لربما تردد على مسامعك في هذه الأيام مصطلحٌ يتداوله الناس مشيرين إلى إسرائيل بأنّها نظام «أبارتايد – Apartheid»، ويترجم للعربية بـ«نظام الفصل العنصري»، فماذا يعني نظام الأباراتيد عمليًا وعلى الأرض؟ ولماذا تضغط إسرائيل بشدة ضدة أي جهات تصفها باعتبارها نظامَ أبارتايد؟ ومن أين جاء المفهوم.

مسرح الجريمة الأول.. الأبارتايد في جنوب أفريقيا

لجنوب أفريقيا تاريخٌ طويل مع الاستعمار الأوروبي، فقد استعمرتها هولندا منذ عام 1652 وحتى عام 1815، ثم جاء الاستعمار البريطاني ليرث الهولنديّ وينهب من خير هذه البلاد، واستمرّ في حكمه المباشر حتى عام 1910، واستقلّت جنوب أفريقيا بشكل كامل عن بريطانيا عام 1934، ولكن زرع الاستعمار جذوره عميقًا في أراضي جنوب أفريقيا ومجتمعاتها، وأصبح البيض جزءًا من النسيج الاجتماعي في البلاد، ولذا لم يكن رحيل الاستعمار المُباشر نهايةً لهيمنته وسيطرته على جنوب أفريقيا.

فمن أين جاءت كلمة الأبارتايد؟ من اللغة الأفريقانية، وتعني الفصل أو التفرقة، واستخدمت الكلمة أكثر دوليًا بعد عام 1948، عندما استلم الحزب الوطني المتطرف السلطة في جنوب أفريقيا، وأقرَّ نظام الفصل العنصري «الأبارتايد» في جنوب أفريقيا. وكانت أولى خطوات هذا النظام مشروع «سجل السكان» عامَ 1950، الذي يفصل السكان والمناطق على أساسٍ عرقيّ.

وفرضَ نظام الأبارتايد عدة قوانين وتشريعات عنصرية، ترسخ وتعزز تفوّق البيض (White Supremacy)، منها منع الزواج المختلط بين الأعراق، وتقسيم الخدمات العامة أيضًا على أساس عرقي، فقد كانت الدولة تخصص مؤسسات تعليمية ومستشفيات للبيض فقط، وعَرّف نظام الأبارتايد الشخص الأبيض كالتالي: «الشخص الذي يبدو أبيض بشكل واضح.. وليس الشخص الذي يعتبر ملونًا، أو الشخص الذي يُقبل على أنه أبيض، بينما هو في الحقيقة ليس أبيض بشكل واضح».

Embed from Getty Images

مجموعة من جنوب الأفارقة السود في مقطورة قطار مخصصة «للأوروبيين فقط»، أي البيض فقط، يحتجّون على قرار الحكومة المتطرفة آنذاك بفرض نظام الفصل العنصري

ثم حاول المستعمرون تجريد السود من صفة المواطنة رغم أنّهم الأكثرية، وبنزع المواطنة عنهم تسقط حقوقهم أمام الدولة. فوزّع نظام الفصل العنصري السود على مناطق متفرقة، لا يزيد حجمها عن 13% من مساحة البلاد، ثم صنّفتها «مناطق مستقلة»، أي أنها خارجة عن سيادة دولة البيض، واستُخدمت هذه الحجة للالتفاف على حقوق السود واعتبارهم غير مواطنين. ولأنّ السود هم أصحاب البلد، ولديهم كفاءات وخبرات وعمالة لا يمكن الاستغناء عنها، حاول البيض الاستفادة منهم وتوظيفهم، ولكن عن طريق «تصاريح عمل أجنبية».

وتُظهر الصور التالية التشابه الديموغرافيّ والجغرافي بين نظامي الفصل العنصري في إسرائيل وفي جنوب أفريقيا حتى تخلصها من النظام في عام 1994.

/
خريطة لجنوب أفريقيا تُظهر توزيع نظام الفصل العنصري للسكان. المناطق الداكنة يسكنُ فيها حصرًا السود ويُمنعون من العيش خارجها. حقوق الخريطة: جين روجيرسون

وحتى منتصف القرن الماضي قطع السود شوطًا طويلًا من النضال ومقاومة هذا الاستعمار والنظام العنصري، وأسّسوا منظمات وحركات مقاومة، وأبرز هذه الجهات حزب المؤتمر الوطني الأفريقي، الذي تأسس عام 1912 عند اتحاد جنوب أفريقيا (باتحاد مجموعة من المستعمرات)، وهو الحزب الذي انضم له الزعيم الأفريقي الشهير نيلسون مانديلا ونشطَ فيه، واستطاعَ السود كسر شوكة البيض ونظامهم العنصري في بداية التسعينات حتى 1994 بإنهاء نظام الفصل العنصري بشكل قانونيّ وكامل، ووصلوا لهذه النتائج بالمزج بين الكفاح السلمي والمسلح، وشنّ حملات ضغط دولية لإنهاء النظام وأي دعمٍ لها، وكما نعرف اليوم استطاعوا قلب المعادلة.

في حلقة لتريفور نوح، كوميديّ جنوب أفريقي، يستضيف جدته ويسألها: «ما هو أول شيء تتذكرينه عن نيلسون مانديلا». تجيب جدته: «لقد كان كآلهتنا في هذه الأرض»، ويعلّق نوح: «هل هذا بسبب أن السود لم يروا محاميًا أسود من قبل؟»، فتجيب الجدة: «لم يسمح لنا بذلك! لم نستطع أنّ نكون ممرضين، ولا معلمين، ولا شرطة»، وبحسب رواية الجدة، وعمرها 91 عامًا، فقد كانت الشرطة ببساطة شديدة تدخل إلى بيوت السود وتعتقلهم دون أي سبب.

الأبارتايد والقانون الدولي

كان نموذج جنوب أفريقيا هو النموذج الذي صيغت عليه القوانين الدولية لتعريف نظام الفصل العنصري أو «الأبارتايد»، ولاحقًا صار يُستخدم المصطلح قانونيًا على مستوى العالم. وتنصُّ المادة 2 من «الاتفاقية الدولية لقمع جريمة الفصل العنصري والمعاقبة عليها» لعام 1973، على أن «جريمة الفصل العنصري» هي كل السلوكيات والسياسات التمييزية العنصرية المشابهة للتي حصلت في جنوب أفريقيا، وهدفها «إقامة وإدامة هيمنة فئة عرقية» محددة على حساب فئة عرقية أخرى من البشر باضطهادهم بشكل ممنهج.

ويدخل في نطاق صلاحيات المحكمة الجنائية الدولية التحقيقُ في جرائم الأبارتايد التي تُعرّفها الاتفاقية الدولية التي ذكرناها سابقًا؛ إذ تعتبر أن «الفصل العنصري» من الجرائم الدولية.

وفي مارس (آذار) 2017 نشرت لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية الاجتماعية لغرب آسيا «إسكوا» تقريرًا يخلص إلى أنّ إسرائيل أسست نظام فصل عنصري «أبارتايد» يهيمنُ على الفلسطينيين بشكل شامل، ولكنّ التقرير حُذف بعد ذلك من موقعها.

Embed from Getty Images

جدار الفصل العنصري الإسرائيلي

ويذكر التقرير أنّه بحسب القانون الإسرائيلي، لا يمكن عمليًا للأحزاب الفلسطينية العاملة في إسرائيل أن تعترض على أية تشريعات يمررها الكنيست، وتُحدد مشاركتهم السياسية في أمور هامشية وجزئية، مثل طلب موازنة أكبر، وتتمّ التفرقة في إسرائيل بين «المواطنة» و«القومية»، ويُعطى فلسطينيو الداخل (عرب 48) المواطنة دونَ القومية، ويتمتّع اليهود وحدهم بالأولى والأخيرة.

وبحسب القانون الدولي فجريمة الأبارتايد هي «قوانين آمرة – jus cogens»، بمعنى أنّها مبادئ أساسية مُتفقٌ عليها دوليًا، ولا يحقُّ لأي طرف خرقها، وهي من المبادئ «المطبقة على الجميع – erga omnes»، بمعنى أن الدول التي لم تنضم إلى اتفاقيات تُجرّم الفصل العنصري تظلُّ مسؤولة ومجبرة على الامتناع عن القيام بهذه الجريمة، وتُعتبر جريمة العبودية أو تجارة الرقيق من نفس مستوى جريمة الأبارتايد.

وبحسب منظمة «هيومان رايتس ووتش»، فإنّ الفصل العنصري هو «مصطلح قانوني عالميّ يشير إلى القمع التمييزي الشديد»، وذلك بحسب تعريفين: الأول اتفاقية الفصل العنصري لعام 1973، ونظام روما الأساسي المُؤسس للمحكمة الجنائية الدولية عام 1998، ويتكون التعريف من ثلاثة عناصر أساسية: الأولى «نية إبقاء هيمنة جماعة عرقيّة على أخرى»، والثانية «سياق من القمع الممنهج من الجماعة المهيمنة ضد الجماعة المهمشة»، والثالثة «الأفعال اللاإنسانية».

ولم يكن هُناك جرأة دولية لانتقاد إسرائيل بهذا الشكل سابقًا، أو تصنيفها على أنّها نظام أبارتايد، بسبب عدة عوامل، منها الدعم الأمريكي الكبير لإسرائيل وحمايتها في الأمم المتحدة، وبشكل خاص في مجلس الأمن، مستغلةً حقها في الفيتو؛ لتعطيل أي قرار، أو بيان من المجلس ينتقد إسرائيل.

ولكن الربط بين الأبارتايد في إسرائيل ونموذج جنوب أفريقيا ليس جديدًا على الساحة الدولية، فقد ربطها الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات في خطابه الشهير بالأمم المتحدة عام 1974 عندما قال: «وما زالت شعوب كثيرة منها: زمبابوي، وناميبيا، وجنوب أفريقيا، وفلسطين، وغيرها ضحية للعدوان، والقهر، والبطش، وتشهد تلك المناطق من العالم صراعًا مسلحًا فرضته قوى الاستعمار والتمييز العنصري ظلمًا وإرهابًا، فاضطرت الشعوب المضطهدة إلى التصدي له، وكان تصديها عادلًا ومشروعًا»، وبحسب المفكر جوزيف مسعد، أستاذ سياسة العرب الحديثة، وتاريخ الأفكار في جامعة كولومبيا، فقد كان شائعًا في الستينات عند النخب الآسيوية والأفريقية عمومًا ربط إسرائيل بنظام الأبارتايد، باعتبار إسرائيل دولة تفوّق عرقي يهودي استيطاني.

وفي عام 1975 أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار رقم 3379، الذي يساوي بين الصهيونية والعنصرية، ولكنّ ما تم إقراره كان شيئًا معروفًا وبديهيًا لدى شعوب وأمم العالم، باستثناء من يصفهم مسعد بـ«البيض الأوروبيين، والأمريكيين، الإمبرياليين، الليبراليين منهم والمحافظين على حدٍ سواء».

ولكنّ موازين القوى العالمية والأولويات الدولية ليست كما هي عام 1975، ومع إصرار إسرائيل على بناء المستوطنات على «الأراضي الفلسطينية المحتلة» تحركت المنظمات والقوى الدولية أكثر قليلًا لمعارضة إسرائيل، وكان التحالف الوثيق بين رئيس الوزراء الإسرائيلبي بنيامين نتنياهو والرئيس الأمريكي دونالد ترامب مصدر إزعاجٍ آخر لليبراليين الأمريكيين والأوروبيين، خاصةً بقرار ترامب الاعتراف بالقدس عاصمةً لإسرائيل، ليحسم هو ونتنياهو بذلك عمليًا أي آمال لحل الدولتين الذي كان آمن به المجتمع الدولي لوقت طويل.

وفي يناير (كانون الثاني) 2021 اعتبرت «بتسيلم»، منظمة حقوقية إسرائيلية وغير حكومية، أنّ «النظام الإسرائيلي» المفروض على الأراضي الإسرائيلية، وشرق القدس، والضفة الغربية، وقطاع غزة، تعتبرُ نظام فصل عنصري.

ويقول جوزيف مسعد بأنّ تصنيف منظمة «هيومن رايتس ووتش» لإسرائيل باعتبارها نظام أبارتايد جاء متأخرًا جدًا، ويرى أن المنظمة الحقوقية لم تكن لتتجرأ على هذا التصنيف، إلا بعد أن فعلت منظمة بتسليم الإسرائيلية. ويقول مسعد: «كانت هيومان رايتس ووتش حريصة في توضيح أنها لا تتهم إسرائيل بأنها «دولة فصل عنصري»، ولا تقارنها بنظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا؛ لأن هذه مفاهيم «غير محددة في القانون الدولي»، ويفترض أنها بالتالي ليست مقارنات موضوعية!».

الأبارتايد في فلسطين.. ليس فقط جدار الفصل العنصري

إحدى أكثر الأمثلة فجاجة لممارسات إسرائيل العنصرية هو جدار الفصل العنصري الفاصل بين الضفة الغربية التابعة للسلطة الفلسطينية، وبين باقي الأراضي التي تحتلّها إسرائيل، بنت إسرائيل الجدار بحجج أمنية ودفاعية، عمليًا يعيق الجدار الفلسطينيين، ويصعب عليهم متابعة حياتهم اليومية، وبطبيعة الحال يستطيع الاحتلال عن طريقه فرض السيطرة على التنقل والدخول والخروج من وإلى الضفة الغربية.

ولكنّ هُنالك جوانب لنظام الأبارتايد ليست ملموسة مثل جدار الفصل العنصري؛ إذ يوجد اليوم 6 ملايين و800 ألف فلسطيني يعيشون تحت وطأة الاحتلال الإسرائيلي بجميع جوانبه الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وتطبق عليهم إسرائيل أنظمة الفصل العنصري بكل الطرق الممكنة، ولا يقتصر نظام الأبارتايد على فلسطينيي الضفة الغربية أو قطاع غزة، بل يشمل عرب 48، فمثلًا لا يمكنهم أن يعيشوا في أيٍّ من البلدات اليهودية، ويتركز سكنهم في حوالي 3% فقط من إسرائيل.

أما في القدس فلا يضمن المقدسيون حقهم في الإقامة، بل يمكن للسلطات الإسرائيلية إلغاءها في أي وقت، وعلى عكس ذلك تسهل الحكومة الإسرائيلية انتقال المستوطنين للعيش في القدس وأحيائها، وبالنسبة لحاملي هوية الضفة الغربية، فهم ممنوعون من البناء على غالبية أراضيهم، وكما هو معلوم يعيش أهل قطاع غزة حياة غاية في الصعوبة، بلا مطار، أو ميناء، أو أي منفذ مفتوح بشكل دائم يسمح لهم بالخروج والتنقل، فضلًا عن التمكّن من الإقامة والسكن في مناطق أخرى بفلسطين.

مصدر الصورة: منظمة هيومن رايتس ووتش

ويعدُّ حي الشيخ جراح مثالًا لسياسات الأبارتايد في شرق القدس، ومحاولات إسرائيل تهجير أهالي الحي وإحلال مستوطنين مكانهم، ومثلها قرية خان الأحمر الواقعة على الطريق السريع الأول، ويحاول الاحتلال منذ عقود إخلاء هذه القرية ليربط بين المستوطنات ومدينة القدس بشكل مباشر في إطار ما يسمى بمخطط «إي 1 – E1» الاستيطاني.

ومنذ بداية الاحتلال الإسرائيلي الساعي لتهويد القدس بزيادة السكان اليهود، بسبب ما تسميه «التهديد الديموغرافي»، ومنذ دخول الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، يتلاعب الاحتلال بحدود بلدية القدس؛ بهدف تقليل نسبة السكان الفلسطينيين الرسمية، وزيادة نسبة اليهود؛ لتصبح معادلة القدس عاصمةً لإسرائيل معادلةً مهندسةً مرسومةً على الخريطة، وموجودة على أرض الواقع.

في ورقةٍ بحثية نشرت عام 2010 ترى مارثا سالديفرال، مختصةٌ بالدراسات الإثنية، فإن أحد أبعاد نظام الفصل العنصري يمكن رؤيته في فرض الرواية التاريخية للحركة الصهيونية في المناهج التعليمية، وتصويرها بأنّها حركة تحرر وطني، وتذكر أيضًا بأنّ وزارة التعليم الإسرائيلية أمرت بإزالة كلمة «النكبة» من جميع الكتب الدراسية.

وتُحاول إسرائيل بكثرة تصوير نفسها على أنّها دولة تعددية، يتعايش فيها المسلمون واليهود بسلام ووئام، ولكن هذه الحملات الدعائية تخفي وراءها قناعات دينية وظّفتها الحركة الصهيونية أثناء مرحلة التخطيط والإعداد لتأسيس إسرائيل، بتصوّر أنها ستكون دولةً يهودية خالصةً، تشملُ الأراضي الفلسطينية «كاملةً»، وفي يوليو (تموز) 2018 أقرَّ الكنيست الإسرائيلي «قانون القومية الجديد»، وهو قانون أساسيّ يُعرف إسرائيل كدولة قومية لليهود، وبتمرير هذا القانون التمييزي أقرت إسرائيل ضمنيًا بأنّها دولة أبارتايد.

وفي الحقيقة فإنّ تداعيات نظام الفصل العنصري ليست منحصرةً على الفلسطينيين فقط، بل تطبقه الدولة الإسرائيلية بمستوى أقل على اليهود الإثيوبيين الذين يشهدون عنصرية كبيرة، وبذلك تتراكم طبقات من التمييز على أساس الدين والإثنية، وعلى أساس اللون، ولذا تشهد إسرائيل داخليًا احتجاجات متكررة من هؤلاء الإثيوبيين للمطالبة بحقوقهم.

المصادر

تحميل المزيد