أثبتت حركة «طالبان» على مدى 20 عامًا من الحرب فاعليتها العسكرية في مواجهة الأمريكان وحلفهم الدولي على أرض أفغانستان، فطوال العقدين الماضيين فشل الأمريكيون في إنهاء الحركة وهزيمتها عسكريًّا، كما فشلوا في خلق جيش أفغاني قادر على مواجهتهم حال انسحاب القوات الأجنبية بعد حرب هي الأطول في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية رغم كل ما أنفقوه على هذا الجيش.

ولم تستطع طالبان فقط الانتصار في الحرب العسكرية، بل أثبتت قدرتها على إدارة المفاوضات مع الأمريكيين حتى انسحابهم بعد أن كلفتهم الحرب ما يقدر بتريليوني دولار، فهل تثبت طالبان قدرتها على حكم البلاد في قادم الأيام؟ أم تستطيع أمريكا استكمال حربها اقتصاديًّا على أفغانستان كما فعلت وتفعل في غيرها من الدول؟ 

اقتصاد أفغانستان تحت الاستعمار

بعد سيطرة الحلف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية على أفغانستان بدأت المساعي الأمريكية لبناء حكومة أفغانية بجيش وشرطة ومؤسسات تحت رعاية الاحتلال وبالتعاون معه، لتكون هذه الحكومة قادرة على إدارة البلد بدعم مالي غربي وبتدريب غربي لجيش هذه الحكومة وشرطتها، للتمكن من مواجهة طالبان وغيرها من الحركات المسلحة، إلا أنَّ الحرب الأمريكية في أفغانستان لم تقتصر على النشاط العسكري ودعم طرف أفغاني ليصبح قادرًا على مواجهة طالبان، بل تجاوز ذلك إلى تغيير بنى الاقتصاد الأفغاني الداخلي بشكل كامل، وجعله معتمدًا على الوجود والدعم الغربيين.

عند النظر في بيانات البنك الدولي عن الناتج المحلي لأفغانستان، يُلاحظ انقطاع طويل في البيانات المتوفرة بين عامي 1981-2002 نظرًا إلى ما كانت تمر به الدولة من حروب واقتتال داخلي، إلا أن الناتج المحلي في عام 2002 لا يزيد على الناتج المحلي في عام 1981 إلا بنصف مليار دولار فقط، ما يشير إلى أن فترة الانقطاع تلك لم تشهد نشاطًا اقتصاديًّا معتبرًا. 

ورغم أن البلد دخل في حربٍ أخرى مع الغزو الأمريكي عام 2001 فإن اقتصاد البلد بدأ يشهد معدلات نمو مرتفعة منذ عام 2002 وحتى عام 2020، فقد تضاعف الاقتصاد في هذه الفترة خمس مرات تقريبًا بمعدلات متفاوتة واستمر النمو حتى عام 2014 الذي شهد إعلان «الناتو» إنهاء عملياته في أفغانستان وبدء تخفيض القوات الأجنبية بنسب كبيرة، لتشهد البلد تراجعًا اقتصاديًّا حادًا ومعدلات نمو سالبة، زادها سوءًا تراجع الإعانات الدولية لأفغانستان منذ عام 2011، مع استمرار تشكيله لنسبه كبيرة من الناتج الوطني الإجمالي للبلاد.

بطبيعة الحال لا يمكن الثقة بالبيانات المنشورة بخصوص الاقتصاد الأفغاني، نظرًا لعدة عوامل؛ منها فقدان البلد لوجود دولة حقيقية ومركزية يمكنها جمع البيانات عن النشاط الاقتصادي في البلاد، كما أن الكثير من النشاطات الاقتصادية لا تقوم على سوق تنظمها الدولة ويمكن لها قياسها؛ بل إن النشاط الاقتصادي تحت الحرب في أفغانستان كان بلا أي تنظيم وبلا حدود حقيقية للتجارة مع العالم.

لا تنظم الدولة إلا جزءًا من هذه التجارة، وكثير من نشاط التجارة الخارجية غير رسمي، كما أن الكثير من البضائع المصنعة والمتاجر بها في أفغانستان لا يمكن رصدها في المؤشرات الاقتصادية المتعارف عليها، فمؤشرات الناتج المحلي الإجمالي لا تشمل المنتجات غير القانونية، بينما يقوم جزء لا يستهان به من الاقتصاد الأفغاني على زراعة الأفيون وتجارته، كما أن غياب الدولة وعدم توافر الإمكانية لوجود الكثير من النشاطات الاقتصادية أدى إلى اعتماد الاقتصاد على قطاعات اقتصادية متركزة حول الوجود الغربي وبسببه، والوظائف الحكومية – شاملًا الجيش والشرطة – المعتمدة على المساعدات الخارجية، والنشاطات غير القانونية، وعدد كبير من الموظفين في قطاعات ضعيفة الإنتاجية مثل الزراعة.

تُعدُّ أفغانستان بلدًا زراعيًّا يعتمد 60% من سكانه في جزء من دخلهم على الزراعة، كما أن القطاع يوظف 44% من العمالة في الاقتصاد الأفغاني، إلا أن الزراعة لا تشكل إلا ربع الناتج المحلي الإجمالي، بينما تحتل الخدمات المرتبة الأولى في المساهمة في الناتج المحلي الإجمالي في أفغانستان بنسبة 55%.

ومع استثناء القطاع المنزلي (غير الرسمي) فإن القطاع العام هو الموظف الأساسي للعمالة في أفغانستان، ويمكن في ظل هذه المعطيات تتبع الأهمية المطلقة لعاملين رئيسَين في الاقتصاد الأفغاني؛ وجود القواعد العسكرية الغربية في البلد والاقتصاد المتركز حولها، والمساعدات الأجنبية للحكومة في أفغانستان، وفي حال غيابهما سيعني ذلك انهيارًا كبيرًا في قطاع الخدمات، وعدم توفر مالٍ كافٍ لدفع رواتب موظفي الحكومة، ما يعني احتمالية عدم إمكانية إقامة دولة في أفغانستان؛ ما لم يستمر الدعم الخارجي، ولو لمرحلة من الزمن.

40% من السكان يعيشون حول القواعد العسكرية!

في إطار الحرب ضد طالبان في أفغانستان، نشرت الولايات المتحدة الأمريكية وقوات الناتو والحلف الدولي المشارك في الحرب قواعدهم في أفغانستان لتكون نقاط مهاجمة ضد الحركة، ولتثبيت سيطرتها على الأرض، حتى وصل عدد القواعد عام 2010 إلى 700 قاعدة عسكرية تابعة لمختلف الدول المشاركة في الحرب، ويعتمد اقتصاد كثير من المناطق الأفغانية على هذه القواعد، فيعمل الكثير من الأفغان في هذه القواعد وحولها لتوفير الخدمات المختلفة للجنود.

استقطبت هذه القواعد الآلاف من الأفغان للعمل في الخدمات اللازمة لهذه القواعد، وعدا عن التوظيف الفردي للمترجمين والأدلاء والعمال، فقد تعاقدت هذه القواعد مع شركات أفغانية لتزويد القواعد بالمعدات والوقود والمواد الغذائية، كما تعاقدت مع شركات نقل أفغانية لنقل هذه البضائع، بالإضافة إلى التعاقد مع شركات إنشائية أفغانية لبناء القواعد العسكرية ومرفقاتها والمباني المستخدمة من قِبل الجيوش الغربية.

تاريخ

منذ 3 شهور
قبل 14 قرنًا من حكم طالبان.. كيف وصل الإسلام أفغانستان؟

وقد تفاقمت فقاعة إنشائية في أفغانستان ظهرت أساسًا بسبب وجود هذه القواعد وحولها، حتى إن القواعد العسكرية غيرت ديموغرافية البلد فأصبح 40% من سكان أفغانستان يعيشون في محيط القواعد الأمريكية.

يشير الباحث الاقتصادي الأفغاني جاويد أحمد نصري في بحث «الصدمة الاقتصادية الأفغانية نتيجة تخفيض المساعدات والانسحاب العسكري»  المنشور عام 2014 أن الولايات المتحدة الأمريكية بدأت باتخاذ سياسة جديدة في أفغانستان عام 2009، هدفت  إلى شراء المنتجات المحلية لتدوير المال في اقتصاد البلد.

 وقد عزَّزت الولايات المتحدة هذه السياسة مجددًا عام 2010 عن طريق السفير الأمريكي في أفغانستان، وقد لاقت السياسة – بحسب الباحث – نجاحًا ملحوظًا حتى وقت كتابة البحث، فقد تم توظيف 6 آلاف موظف أفغاني في مصانع أفغانية لتقديم منتجات لازمة للقواعد، عدا  عن 46 ألف موظف أفغاني متعاقد معه من قِبل الجيش الأمريكي فقط، وما مجموعه 60 ألف موظف متعاقد مع مجمل الجيوش الأجنبية في أفغانستان.

وهذا يشمل ما سببته هذه القواعد من توظيف مباشر للعمالة الأفغانية، ولا يشمل تأثير وجود هذه القواعد والتجارة الناشئة في محيطها، أو توظيف المنشآت اللازمة للوجود العسكري للعمالة الأفغانية.

وخلال أعوام الوجود الأجنبي في أفغانستان ازدهرت التجارة في المدن المحتوية أو المجاورة للقواعد العسكرية، فقد استفادت مدينة مثل باغرام، التي أصبح سوقها المبني على القاعدة الأمريكية والمطار المجاور شبه فارغة بعد الانسحاب الأمريكي منها؛ إذ صرحت محافظة المدينة أن الانسحاب من المدينة أثر في كل بيت في باغرام.

ولم تكن التجارة فقط ما تضرر في المدينة بإخلاء القواعد، فحسب محافظة المدينة يوظف المطار الذي كانت القوات الأمريكية تستخدمه في باغرام ما لا يقل عن 30 ألف موظف من المناطق المجاورة، كما أن عدم التيقن من مجرى الأمور وتقدم قوات طالبان حتى قبل سيطرتها على البلاد أضر بشكل غير مباشر بالاقتصاد، فعدا عن فقدان الوظائف تباطأ النشاط الاقتصادي نتيجة الاضطراب في البلاد.

كيف سيكون الحال لو انقطعت المساعدات الخارجية؟

تعد أفغانستان من أكثر من الدول المتلقية للدعم الخارجي في العالم سواءً بوصفه قيمة مطلقة أم بوصفه نسبة من الدخل الوطني الإجمالي، ومع أن هذه المساعدات انخفضت في قيمتها وفي نسبتها من الدخل الوطني الإجمالي فإنها ما تزال ذات أثر ضخم على الاقتصاد الأفغاني.

يشير تقرير البنك الدولي المنشور عام 2019 إلى أن المساعدات الخارجية تشكل 75% من نفقات أفغانستان، ما يعني أن الحكومة الأفغانية كانت غير قادرة إلا على توفير ربع قيمة النفقات اللازمة للبلاد، إذ توظف الدولة ما لا يقل عن 400 ألف موظف مدني، و380 ألف جندي وعنصر شرطة حسب الأرقام الرسمية، يمثلون من 6-8% من إجمالي القوى العاملة في أفغانستان (تشمل القوى العاملة العاطلين عن العمل).

وبدون هذا الدعم الخارجي تخسر أفغانستان خُمس ناتجها الوطني الإجمالي (بحسب أرقام البنك الدولي لعام 2019). ومن المشكك به أن يستمر هذا الدعم بالوصول لأفغانستان في ظل حكومة تسيطر عليها طالبان، إلا إذا استطاعت طالبان أن تنتهج نهجًا يحافظ عليها.

ويشير الباحث جاويد أحمد إلى أن هذه المساعدات في أغلبها تنفق من خارج ميزانية الدولة في نشاطات اقتصادية مختلفة مثل المشاريع الإنمائية والإنشائية، وأي تخفيض في هذه المساعدات سواءً أكانت المساعدات التنموية أم العسكرية، يؤثر بشكلٍ كبيرٍ في الناتج المحلي الإجمالي في أفغانستان.

 ومع أن الحكومة الأمريكية حاولت تعويض النقص الحاصل حين انسحب الناتو الذي أثر في الاقتصاد المبني على القواعد العسكرية، وانخفاض المساعدات المالية المقدمة بشكل مباشر، أو المال المدوَّر في الاقتصاد نتيجة لاستهلاك المنتجات المحلية فإن الاقتصاد شهد نموًا سالبًا في الأعوام الثلاثة اللاحقة لانسحاب الناتو؛ فقد سجلت أعوام 2014 و2015 و2016 معدلات نمو -0.37% و-2.82% و-9.49% على التوالي، كما أن عدم توافر تمويل كافٍ لإدارة الحكومة وأنشطتها يعني تدهورًا أكبر في القطاعات الاقتصادية الأخرى، فقد مثَّل انسحاب الناتو حين حدث صدمةً كبيرةً للاقتصاد الأفغاني.

ثروات مهولة وشعب فقير.. ما المصير؟

نظريًّا؛ تمتلك أفغانستان مخزونًا من الموارد المعدنية قد يجعلها أغنى دولة بالموارد المعدنية في العالم، تقدر قيمتها بترليون دولار على الأقل؛ إلا أن تكوين صناعة استخراجية حقيقية للاستفادة من هذا المخزون سيكون مهمة صعبة على حركة طالبان، فتحتاج مثل هذه الصناعة إلى تمويل ضخم ومعدات لا تقدر عليه بلد بحجم أفغانستان، عدا عن إمكانية تصديرها إن أوقع الغرب عقوبات اقتصادية على مَن يتاجر مع أفغانستان تحت حكم طالبان.

فقد بدأت الولايات المتحدة الأمريكية بالفعل إجراءات عقابية تجاه حكم طالبان بمنع تسليم الحركة احتياطات البنك المركزي الأفغاني الموجودة خارج البلاد؛ إذ تُقدر الاحتياطات الإجمالية للبنك المركزي بتسعة مليارات دولار، عدا عن قدرة الولايات المتحدة على إيقاع عقوبات تمنع التجارة مع أفغانستان وتخنق البلد اقتصاديًّا أكثر وأكثر.

وفي حال اتجاه الولايات المتحدة الأمريكية لمثل هذه السياسة العقابية سيعني ذلك استكمال حربها على التنظيم دون الحاجة لوجود جنود أمريكيين في أفغانستان، وترك الحركة تسيطر على البلد دون أي قدرة على إدارة اقتصاد يمكنه رفع البلاد من حالة الفقر والدمار التي خلفتها الحرب، والتي سيزيد من سوئها الانسحاب العسكري وتخفيض الدعم المالي الذي ربط الاقتصاد بأكمله به.

دولي

منذ 3 شهور
مترجم: ما يحدث في أفغانستان لن يبقى في أفغانستان.. ماذا ينتظر الشرق الأوسط؟

المصادر

تحميل المزيد