ربما مرت إحدى هذه العبارات بك: «هذا الشخص يمكنه شم رائحة الخوف»، «أشتاق إلى رائحة أبي في ملابسه». «السعادة لها رائحة جميلة». يتجاهل البعض حاسة الشم، أو لنقل إننا لا نعطيها حقها، مثل بقية الحواس الأخرى مثل اللمس والبصر، رغم أن لهذه الحاسة أهمية كبيرة، خصوصًا ما يتعلق بروائح الأجساد البشرية.

توفر الروائح الجسدية لدينا قناة تواصل، تطورت لمساعدتنا على البقاء والنمو. لقد اكتشفنا الآن أن رائحة كل شخص فريدة من نوعها، إذ إنه حتى التوائم المتطابقة لا تتشابه رائحة أجسادهم تشابهًا متطابقًا تمامًا. أضف إلى أن لكل واحد منا أنفًا وحيدة فقط، مهمتها التعرف إلى الروائح المختلفة.

علاوة على ذلك، فقد تعلمنا أن الروائح المنبعثة من أجسادنا وفتحات أنفنا هذه تساعدنا على بناء الروابط الأسرية، وتجذبنا إلى الشركاء، وتحيد بنا عن الخطر، والمرض، والعدوان، بل إنها تسمح لنا أيضًا باستنشاق سعادة الآخرين. الأمر يبدو غريبًا للبعض، لكن تأثير روائح أجسادنا في حياتنا أكثر بكثير مما نتخيل. وتشير الدلائل العلمية الحديثة إلى أننا أصبحنا أقل رائحة، ونفقد القدرة على اكتشاف روائح معينة.

لاحظ هنا أن رائحة أجسادنا ليست هي الفريدة من نوعها بالنسبة لكل شخص، ولكن حاسة الشم عند كل شخص وتمييزه للروائح وإحساسه بها هي أيضًا ميزة فريدة، وتختلف من شخص لآخر.

«عبير المني» و«لبننا السائل».. موجز تاريخ رائحة الجسد البشري

قصة رائحة الأجساد تبدأ منذ ما قبل الولادة

رغم هذا التأثير الكبير لرائحة أجسادنا في العلاقات بين البشر، فإنه على مر التاريخ وعبر الثقافات، نظف الناس رائحة أجسادهم وأزالوا الروائح الكريهة لإخفاء روائحهم الطبيعية. هذا الأمر كان يحدث في الماضي ربما بطريقة أكبر مما نفعله هذه الأيام. في كل يوم، نحن نتحكم في «صورتنا الشمية». وإذا كانت هذه الرائحة شكلًا من أشكال التواصل القوي بين البشر، فإن كرهها أمر محير.

يبدأ دور الرائحة في حياتنا قبل أن نولد. يقول بينويست شال من المركز الوطني للبحوث الطبية في فرنسا، إن العديد من المواد الكيميائية ذات الرائحة المرتبطة بالأغذية يمكنها عبور المشيمة، مما يعطي الأجنة نكهة وفكرة عما تأكله الأم. قد يساعد هذا في تفسير السبب الذي يجعل الأطفال، بعد الولادة، يجدون رائحة حليب الإنسان – التي تحتوي على نكهة مرتبطة بغذاء كانت تتناوله الأم – جذابة في جوهرها.

Embed from Getty Images

(تحتوي إفرازات الإبط على ثلاث مكونات رئيسية عديمة الرائحة)

حتى إن فريقًا علميًّا وجد أن رائحة الأم تساعد عقل المولود الجديد على تحديد الوجوه، مما يشير إلى أنه حتى سن مبكرة، فإن القدرة البصرية للمواليد تشمل الرائحة أيضًا. ويتوقع العلماء أن يكون لدى الأطفال فترة حساسية مبكرة لرائحة أمهم، مما يعزز الدافع للتعلق، مثل «البصمة» التي نراها في الطيور وبعض الثدييات الأخرى. بمعنى آخر فإن حاسة الشم هي التي تجعل المولود الصغير يعرف أمه وسط عشرات النساء الأخريات تمامًا كما تفعل الطيور.

رائحة المواليد الجدد لها انطباع كبير عند الآخرين أيضًا. إذ تُنَشِّط رائحة رأس المولود الجديد «دوائر المكافأة» في أدمغة البالغين، النشاط نفسه يحدث على غرار رائحة تلقي العلاج أو حتى تناوله. هذه طريقة فعالة عند الأطفال لتذكير البالغين برعايتهم والاهتمام بهم.

تتبخر رائحة حديثي الولادة بعد حوالي ستة أسابيع من الولادة، ولكن مع تقدمنا في السن، تؤثر مجموعة كبيرة من الأشياء في باقاتنا الشخصية الخاصة برائحة جسدنا، مثل: النظام الغذائي، العمر، الخصوبة، المرض، وحتى الحالة الذهنية. رائحة كل منا فريدة من نوعها، لدرجة أن البعض حاول استخدام «بصمة الرائحة» لتحديد المجرمين، أو «شهود حاسة الشم» لاستنشاق المشتبه بهم في قائمة المتابعة.

رائحة الإبطين ليست هي رائحة جسدك

ولكن ما الذي يشكل بالضبط الرائحة الخاصة بك، رائحتك الفريدة؟ عالم الروائح البشرية واسع، ومعظم معرفتنا به محصورة في روائح الإبطين. هذا الرابط هو ما جعلنا نشكل اعتقادًا سلبيًّا بشكل عام حول رائحة الجسم، على الرغم من أن رائحة الإبط تختلف عن الروائح الضارة الأخرى.

يقول أندرياس ناتش، العالم في شركة «جيفودان» للعطور: «رائحة الإبطين ليست رائحة سيئة، حتى لو كنا ننظر إليها على هذا النحو». بمعنى آخر، لا تحتوي على مواد كيميائية متطايرة صغيرة مرتبطة بأشياء مثل اللبن الزبادي، أو التسوس، أو البراز، وذلك بعكس رائحة أنفاسنا، وأقدامنا التي قد تكون بها مواد سيئة.

بدلًا من ذلك، تحتوي إفرازات الإبط على ثلاث مكونات رئيسية: الثيول، والستيرويدات، ومجموعة متنوعة من الأحماض. هذه الأنواع الثلاثة عديمة الرائحة، لكنها تتحول إلى مركبات ذات رائحة كريهة بواسطة الميكروبات التي تعيش على أجسامنا. نحن نعلم أن علم الوراثة يلعب دورًا ما هنا، بجانب الميكروبات، في تحديد مدى قوة ونفاذية هذه الرائحة. لكننا ما زلنا لا نعرف كل الخطوات في العملية.

بشكل عام، يميل الأشخاص الذين لديهم الكثير من البكتيريا الوتدية «Corynebacterium» – وهي البكتيريا الأكثر شيوعًا عند الرجال- إلى امتلاك رائحة نفاذة، في حين أن الذين لديهم الكثير من بكتيريا المكورات العنقودية يملكون رائحة أقل سوءًا. ويميل الرجال أيضًا إلى التعرق أكثر، وإطلاق مزيد من المواد الثلاثة لإطعام تلك الميكروبات، وهذا سبب آخر يجعل رائحة عرق الرجل أسوأ.

ربما يبدو التصرف غير مهذب عندما يبتعد الشخص بسرعة بعد شم رائحة تعرق إنسان آخر، لكن هذا الأمر في الحقيقة هو عملية رد فعل طويلة الأمد. إذ إن هناك حساسية عالية للأنف البشري تجاه هذه الرائحة. وهذا يشير إلى أن هذه الرائحة الكريهة كان لديها بعض الوظائف في تاريخ البشرية، حتى لو أصبحت في أيامنا هذه مجرد رائحة سيئة.

الروابط الإنسانية.. قدرات هائلة على شم الروائح

حتى وقت قريب، كان يعتقد أنه يمكننا اكتشاف حوالي 10 آلاف رائحة فقط. لكن في عام 2017، أصبحت هذه الفكرة مجرد خرافة من قبل العلماء. فعند مقارنة التشريح العصبي لـ24 من الثدييات، وجد أنه يمكن للبشر أن يشموا ما يصل إلى تريليون رائحة مختلفة، وهي قدرة تشبه ما يوجد عند الكلاب أو الفئران.

ومع ذلك، ما تزال عندنا تلك الفكرة، أن الرائحة أقل أهمية بالنسبة لنا. يعتقد البعض أننا نحن البشر لا نسير عادةً نحو الغرباء ونشمهم علنًا، هكذا نعتقد. لكن أظهر فريق علمي أننا نستنشق أيدينا كثيرًا، ومن المرجح أننا نفعل ذلك مرتين بعد مصافحة شخص غريب. المصافحة ليست سوى واحدة من الطرق الدقيقة التي نجرب بها رائحة شخص آخر.

لكن ما الذي يجعلنا نحاول شم روائح الغرباء؟ على الرغم من الحماسة الشائعة لفكرة الانجذاب الجنسي، فإنه لا يوجد دليل جيد على وجود «فيرمونات» معينة تدفع إلى الانجذاب الجنسي. والفيرمونات عبارة عن مواد كيميائية تطورت لتحفز سلوكًا محددًا لدى الفرد الذي تشتمه. يفرزها جسم الإنسان سواء ذكر أو أنثى، خارج جسده؛ بغرض التأثير في الجنس الآخر، وجذبه جنسيًّا لممارسة الجنس. تخرج هذه الفيرمونات في صورة رائحة تؤثر في الطرف الآخر، وتثير مشاعره.

Embed from Getty Images

لكن العديد من الباحثين يعتقدون أننا ربما ننتج الفيرمونات. ويعتقد هؤلاء أن أول هرمون سيتم اكتشافه هو ذلك المتعلق بالأمهات وأطفالهن، إذ نعلم بالفعل أن الرائحة تلعب دورًا في الترابط، وأن الأمهات يمكنهن التعرف إلى رائحة أطفالهن بعد دقائق من الولادة.

تلعب رائحة الجسم بلا شك دورًا أوسع في التعرف إلى الأقارب، لكن الدراسات أظهرت نتائج غير متناسقة بشكل غريب. تقول إيلونا كروي من جامعة دريسدن التقنية بألمانيا: «يعتمد التعرف إلى الأقارب على الإلمام والمكون الوراثي». وتشير إلى أن جميع الأمهات لا يعترفن برائحة أطفالهن، لكن إذا فعلن ذلك، فإنهن يفضلن ذلك كثيرًا على رائحة الأطفال الآخرين. وتقول: «يبدو أن الألفة أكثر أهمية».

المكون الوراثي للتعرف إلى الأقرباء عبر الشم أمر محير. يُعتقد أنه يعتمد على مجموعة «مستضدات كريات الدم البيضاء» (HLA)، والتي تختلف كثيرًا بين الأفراد، ورموز البروتينات المرتبطة بالمناعة. لقد افتُرض أن البشر ينجذبون جنسيًّا إلى رائحة الأشخاص الذين يختلف (HLA) عنهم، استنادًا إلى بحث أشار إلى أن هذا هو الحال بالنسبة للعديد من الحيوانات.

سيكون ذلك بمثابة نعمة تطورية للذرية؛ لأنه كلما كان المتزاوجون أكثر تنوعًا، كان الجهاز المناعي أقوى. لكن الدراسات التي أجريت على البشر كانت متباينة ومثيرة للجدل، وفشل تحليل كبير أجري عام 2017 في تأكيد أن (HLA) يقود إلى الانجذاب الجنسي، على الرغم من أنه أظهر أننا نفضل الأشخاص ذوي التنوّع العالي من المستضادات.

هل يمكننا شم العواطف؟

وبعيدًا عن الروابط البشرية، تنقل روائحنا الجسدية عالمًا آخر من المعاني، خاصةً فيما يتعلق بالعواطف. على سبيل المثال، لا تدع الدراسة الوصفية المنشورة في عام 2017 مجالًا للشك في أننا يمكن أن نشم رائحة الخوف والتوتر والقلق في الروائح الجسدية للآخرين.

في الآونة الأخيرة، حلل باحثون عرق الغواصين في أثناء قفزتهم الأولى، ووجدوا أنه يحتوي على 29 مركبًا متطايرًا غير موجود من قبل. وبالمثل، باستخدام العرق من المصارعين في أقفاص، اكتشف باحثون أنه يمكن للناس التعرف إلى الفائزين والخاسرين، مما يوحي بأن الرائحة تساعدنا على إدراك الهيمنة.

ووجد الباحثون أيضًا أن شم الدموع الناتجة عن المشاعر السلبية يقلل من هرمون التستوستيرون لدى الرجال، ربما من خلال مادة كيميائية متطايرة تسمى «hexadecanal»، والتي تعدل درجة العدوانية في الثدييات. حتى إن بعض الأبحاث أظهرت أن شم رائحة قلق شخص آخر يمكن أن يعزز التعاطف.

وأجريت القليل من الأبحاث حول ما إذا كانت رائحة الجسم تنقل المشاعر الإيجابية، ولكن تبين أن رائحة الشخص الذي يحبه إنسان ما يمكن أن تقلل التوتر. يعتقد باحثون أن رائحة المشاعر الإيجابية، حتى عند الغرباء، قد تساعد في توضيح سبب «عدوى السعادة». فقد أظهرت دراسة أن رائحة الأشخاص السعداء تنتج استجابات فسيولوجية جيدة للشعور بالآخرين.

رائحة الجسد.. وسيلة لمعرفة الأمراض

من الواضح أن رائحة الجسد تطورت على مدى آلاف السنين لتكون قناة اتصال خفية ومتعددة الجوانب، ولكن تظل الحقيقة أنها تربطنا في كثير من الأحيان. لماذا؟ سبب واحد واضح: بعض الروائح الجسدية تهدف إلى الرفض والصد. هذا صحيح بالنسبة للروائح المرتبطة بالمرض.

لا يمكننا جميعًا أن نكون متفوقين مثل جوي ميلن، تلك المرأة التي يمكنها اكتشاف رائحة مرض الشلل الرعاش، ولكن يمكن لأي شخص أن يتعلم التعرف إلى مجموعة من الأمراض بما في ذلك مرض السكري، والالتهاب الرئوي والكوليرا، وبعض أنواع السرطان الناجمة عن الروائح المحددة المنبعثة من العرق، من خلال الروائح المنبعثة من النفس والبول والبراز.

Embed from Getty Images

(رائحة حديثي الولادة لها دور مهم في العلاقة مع الآخرين)

حتى بدون تدريب طبي، نجد أن عرق الفرد يصبح أكثر كثافة وأقل استحسانًا عندما يكون مريضًا. عن طريق العرق، نكتشف على مستوى اللاوعي، ما إذا كان الجهاز المناعي لشخص آخر أصبح نشطًا استجابةً لعدوى ما.

ويمكن لكرهنا لرائحة الجسد أن يساعدنا في تجنب الأخطار الأخرى. يشير مصطلح «تمييز الأقارب» (أو Kin recognition) إلى القدرة الكامنة التي يتمتع بها حيوان ما على التمييز بين أقاربه الذين يحملون جينات مشابهة لتلك التي يحملها وبين غيرهم. تخدم هذه القدرة غرضين رئيسيين: الأول هو الترابط، والآخر هو تجنب سفاح المحارم. هذا من شأنه أن يفسر النتيجة التي مفادها أن الآباء يميلون إلى كره روائح أجساد أطفالهم من الجنس المقابل عندما يبلغون سن البلوغ.

شم «رائحة العدوان» قد تضعنا في حالة تأهب أيضًا. فقد وجد باحثون استجابة مميزة في الجزء الحسي من أدمغة النساء عندما يستنشقن العرق من الرجال العدوانيين، وهو أمر يُعتقد أنه تطور لمساعدة النساء على تجنب العنف.

ولماذا نتجنب روائح جسدنا؟

أحد الأسباب الواضحة التي تجعلنا نعمل، بعكس الثدييات الأخرى، على التخلص من روائحنا هو أننا نفهم العلاقة بين سوء النظافة الشخصية والمرض. نحن نعلم أن الاغتسال يمكن أن يزيد من فرصنا في البقاء على قيد الحياة. قد يظن البعض أن هذه التصرفات بدأت مع الثورة الصناعية في أوروبا، لكن هناك تاريخًا أطول بكثير للنظافة الشخصية في شرق آسيا، وهو ما قد يساعد في تفسير حقيقة أن العديد من الآسيويين ليس لديهم رائحة تحت الإبطين، نتيجة لطفرة وراثية بأحد الجينات.

ورغم هذه العدائية تجاه روائح أجسادنا، فإن هناك الكثير من الروائح التي نحبها غير تلك المتعلقة بحديثي الولادة. في الظروف المناسبة، نحن نقدر حتى أكثر الروائح البشرية نفاذة. فنحن نشعر باشمئزاز أقل من الروائح الكريهة لأقرب وأعز أقاربنا ومعارفنا. ونحن نتمتع بإيجابية برائحة الشخص الذي ننجذب إليه جنسيًّا عند الرقص معه مثلًا.

«السلاح السري» للجاذبية الجنسية.. ماذا تعرف عن «الفيرمونات»؟

المصادر

تحميل المزيد