حياة المصري القديم لها صورة ذهنية كوّنها معظم الناس من الدراما التي تقدم عن تلك الحقبة، ولكن ما مدى مصداقية كل ما يقدم من تجسيد عن الحياة اليومية للمصري القديم؟ أين كان يسكن؟ وما معنى الأسرة في حياته؟ وما هي العادات والتقاليد الاجتماعية التي تربط المواطنين ببعضهم البعض؟

في هذا التقرير نأخذك في جولة تطلع فيها على حياة مواطن مجهول عاش في عهد أحمس خلال فترة حكم الأسرة الحديثة، لتشكيل صورة ذهنية تاريخية سليمة عن الحياة في مصر القديمة، من خلال قصة حب متخيلة بين الشاب «نفر-ايب»، وحبيبته «سنهت-فرو».

«تلك التي تشرق شمس رع من أجلها»

«عاد الملك المنتصر.. عاد الملك المنتصر»؛ سمعها «نفر-ايب» بطل قصتنا وهو يقف مع بعض أصدقائه بجوار منزله، ودون اتفاق توجهوا جميعًا لمشاهدة الموكب الذي يحتفي بالملك المصري أحمس الذي انتصر على الهكسوس، وجاء إلى أهل طيبة ليحتفل معم.

كان الملك يقود عربته الحربية الفاخرة المغطاة بالذهب المنقوش عليه مشاهد قتالية ينتصر فيها على أعدائه، وعلى رأس الملك تاج الحرب الأزرق بالصل الذهبي «الثعبان الذي يكون فوق الرأس» اللامع تحت ضوء الشمس الساطع، بينما وقف المواطنون يشاهدون الموكب وهم يرتدون النقبة الكتانية لتحميهم من حرارة الشمس القوية.

 والنقبة هي الرداء الأكثر انتشارًا بين طبقات المواطنين على اختلافها في عصر الملك أحمس – عصر الدولة الحديثة – وكانت تتكون من قطعة مستطيلة بيضاء من الكتان تُثبت حول الوسط بحزام، وتترك الركب عارية بينما الصدر يغطيه قميص من الكتان ويغطي الكتف الأيسر ويترك الأيمن عاريًا، وحين كانوا يذهبون للصيد كان يثبت لهم في الحزام من الخلف بذيل ذئب.

في لحظة مرور الموكب وتشتت الحشد في عدة اتجاهات، رآها «نفر-ايب» – والذي يعني حرفيًا القلب الطيب – ودق قلبه حين رؤيتها «تلك التي تشرق شمس رع من أجلها»؛ حبيبته «سنهت- فرو» كانت ترتدي ثوبًا بسيطًا، والذي كان ينتشر بين معظم طبقات المجتمع المصري القديم، متكون من رداء بسيط خال من الثنايا، ضيق يصف مفاتن الجسم بوضوح، والزخارف الملونة تزين الكتان الأبيض الذي يبرز بشرتها الخمرية اللامعة تحت ضوء الشمس.

وقع في غرامها منذ كانوا صغارًا، إذ كان يراها يوميًا لأنها تعيش جواره، ويعمل والداهما معًا في متجر لصناعة الفخار يتشاركون فيه يصنعون فيه الأواني الفخارية والمباخر المستخدمة في الطقوس الدينية بالمعابد، كان العمل مزدهرًا نظرًا لأن الفخار كان المادة الأساسية المستخدمة في الأواني بالمنازل المصرية القديمة، ما منح الأسرتين حياة كريمة بين الطبقة المتوسطة.

يتذكر «نفر-ايب» كل الألعاب التي كان يلعبها هو و«سنهت- فرو» أمام متجر الفخار الذي يملكه الوالدان، لعبا سويًا لعبة تُعرف الآن باسم كرة القدم، والعرائس المتحركة المصنوعة من الخشب، ولكن عندما كبر نفر بدأ يلعب وحيدًا مع الشباب ألعاب الصيد والرماية والتمرينات اليدوية بينما تشاهده سنهت من بعيد وهي فخورة به، خاصة وأنه كان ماهرًا في ألعاب المصارعة والجري والقفز.

لم تكن الألعاب وحدها الذي شاركها نفر مع حبيبته في طفولتهما، بل التعليم أيضًا إذ كان يتعلم الاثنان في منزل سنهت، فقد كان التعليم في المنزل هو النظام الأكثر انتشارًا في مصر القديمة، وفي هذا الوقت كان الطفل ينشأ في ظل أسرة مستقرة من زوج وزوجة -فالزواج من أكثر من امرأة للملوك فقط- يتمتعان بنفس القسط الوافر من الحرية الشخصية والمالية، وكان للطفل الأكبر نصيب من المسؤولية فهو يكون المسؤول عن دفن أبيه في حال موته بجانب القيام بجميع مراسم الطقوس ورعاية الأسرة في حالة غياب الأب، وهو ما حدث لنفر وهو في سن 11 عامًا، ما جعل منه مراهقًا ناضجًا يكاد يكون وصل لسن النضوج العقلي.

«أسعدها طالما حييت فهي حقل مثمر لسيدها»

ولكنه لا يزال ممتنًا لأبيه الذي نقل له أسرار مهنته كفخراني – صانع الفخار- وهي المهنة التي تعود أصولها إلى جدود نفر، وهو الأمر الذي كان ينتشر في مصر القديمة، إذ كانت تنتقل المهنة من الجد للأب للابن وهكذا لعدة أجيال متوالية حتى تحتكر تلك الأسر هذه المهنة، ومهنة الفخراني كانت مهنة أسرة الحبيبين منذ أقدم الجدود.

يتذكر نفر أيضًا لأبيه كلامه الذي قاله له عندما أدرك أن نفر منذ طفولته يتمنى الزواج من سنهت، ويكاد يسمع صوته في أذنه وهو يعيد عليه تعاليم بتاح حتب قائلًا: «إن كنت رجلاً ناجحًا، فأسس بيتًا، وأحب زوجتك التي به، أشبع جوفها، واستر ظهرها، وعالج جسدها بالزيوت العطرية، أسعدها طالما حييت، فهي حقل مثمر لسيدها».

ويذكر أيضًا تحذيرات والده الموروثة من نفس التعاليم حينما قال له: «إذا كنت تريد أن تكون موفور الكرامة في أي منزل تدخله، سواء كان منزل أخ أو صديق فلا تقرب النساء، فما من مكان دخله التعلق بهوى النساء إلا وفسد، ومن الحكمة أن تجنب نفسك مواطن الشطط والزلل، ولا توردها موارد التهلكة فإن آلافًا من الرجال أهلكوا أنفسهم وعملوا على حتفهم من أجل تمتعهم بلذة عارضة.. تذهب كحلم.. فى لمح البصر».

جال كل هذا في ذهن نفر وهو ينظر لحبيبته من بين الحشود، والفرحة تدق قلبه لاقتراب عرسهما، صحيح هما في سن المراهقة، ولكن هذا العمر كان مناسبًا للزواج في مصر القديمة، خاصة وأن نفر تعلم تحمل المسؤولية عن نفسه وأسرته المكونة من أمه وثلاثة أشقاء أصغر منه منذ وفاة والده، وكان فرحًا أكثر لأنه انتهى من بناء البيت الذي سيعيش فيه هو وسنهت بعد الزواج، كان البيت مبني باستخدام الطوب الني أو البوص والطين، وكان – مثل باقي بيوت مصر القديمة – يتكون من حجرة واحدة بيضاوية أو مربعة الشكل لها باب واحد، وزيّن الحائط بأبسطة من البوص التي تتدلى منها سلاسل وأوان فخارية صنعها بيده تستخدم للخزين.

كانت البيوت ريفية نظرًا لأن المصري القديم كان يعيش في مجتمع زراعي من الدرجة الأولى، ولذلك كانت البيوت رحبة وجيدة التهوية ملائمة للأجواء الحارة بنوافذها الشبكية وساحاتها الواسعة والجدران البيضاء، أما الأرضيات فعادة ما تكون مكسوة بقراميد من الفخار.

«وإذا أكلنا لا نشبع»

اقترب نفر من حبيبته واصطحبها إلى منزل والديها، حيث كان مدعوًا هو وأسرته على الطعام، بمناسبة احتفالات النصر التي تشهدها البلاد، فإقامة الولائم في حياة المصري منذ هذا العصر وحتى الآن مظهر من مظاهر الاحتفالات، وساعدت التربة الخصبة والمياه النهرية الوفيرة في أرض مصر سكانها على التنوع في المحاصيل الغذائية، بجانب توافر الأسماك والطيور والتي استغلها المصري القديم سواء في مائدته أو في تقديم القرابين للآلهة.

على الرغم من حب الطعام في حياة المصري القديم فإنه كان حريصًا على رشاقته وصحته فلم يكن يصرف في كمية الطعام التي يتناولها، وقد تعمد إظهار رشاقة قوام الرجل والمرأة من خلال النقوش والمنحوتات الفنية والتعاليم الأدبية أيضًا، كمثل أعلى.

«إذا جلست مع أناس كثيرين لتناول الطعام، فانظر إلى الطعام بلامبالاة، وإن كنت تشتهيه، فإن ضبط النفس لا يكلف الإنسان أكثر من لحظة، وعار أن يكون الإنسان شرهًا، فقدح من الماء يروي الغلة» من النصوص الأدبية المصرية القديمة.

التف نفر وأسرته مع أسرة حبيبته حول الطعام بينما جلسوا جميعًا على الأرض حول الطعام مثلما تعود المصري القديم، وكان الطعام متنوعًا بين البازلاء والثوم والبصل والخس، والفواكه مثل التمر والتين والعنب والرمان والبطيخ، ونبهت عليهم الأمهات بعد تناولهم الطعام ألا يذهبوا إلى المعبد حتى تزول رائحة البصل والثوم من الفم، لأن دخول المعابد في مصر القديمة غير محبب لمن تناولهما وفاحت رائحتهما منه.

 وهذا لأن التواجد في حضرة المعبد يجب أن يكون زكيًا، ولذلك تُشعل أعواد البخور في المعابد لتكون رائحتها جميلة، وبعد أن تناولت الأسرتان الطعام؛ اتفقنا على ميعاد عرس نفر وسنهت، ونظر نفر وقال لحبيبته: «أتمنى لو بنيت لك معبدًا أو حفرت لك بحيرة شاسعة كالتي أمر امنحوتب الثالث بصنعها لحبيبته.. ولكن الحياة الكريمة الآمنة هي التي أقدمها إليكِ حتى تتلاقى أرواحنا في العالم الآخر».

حلقة البعث: «يا دبلة الخطوبة»

استعد الكاهن لعقد زواج الحبيبين، بعد أن قام بحلاقة شعر جسده كاملًا كما جرت العادة، وتعطر بالمسك والبخور، وجهّز ثلاث نسخ من عقد زواج نفر سنهت واحدة من أجل العروسين، وواحدة تحفظ معه – الكاهن- وتنص عليهم بعض الشروط التى يجب تنفيذها فى الزواج، أما الأخيرة فكانت تحفظ بدار المحفوظات حتى لا تضيع حقوق الزوجين، ثم أمسك بـ«حلقة البعث» التي أحضرتها والدة العروس له قبل يوم من الزفاف وتأملها وهو يتمنى زواجًا سعيدًا للعروسين المراهقين.

كان القدماء المصريون أول من استخدم خاتمًا للزواج على شكل دائرة وأطلقوا عليه حلقة البعث، تعبيرًا عن اتحاد الرجل والمرأة بأنه حلقة مفرغة بلا نهاية رمزًا لأبدية الحب بينهما على الأرض وفي الحياة الأخرى بعد البعث، وكان هذا الخاتم يصنع من الذهب ويلبسه الزوجان في اليد اليمنى قبل الزواج، وينقل لليسرى بعد الزواج كما يفعل المصريون الآن.

على الجانب الآخر كانت أسرة العروسين تعمل على تجهيز منزلهم من المأكولات والمشروبات التي تصلح للتخزين وتكفيهم لمدة شهور، بجانب طهي كمية كبيرة من الطعام تكفي العروسين لأيام الزواج الأولى حتى لا تجهد العروس نفسها في أعمال المنزل وتستمع بزوجها وحبه، بجانب أن الأمهات كانوا يؤمنون أن تجهيز منزل العروس بكميات كبيرة من الطعام تمنح الزواج بركة التوافق بين العروسين.

في مكان العرس من أمام منزل العروسين في الساحة الواسعة، زيّن المكان بزهور الياسمين، حيث اعتقد المصريون القدماء في أهمية الروائح الطيبة والبركة التي تمنحها للمكان، وتجهزت الفرقة الموسيقية بالدفوف، وشخاليل حتحور وحينما شاهدوا العروسين قادمين بدأوا في غناء مقطوعة شعرية رومانسية انتشرت في هذا الوقت تقول: «انظروا، ها هي تهل، انظروا ينحني الرجال فقد عشقوها جميعًا، أتضرع إلى ربتي التي وهبتني أختي، سأقيم عيدًا بربتي قلبي يطير ويكاد يفر في صدري».

وفي تلك المقطوعة الشعرية يقصد بالربة «الإلهة حتحور» رمز الحب والموسيقى في مصر القديمة، ويقول الشاعر على حبيبته أختي ليست لأنها شقيقته بالدم، بل كان ينادي الحبيب حبيبته بهذا اللقب وتناديه هي بأخي إمعانًا في الحميمية كما تقول المرأة أحيانًا الآن في مصر لزوجها «يا خويا»، وجدير بالذكر أن الرجل في عامة الشعب لم يكن يتزوج من أخته، فقد كان هذا العرف جاريًا بين الملوك فقط حتى لا يخرج الدم الملكي من الأسرة، بينما عامة الشعب كان من المفضل زواج أولاد العمومة والأقارب، ولكن الزواج من أسرة أخرى كان متاحًا أيضًا، مثل الحال مع العروسين أبطال قصتنا.

«الحب في رحاب الحج»

الطقوس الدينية في حياة المصري القديم كانت جزءًا من حياته اليومية، ولذلك كانت أول رحلة يقوم بها الزوجان هي إلى أبيدوس حيث معبد سيتي الأول مقر الحج للديانة المصرية القديمة، وأيضًا كان يتواجد فيه مجموع من أهم الكهنة الذين يمارسون الطب المصري القديم، لرغبة العروسين في إنجاب الأطفال، ويريدون وصفات عشبية من الكهنة لتحفيز الحمل.

بعد حصولهم على الوصفة من الكاهن الطبيب انضموا للمجموعة التي تمارس طقوس الحج في المعبد، حيث ساروا وراء الكاهن الذي يشرف على مراسم الحج وهو يرتدي رداءً من جلد النمر ويردد الصلوات المصرية القديمة للإله أوزوريس والتي تقبع مقبرته الرمزية في نفس المعبد، وفي نهاية الرحلة وعد نفر زوجته الصغيرة بأن يقيم لها سبوعًا مهيبًا حين يرزقون بطفل، والذي تتشابه مراسمه مع نفس مراسم السبوع الذي لا يزال يقام في مصر حتى الآن.

بعد تلك الجولة القصيرة، والتي كانت نافذة صغيرة على الحياة اليومية الحافلة بالتفاصيل والعادات؛ يمكننا أن نلاحظ بعض التفاصيل التي ما زلت تمارس حتى الآن في مصر مثل عيد شم النسيم المرتقب وهو من أهم الاحتفالات التي ورثها المصريون عن القدماء، كما يمكننا أن نلاحظ أن تقدير المرأة والأسرة والرومانسية كانوا جزءًا لا يتجزأ من حياة المصري القديم سواء كان ملكًا أو مواطنًا عاديًا، لكن جدير بالذكر هنا أن قصتنا ليست مختصرًا للحياة في كل عصور مصر القديمة، وكأنها حياة بلا مشاكل، فالمصري القديم كان يعاني ويلات الحياة في عصور الجفاف على سبيل المثال.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد