل لهم فتح المدارس والحوزات.

ومن الملاحظ أن هناك قرى علوية في الساحل السوري من المستحيل أن يعيش فيها شخص من الطائفة السنية خوفًا على حياته على سبيل المثال، كما يجبر نظام الأسد المشايخ وأئمة المساجد على إلقاء خطب أيام الجمع بما يدعم روايات النظام، إذ أشار تقرير صادر عن مؤسسة «كاتو» ومعهد «فرايزر» للأبحاث إلى أن الحرية الدينية في سوريا عام 2018 وصلت إلى 3.4 من 10 فقط، والمضايقات سجلت 5.4، ولكن هذا التقرير قاس حرية إنشاء مؤسسات دينية واستقلالية الهيئات والمؤسسات الدينية فقط، دون الغوص في تفاصيل أكثر من ذلك.

أما ما يخص مسألة حرية تغيير الدين فتعتبر مناطق قسد هي الأكثر حرية في ذلك، إذ من الممكن أن ترى طقوسًا في بعض الكنائس لأشخاص تحولوا من الإسلام إلى المسيحية والعكس بالعكس، بينما ممنوع أن تشاهد هذه الطقوس في مناطق النظام ويتم توقيف الكاهن الذي يقوم بتعميد المتحول دينيًا، وبالطبع في مناطق المعارضة السورية فالاعتراف بالإلحاد علنًا يعتبر ممنوعًا بشكل تمام ويُعرض الشخص نفسه للاعتقال على الفور.

الحريات الشخصية 

ينص الدستور السوري في المادة الثالثة والثلاثين، على أن «الحرية الشخصية مقدسة، والاعتداء عليها يعتبر جريمة، والمواطنون متساوون في الحقوق والواجبات لا تمييز بينهم في ذلك بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين أو العقيدة»، وتعرف الحرية الشخصية بأنها لصيقة بالشخصية الإنسانية، بحيث تتيح لها قيادة نفسها في الحياة الخاصة، وتمكينها من المساهمة بإيجابية في الحياة الاجتماعية، ولا يتطلب التمتع بها شروطًا خاصة باستثناء نقص الأهلية، ومن أمثلتها، حرية الانتقال والبناء والشراء والبيع والعمل والتعاقد والزواج والحياة الخاصة والأمن.

بالطبع حرية التعبير هي المحرك الأساسي وبدونها ستكون بقية الحريات مقيدة ولن تتطور، ويبدو أن النظام السوري لم يطبق أي بند من مادة الحريات في الدستور، فالحرية الشخصية محدودة كثيرًا، حيث لا يستطيع السوري اتخاذ قراراته بنفسه ودون عوائق، فمثلًا يمنع النظام عودة السوريين إلى مدنهم وقراهم التي دمرها، ويمنع التنقل بحرية حيث توجد عشرات الحواجز التي تقوم بعمليات اعتقال يومية، كما أن الوظائف محصورة ضمن فئة معينة من المواطنين المؤيدين له والمقربين منه، ويشدد الخناق كثيرًا على وظائف تتعلق بالإعلام والصحافة.

كما أن فتح المشاريع التجارية يتطلب موافقات أمنية كثيرة ومقعدة، وأيضًا يمنع النظام البيع والشراء عن طريق الإنترنت، وأيضًا يتم مراقبة المراسلات والاتصالات الشخصية والتنصت على الأحاديث الخاصة، ومن المعتاد أن تقوم قوات الأمن السورية باقتحام المنازل وتفتيشها دون أمر محكمة، وفي المقابل تزيد الحرية الشخصية للأفراد في حياتهم العملية كلما كانوا من المؤيدين والموالين أو من الطائفة العلوية والشيعية.

Embed from Getty Images

وفي مناطق قسد يكاد يكون الأمر قريبًا من مناطق النظام، حيث تتم التفرقة بين العربي والكردي والقوميات الأخرى، ويكون العربي هناك الحلقة الأضعف، إذ قامت قسد بمنع العودة للعديد منهم إلى قراهم ومدنهم التي هربوا منها إبان المعارك التي دارت مع تنظيم «الدولة الإسلامية (داعش)»، وهذا الأمر حد كثيرًا من خيارات الأفراد وحرياتهم هناك، كما أن قسد تقوم بحملات اعتقال بحق العرب بشكل مستمر بذريعة التواصل مع الجيش الوطني السوري أو الانتماء لتنظيم «داعش»، حيث تقتحم منازلهم وتقوم بتفتيشها واعتقال المطلوبين لها فقط لمجرد الاشتباه.

أما مناطق المعارضة السورية فأيضًا لا يختلف الوضع كثيرًا، فحرية الشخص مقيدة في كثير من مناحي الحياة، فالحواجز كثيرة بين الأحياء والمدن والقرى حيث يقوم عناصر هيئة تحرير الشام على سبيل المثال في بعض الأحيان بتفتيش الموبايلات إذا اشتبهوا بأحدهم، وتقتحم في كثير من الأحيان منازل المدنيين لاعتقال المطلوبين لها، كما يوجد لدى الهيئة ما يعرف باسم مركز الفلاح وهو نسخة عن «هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر السعودية»، ومن مهامها منع الاختلاط والتشديد على اللباس وحلاقة الشعر والدخان والأراجيل والأغاني وغيرها، حيث يتعدى المركز على جميع الحريات الشخصية للأفراد.

وفي مناطق الجيش الوطني وخاصة في عفرين، يظهر التمييز واضحًا بين العربي والكردي، فالأخير هنا هو الحلقة الأضعف، حيث انخفض عددهم إلى أقل من 20% وهروب معظمهم إلى مناطق النظام السوري وقسد، حيث تم سرقة أراضيهم الزراعية ومنازلهم وإحلال سوريين مهجرين من كل سوريا مكانهم، ومنع من تبقى منهم من ممارسة حرياتهم الشخصية، كما تنفذ حملات اعتقال ودهم لمنازل المدنيين بتهم منها التعامل مع «قسد أو النظام أو داعش»، كما تفرض فصائل من الجيش الوطني إتاوات على محلات دون أسباب قانونية في محاولة للتضييق أكثر على المواطنين وحرية أعمالهم.

حقوق المرأة السورية

مع انطلاق الثورة السورية كان للمرأة دور كبير في نقل أحداث الثورة من خلال نشر الفيديوهات والصور والأخبار عن انتهاكات النظام السوري، في الوقت الذي كان فيه الشباب يتم اعتقالهم على الحواجز، كانت مساحة التحرك للمرأة أكبر بكثير من مساحة الرجل، حيث كان العديد منهن يغامرن بشكل قل نظيره لنقل الصورة الحقيقية لما يحدث.

كانت سوريا أول دولة عربية تمنح حق التصويت للمرأة عام 1949، وقبل دول أوروبية حتى، حيث تم إعطاؤها الحق في الترشح والحقوق السياسية الكاملة دون تمييز، ولكن الوضع الآن بات مختلفًا، إذ إن هذه الحقوق قد تراجعت كثيرًا في مناطق النظام وأيضًا في مناطق المعارضة، ولكنها ارتفعت في مناطق قسد في التمثيل السياسي فقط.

لا تتمتع المرأة السورية في مناطق المعارضة السورية وخاصةً مناطق هيئة تحرير الشام بحرية كافية كما أن حقوقها السياسية مهضومة بشكل كبير، إذ لم تشارك المرأة في أي منصب سياسي ضمن حكومة الإنقاذ التابعة للهيئة والعاملة في إدلب وغرب حلب، أما الحكومة السورية المؤقتة والعاملة في مناطق النفوذ التركي الثلاث ففيها تم إعطاء النساء حقيبتين وزاريتين فقط، وتشغل الدكتورة هدى العبسي حاليًّا منصب وزيرة التربية والتعليم.

أما مناطق النظام السوري فتتفاوت فيها حقوق المرأة لعدة اعتبارات من بينها الدين والطائفة والقومية والأهم من ذلك كله الولاء للنظام، وتشارك المرأة في الحياة السياسية في مناطق النظام في الوزارات والإعلام وتشغل العديد منهن المناصب المهمة، ولكن تمثيلها مثلًا في مجلس الشعب لا يتعدى 11% فقط، وثلاث وزيرات من بين 31 وزيرًا في حكومة النظام، ويأتي هذا في دور التقارير الموثقة عن تعذيب وانتهاك المعارضات السوريات من قبل النظام.

Embed from Getty Images

وفي مناطق قسد تشارك المرأة في الإدارة الذاتية التي تدير هذه المناطق بشكل واسع، حيث يتم تقسيم المناصب بشكل متساو بين النساء والرجال في أي مؤسسة، في حين تتعرض المرأة العربية لنوع من العنصرية إذ إنها لا تشارك بشكل واسع ضمن هذه المؤسسات، وفي المقابل تقوم قسد بتجنيد النساء الكرديات بشكل إجباري في صفوفها ومن بينهن قاصرات.

التعليم 

يعاني القطاع التعليمي بشكل كبير في جميع المناطق الأربعة، فعشرات المدارس مدمرة بسبب القصف الذي تعرضت له والمعارك التي دارت فيها، إذ تشهد المدارس في مناطق النظام ازدحامًا كبيرًا في فصول الدراسة، ومع جائحة كورونا فقد زاد الطين بلة، حيث يعتمد على التعليم الوجاهي ما زاد أعداد الإصابات بين المعلمين والطلاب في المدارس والجامعات، أما في مناطق المعارضة السورية فالوضع يعتبر كارثيًّا، فهناك آلاف الأطفال لا يستطيعون القراءة والكتابة خاصة في المخيمات، وفي مناطق قسد خاصة المناطق العربية فالوضع مأساوي إذ إن بعض القرى لا يوجد فيها مدارس وإن وجد فإنها تكون للصفوف الابتدائية فقط.

الانتحار

وثقت الطبابة الشرعية تسجيل 172 حالة انتحار بينها 49 انثى في عام 2020 في مناطق النظام السوري، كان أكثرهم في مدينة حلب، أما في مناطق المعارضة السورية فلا يوجد إحصائية دقيقة إلا أنه تم تسجيل 8 حالات في إدلب وعفرين غالبيتهم نساء من سكان المخيمات، أما في مناطق قسد فتم تسجيل 16 حالة جميعها لنساء.

ويعزو مراقبون هذه الظاهرة لأسباب اجتماعية مختلفة مع الاكتئاب والفقر والوضع الأمني والسياسي والاقتصادي السيئ في جميع المناطق، ولكنه في مناطق النظام السوري هو الأسوأ على جميع الصعد الاقتصادية والسياسية والأمنية، لذلك فإن حالات الانتحار كثيرة جدًا.

الرواتب والقدرة الشرائية والغلاء

الراتب في كل منطقة من مناطق الحكم في سوريا مختلف تمامًا عن الآخر، إذ إنه في مناطق النظام السوري يعد الأسوأ على الإطلاق فرواتب القطاع العام فيها بين 50-80 ألف ليرة سورية (13-21 دولار) فقط لا غير، أما في مناطق قسد فهو يعتبر أفضل من هذا بكثير حيث يكون بين 230-400 ألف ليرة سورية (62-108 دولار)، أما في مناطق المعارضة السورية فالرواتب تكون بالليرة التركية بين 200-1000 ليرة تركية ( 21 – 122 دولار) أما رواتب القطاع الخاص فالوضع مختلف إذ إن الرواتب تكون أفضل كثيرًا في مناطق قسد والمعارضة السورية وقد تتجاوز الـ1000 دولار، ولكنها تبقى في مناطق الأسد لا تزيد عن الـ200 دولار.

Embed from Getty Images

القدرة الشرائية تعتمد دائمًا على الراتب الممنوح للموظف، إذ إن الموظف في مناطق الأسد لا يكفيه راتبه لأكثر من أسبوع وتبدأ معه رحلة التوفير والدين، وعلى سبيل المثال سعر لتر الزيت النباتي وصل إلى 8000 ليرة سورية (2.1 دولار) ، أما اللحوم فباتت حلمًا لكثير من السوريين إذ بلغ سعر كيلو لحم الخروف إلى أكثر من 30 ألف ليرة (8.1 دولار) ، وكيلو الدجاج إلى أكثر من 5 آلاف ليرة، وكذلك المواد الأخرى مثل الأرز والسكر والشاي والخضروات والفواكه فقد ارتفعت أسعارها كثيرًا.

وتختلف مناطق قسد إذ إن أسعار المواد الغذائية فيها منخفضة بالنسبة لمناطق النظام كثيرًا، فسعر كيلو لحم الخروف فيها 18 ألف ليرة فقط (4.8 دولار) ، كما أن أسعار المواد الأخرى أيضًا أقل سعرًا (لتر الزيت النباتي بـ6 آلاف ليرة فقط، وتعتبر هذه المناطق سوقًا تجارية تستورد كل شيء من كردستان العراق بشكل كبير جدا إذ تدخل وتخرج يوميا ما يقارب الـ500 شاحنة من معبر سيمالكا الحدودي تحوي مواد متنوعة من الغذاء والدواء والبناء والزراعة وكل شيء، وهناك سبب آخر وهو توفر المياه والمزارع والمراعي الخصبة.

كما أن قسد تقوم ببيع النفط الذي تقوم باستخراجه من مناطقها وتبيعه لثلاث جهات رئيسة أولها النظام السوري ومناطق المعارضة السورية وأيضًا إلى إقليم كوردستان العراق، وتقوم بتوجيه جزء من ملايين الدولارات هذه لدفع رواتب مقاتليها وموظفي مناطقها.

أما مناطق المعارضة السورية فالأسعار مرتبطة بالليرة التركية، لذلك فإن الأسعار فيها تعتبر الأقل في كل سوريا على الإطلاق، إذ بلغ سعر كيلو اللحم مثلا إلى 14.2 ليرة تركية (1.75 دولار) وكذلك أسعار المواد الغذائية الأخرى، ولكن السوق يشهد ارتفاعًا مستمرًا للأسعار وذلك بسبب ارتباطه بالعملة التركية المتذبذبة.

Embed from Getty Images

الصناعة في عموم مناطق سوريا منهارة بشكل شبه كامل، بعد دمار مئات المصانع المختلفة بسبب الغارات والقصف والمعارك، حيث بلغت خسائر الاقتصاد السوري من الحرب المستمرة أكثر من 1.2 تريليون دولار أمريكي.

الدعارة والمخدرات

كانت الدعارة قبل انطلاق الثورة السورية موجودة خاصة في العاصمة دمشق، ولكنها الآن أصبحت منتشرة بشكل كبير في غالبية المناطق الخاضعة لسيطرة النظام بشكل أساسي، إذ يتزعم العصابات التي تمتهن الدعارة في غالب الأحيان أصحاب علاقات قوية بجيش النظام، يقومون بنشر ما يعرف بـ«القوادين» في المقاهي والمتنزهات والشوارع ودور السينما وغيرها، وأشكالهم وهيئتهم وحتى طريقة وقوفهم معروفة للجميع. يقومون بإيقاف المارة وسؤالهم إذا كانوا يريدون ممارسة الجنس بطريقة مباشرة وغير مباشرة بعبارة «حاب تغير جو معلم».

Embed from Getty Images

أما مناطق قسد فالدعارة منتشرة فيها أيضًا خاصة في المدن الرئيسية كالقامشلي والحسكة والمالكية والرقة، وتكاد تكون بعض بيوت الدعارة معروفة للقاصي والداني، إذ يبدو أن قسد لا تحاول أن تمنع هذا الأمر أو تسيطر عليه بشكل كامل، ولكنها تقوم بين الفينة والأخرى بإلقاء القبض على عصابات متهمة بالدعارة في مناطقها، أما في مناطق المعارضة فالدعارة موجودة ولكنها مخفية وسرية للغاية، خاصة في مناطق هيئة تحرير الشام والتي تكاد تكون غير موجودة نهائيًا فيها.

التجنيد الإجباري

لا يوجد في مناطق المعارضة أي تجنيد إجباري، حيث يتم الانضمام إلى الفصائل بدون أي إجبار ويحصل الشخص مقابل ذلك على راتب شهري يختلف من فصيل إلى آخر، أما في مناطق قسد فالتجنيد إجباري للذكور في جميع مناطقها وتقوم باعتقال الشباب المطلوبين من حواجزها المنتشرة، وكذلك تقوم بتجنيد الفتيات الكرديات بصورة إجبارية أيضًا، حتى أن هناك تقارير أكدت أنها تجند من هم أقل من 18 سنة.

Embed from Getty Images

وفي مناطق النظام السوري، فقد بات أحد هموم العوائل هو التحاق أبنائها بالخدمة الإجبارية، إذ تقوم بعض العائلات بدفع مبالغ طائلة مقابل إخراجهم من سوريا إلى لبنان أو تركيا، إذ أصبح الالتحاق بالخدمة العسكرية بمثابة فتح باب العزاء إذ يستحق تصبير الأهل على مصابهم، خاصة أن هناك عناصر لم يتم تسريحهم بعد على الرغم من أنهم التحقوا بالخدمة منذ أكثر من 6 أو 7 سنوات.

طوابير الخبز والمحروقات

أصبحت الطوابير العلامة الفارقة بين مناطق الحكم الأربعة، إذ أننا لا نشاهد أي طوابير للخبز أو المحروقات في مناطق المعارضة وكل شيء متوافر للجميع وبكثرة، وكذلك الأمر في مناطق قسد فمن النادر أن يكون هناك طوابير، ولكن مدينة الحسكة لوضعها المختلف كون السيطرة عليها مقسمة بين قسد والنظام فقد تشهد مناطق الأخير بعض الطوابير جراء الخلافات بين الطرفين في بعض الأحيان.

Embed from Getty Images

أما في مناطق النظام السوري كلها بدون أي استثناء فكلها تشهد طوابير يومية على الأفران ومحطات المحروقات، إذ يقفون يوميًا بما لا يقل عن ساعة كاملة في انتظار الدور لأخذ بضع ربطات من الخبز السيئ، أما المحروقات فقد تبقى في انتظار دورك أكثر من أسبوع حتى تتمكن من ملء خزان سيارتك بالبنزين.

الكهرباء والماء.. ما واقع الخدمات العامة؟

تنقطع الكهرباء في مناطق سيطرة النظام بشكل متكرر قد تصل إلى أكثر من 24 ساعة متواصلة، وفي بعض الأحيان قد تأتي الكهرباء لساعة واحدة فقط، وهنالك بعض المناطق التي سيطرت عليها قوات الأسد مؤخرًا ما تزال بدون كهرباء أو ماء أو أي خدمات عامة، إذ أن بعض الطرقات والجسور ما تزال مدمرة بالكامل.

أما في مناطق قسد، فالأمر مشابه تمامًا لمناطق النظام حيث تنقطع الكهرباء لساعات طويلة خاصة في القرى والبلدات، أما المدن الرئيسية فتشهد انقطاعات لعدة ساعات، وفي مناطق المعارضة السورية فالوضع أفضل في مناطق النفوذ التركي الثلاث، إذ تقوم «الشركة السورية التركية» بتزويد الكهرباء لهذه المناطق بصورة جيدة مع حدوث انقطاعات قد تصل لعدة ساعات يوميًا، أما في إدلب الخاضعة لسيطرة هيئة تحرير الشام فوضع الكهرباء مختلف كثيرًا كون غالبية محطات الكهرباء قد تعرضت للقصف الروسي المباشر وخروجها عن الخدمة، إذ يعتمد الناس هناك على مولدات كبيرة (مركزية) للتزود بالكهرباء، مقابل دفع رسم اشتراك لمستثمر المولدة.

كما يعتمد غالبية سكان سوريا في هذه الأيام على ألواح الطاقة الشمسية في توليد الكهرباء، إذ من الممكن أن تلاحظ وجودها في المخيمات وفوق المنازل والمساجد والمحلات التجارية، وهذا ما أدى لارتفاع أسعارها كثيرًا لكثرة الإقبال عليها من قبل المواطنين.

البطالة والفقر

قالت «أكجمال ماجتيموفا» ممثلة منظمة الصحة العالمية في سوريا: «يعيش أكثر من 90% من سكان سوريا تحت خط الفقر البالغ دولارين في اليوم بينما تتزايد الاحتياجات الإنسانية»، كما تتربع سوريا المرتبة الأولى عالميًّا في مؤشر الفقر بنسبة 82.5%، أما ما يخص البطالة فلا يوجد أرقام رسمية لها ولكن حسب البنك الدولي فإن نسبة البطالة في سوريا وصلت إلى 9%، بينما في الحقيقة فإن الأرقام أكبر من ذلك بكثير.

فمثلًا في إدلب أصدرت منظمة «منسقو استجابة سوريا» تقريرًا أكدت فيه أن نسبة البطالة في إدلب بلغت 89% من عدد السكان، وبطبيعة الحال يعاني المواطنون في جميع المناطق من البطالة وعدم توافر أعمال أصلًا، كما تعاني المحلات نفسها من عدم قدرة الناس على الشراء، وأغلقت العديد منها أبوابها خاصة محلات الملابس والكهربائيات، ويجد السوريون صعوبة كبيرة في إيجاد أي عمل، وقد يتعرضون للابتزاز بسبب ذلك وإعطائهم رواتب قليلة، كما انتشرت ظاهرة البسطات في كل المناطق السورية والتي تبيع الدخان والمعسل والخضروات والفواكه وحتى الشواحن والبطاريات.

لعل سوريا التي كنا نعرفها ذهبت بدون رجعة، وقد يبقى الوضع على ما هو عليه لسنوات قادمة بدون أي حل سياسي، وقد يزداد الوضع سوءًا أكثر مما هو عليه الآن، وقد تصبح الحياة حملًا ثقيلًا على الكثيرين وقد يصبح الوطن الذي تربى الشعب السوري على حبه، ليس سوى بقعة من الجحيم يحاولون الهروب منها، لكن ما زال البعض متمسكًا بالأمل وبأن كل هذه التضحيات لن تذهب سدى.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد