لم تنته مشاكل تنظيم «تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)» عند مقتل زعيمه السابق، أبي بكر البغدادي، أواخر أكتوبر (تشرين الثاني) الماضي، بل كان هذا الحدث الذي ظل لأسابيع يتصدر الصحف وعناوين الأخبار حول العالم، إيذانًا بتساقط بعض أوراق «داعش» في أوروبا تحديدًا.

خلال أقل من شهر تكشفت هويات أخطر قياديين أوروبيين في التنظيم بعد سنوات من التعتيم، وهما توماس مارسيل كرستيان، وباسل حسن، وأُزيح الستار عن عمليات خطيرة أحبطتها السلطات في فرنسا وألمانيا خلال السنوات الماضية، بينها عمليتا تفجير برج إيفل الشهير في باريس، ومهرجان موسيقي شمالي ألمانيا، ما كان ليوقع الآلاف من الضحايا.

بل إن محاولات «داعش» لشن هجمات جديدة في أوروبا، وبالتحديد في ألمانيا، لإرسال رسالة بأنه مازال موجودا، والرد على مقتل زعيمه، باءت أيضًا بالفشل، مع إحباط الشرطة الألمانية هجومين في أقل من أسبوع.

عودة قوية أم اختفاء.. ما هو مستقبل «داعش» بعد مقتل البغدادي؟

توماس مارسيل.. «الداعشي» الأخطر أوروبيًا

لم يكن أحد يعلم هوية مخططي هجمات باريس الدامية التي راح ضحيتها 130 قتيلًا في 2015، أو مدربي الانتحاريين في صفوف «داعش»، حتى كشف تقرير لصحيفة بيلد الألمانية يستند لمعلومات أمنية منتصف الشهر الجاري هوية قيادي بالتنظيم تعتبره أجهزة الأمن في الدول الأوروبية «أخطر إرهابي أوروبي».

ولعب توماس مارسيل كريتسيان، وهو مواطن ألماني سويسري، الدور الأكبر في الهجمات التي ضربت العاصمة الفرنسية، إذ خلصت السلطات في فرنسا وألمانيا إلى أنه تولى تدريب منفذي الهجمات، وكان واحدًا من مجموعة أوروبيين شاركوا في التخطيط لها، وفق التقرير ذاته.

ولد توماس مارسيل في سويسرا في 1987، وعاش مع والده في فرنسا لفترة قصيرة، قبل أن ينتقل لمدينة فرانكفورت الألمانية رفقة والدته السويسرية في 2006، وفي فرانكفورت، تحول توماس مارسيل إلى الإسلام في 2009، وتواصل مع إسلاميين متطرفين في المدينة، قبل أن يلتحق بتنظيم «داعش» في سوريا في مارس (آذار) 2013.

وفي سوريا تدرج مارسيل الذي عرف هناك بـ«أبي مصعب» في المناصب القيادية بتنظيم «داعش»، وترأس وحدة استخباراتية تابعة له في مدينة منبج عام 2014. وكانت هذه بداية كبيرة لـ«أبي مصعب» الذي يتحدث خمس لغات هي: الألمانية، والإنجليزية، والفرنسية، والروسية، والعربية.

وفي وقت لاحق تعرف أبو مصعب على المتحدث باسم «داعش» ورئيس استخباراته، أبي محمد العدناني، وكسب ثقته بسرعة كبيرة، بل إنه تزوج من فتاة من عائلة العدناني، ووثق علاقته به أكثر؛ ما مكنه من الترقي السريع في سلم قيادة التنظيم حتى تولى قيادة خلية «الانتحاريين».

وفي خلية الانتحاريين تولى أبو مصعب تدريب المئات من عناصر التنظيم على تنفيذ العمليات الانتحارية. وفي 2015 تولى أبو مصعب تدريب منفذي هجوم باريس على استخدام الأسلحة النارية، ثم فعل الأمر ذاته مع منفذي هجمات بروكسل التي أوقعت عشرات القتلى والجرحى في 2016.

بعدها واصل أبو مصعب الترقي في سلم قيادة التنظيم، وبلغ أعلى المناصب في جهاز الاستخبارات التابع له، وبات يتولى عملية التخطيط للهجمات الإرهابية. وتعتبر السلطات الأوروبية، توماس مارسيل، أخطر إرهابي أوروبي، وتبحث عنه بشكل مكثف للقبض عليه، لكن ميله لعدم الظهور، وغيابه عن مقاطع الفيديو التي يصدرها التنظيم، مكنه من التخفي، وجعل عملية القبض عليه صعبة للغاية.

باسل حسن.. أخصائي طائرات الركاب والدرونز

بشكل مفاجئ كشف تحقيق صحافي دنماركي في وقت سابق هذا الشهر عن قيادي بـ«داعش»، وصفه بأنه «الإرهابي الدنماركي الأخطر»، ونسب إليه هجمات روعت العالم. وحسن المولود في الدنمارك عام 1987 لعائلة تعود جذورها إلى لبنان، كان طفلًا انطوائيًا عاديًا، لكنه تحول في شبابه إلى واحد من أخطر عناصر التنظيم الإرهابي، وفق التحقيق الذي أجرته إذاعة «دي آر» الدنماركية.

وفي 2010 حصل حسن على شهادة جامعية في الهندسة، وتلقى تدريبًا على الطيران حتى يصبح طيارًا مدنيًا، لكنه اقترب من متطرفين إسلاميين في الدنمارك. وبعد ذلك التاريخ بثلاث سنوات تورط حسن، وفق تحقيقات الشرطة الدنماركية، في قتل المؤرخ لارس هيديجارد بسبب آرائه المنتقدة للتاريخ الإسلامي، بعد أن تنكر في هيئة ساعي بريد، وفر بعدها للبنان، ومنها لسوريا، حيث انضم لـ«داعش».

وفي سوريا كان باسل حسن عضوًا بارزًا في «داعش»، ومسؤولًا عن ملف الطائرات بدون طيار وهجمات طائرات الركاب. كما كان مسؤولًا في وحدة العمليات الخارجية للتنظيم، أي العمليات التي تنفذ خارج سوريا والعراق.

ويعد حسن أخطر إرهابي دنماركي مطلوب للعدالة، وقال جيسون بلازاكيس، المسؤول السابق بوحدة مكافحة الإرهاب في الاستخبارات الأمريكية: إن حسن «أحد أبرز الموضوعين على لائحة الإرهاب الأمريكية»، وينسب لحسن، وفق التحقيق، التخطيط لتفجير طائرة «A321» الروسية في سماء سيناء في عام 2015، والتي راح ضحيتها نحو 200 قتيل. 

وقالت إذاعة «دي آر» إنها حصلت على هذه المعلومات من خلال تحقيق متعلق بمواطن أسترالي يدعى خالد خياط، متهم بالتحضير لهجوم على رحلة طيران بين سيدني ودبي، واعتقل في 2017، وخلال التحقيقات التي أجريت مطلع العام الجاري، قال الخياط المرتبط بتنظيم «داعش» للشرطة الأسترالية إن شقيقه طارق وباسل حسن كانا وراء الهجوم الفاشل على رحلة «سيدني – دبي». وتابع الخياط: «هناك طائرة انفجرت في مصر، وكان نفس الأشخاص (طارق وباسل) وراء ذلك».

كيف خطط «داعش» لمجزرة في ألمانيا؟

لم يتوقف الأمر عند كشف هوية قيادات «داعش» الأوروبيين، بل بدأت أوراق العمليات الخطيرة التي خطط لها التنظيم خلال السنوات الماضية، وكانت محل تعتيم كبير، تتساقط بشكل سريع منذ مقتل البغدادي، وفي ألمانيا، كشف تقرير يستند لمصادر أمنية واستخباراتية رفيعة الأسبوع الماضي إن «داعش» خطط لتنفيذ مجزرة كبيرة لقتل أكبر عدد ممكن من الناس في ألمانيا خلال الفترة الماضية، وحدد أهدافًا رئيسة أبرزها مهرجان موسيقي شهير بالبلاد.

وأوضحت مجلة «فوكس» (خاصة)، وصحيفتا «بيلد» و«دي فيلت» (خاصتان) أن توماس مارسيل خطط لمجزرة كبيرة في ألمانيا خلال الفترة الماضية، وكانت الخطة تشمل دخول ثلاث فرق من المسلحين المدربين لألمانيا بشكل منفصل لتنفيذ هجمات باستخدام أسلحة نارية ومتفجرات.

وحدد توماس مارسيل أهدافًا للهجمات، كان أبرزها مهرجان «ميرا لونا» الموسيقي في مدينة هيلدسهايم شمالي ألمانيا، الذي يجذب عشرات الألاف من الناس؛ ما يعني أن الهجمات التي كان يخطط لها التنظيم كانت ستتحول لمجزرة كبيرة.

ويشبه «ميرنا لونا» إلى حد كبير، من حيث الموسيقى الذي يقدمها، وانجذاب الشباب له، مسرح باتاكلان في باريس، الذي كان أحد أهداف الهجمات التي ضربت المدينة في نوفمبر (تشرين الثاني) 2015، وتجرى فعاليات مهرجان «ميرنا لونا» في شهر أغسطس (آب) سنويًا منذ عام 2000 بحضور نحو 25 ألف شخص. واعتاد المهرجان تقديم خليط من الموسيقى الشبابية تشمل: البوب والميتال، والجاز. 

برج إيفل.. هدف آخر كاد أن يصبح كارثة القرن الحادي والعشرين

في فرنسا أزاحت صحيفة «لوباريزيان» (خاصة) في 17 نوفمبر الجاري، الستار عن عملية أخرى لـ«داعش»، كانت لتهز العام في حال نجاحه في تنفيذها. العملية التي خطط لها التنظيم، بدأت بقصة حب سارا. ز، وتوماس. س وهما فرنسيان تزوجا عن طريق موقع للمواعدة خاص بالمسلمين فقط في 2016.

واتفق الشابان – اللذان لم تتجاوز أعمارهما 20 عامًا، وتحولا إلى الإسلام قبل لقائهما بوقت قصير – على الزواج. وبالفعل استأجر الشاب توماس شقة للاستعداد للزواج، وتواصلا مع تنظيم «داعش» عبر الإنترنت في نفس الوقت.

وفي البداية كان يريد الزوجان السفر إلى مناطق «داعش» في سوريا والعراق، وفق ما كتبته سارة في دفتر يومياتها «الطريق الوحيد للتخلص من ذنوبي، هو الحياة في منطقة خاضعة للدولة الإسلامية». وفي التاسع من فبراير (شباط) 2017، رصدت السلطات الفرنسية توماس وسارة، وهما يبتاعان مادتي الأسيتون، وبروكسيد الهيدروجين، المستخدمتين في صنع المتفجرات، بعد يوم من تصوير الشاب مقطع فيديو يعلن فيه الولاء لتنظيم «داعش».

وفي العاشر من فبراير قررت السلطات اقتحام منزلهما وتفتيشه، حيث عثرت على 71 جرامًا من مادة «TPAT» شديدة الانفجار، وكشفت مخططهما، إذ كان الزوج يخطط لتفجير نفسه داخل برج إيفل في اليوم التالي مباشرة: 11 فبراير، بينما كانت تخطط الزوجة للسفر إلى بلد مسلم باعتبارها «أرملة شهيد».

محاولات «داعش في أوروبا للعودة».. سراب

خلال الأيام السبع الماضية حاول «داعش» العودة للواجهة وتأكيد وجوده في أوروبا، لكن محاولاته تنفيذ هجمات في ألمانيا باءت بالفشل. ففي 12 نوفمبر الجاري أعلنت السلطات الألمانية إحباط «هجوم إرهابي» وألقت القبض على ثلاثة مشتبه في انتمائهم لتنظيم «داعش في أوروبا» خلال حملة مداهمات واسعة في مدينة أوفنباخ وسط البلاد.

«ستراتفور»: بعد انتقال «داعش» إلى هناك.. من سيحارب «الإرهاب» في أفريقيا؟

وقال بيان للادعاء العام: «شنت شرطة ولاية هيسن بحضور ممثلي الادعاء العام، مداهمات لـثلاث شقق سكنية في مدينة أوفنباخ»، مضيفا «شارك في العملية 170 شرطيًا»، ووفق البيان فإن الشرطة اعتقلت ثلاثة أشخاص، أولهم ألماني من أصل مقدوني 24 عامًا، والآخرون يحملون الجنسية التركية 22 و21 عامًا على الترتيب؛ بتهمة التخطيط لهجوم عنيف يهدد أمن البلاد، وأوضح البيان: «يعد المشتبه به الألماني العقل المدبر للمجموعة»، مضيفًا أن الموقوفين الثلاثة كانوا معروفين للسلطات منذ فترة طويلة باعتبارهم أتباعًا لتنظيم «داعش».

وذكر الادعاء العام أن المشتبه بهم «خططوا لتنفيذ هجوم في منطقة الراين (شمال) باستخدام متفجرات وأسلحة نارية بهدف قتل أكبر عدد ممكن من الناس»، ولفت البيان إلى أن الشرطة «عثرت على الكثير من الأدلة تشمل: مواد كيميائية لتصنيع متفجرات، ووثائق وناقلات بيانات إلكترونية (فلاشات) خلال المداهمات».

وبعد هذا التاريخ بستة أيام، وبالتحديد في 19 نوفمبر، ألقت الشرطة الألمانية القبض على رجل سوري يبلغ من العمر 37 عامًا، في برلين بتهمة الإعداد لهجوم خطير. وقال بيان للادعاء العام: «الموقوف تلقى تعليمات عبر الإنترنت حول كيفية صنع قنابل، وتنفيذ هجوم يعرض أمن ألمانيا للخطر».

ووفق البيان فإن الموقوف ذي التوجهات الإسلامية المتطرفة، حصل منذ منتصف يناير (كانون الثاني) الماضي، على مكونات ومواد كيميائية تستخدم في صنع القنابل، ولفت الادعاء العام إلى أن الموقوف اشترى في أغسطس الماضي، الأسيتون، وفي سبتمبر (أيلول) الماضي، محلول بيروكسيد الهيدروجين، وهما ضروريان لإنتاج تركيبة الأسيتروبروكسيد شديدة الانفجار والمستخدمة في صنع القنابل، ووفق المصدر ذاته فإن الرجل كان نشطًا في مجموعات تابعة لـ«داعش» في مواقع التواصل الاجتماعي، وتطبيقات المحادثة عبر الإنترنت تهتم بكيفية صنع القنابل.

ضربات قاصمة بعد مقتل البغدادي

قال الخبير النمساوي في شؤون التنظيمات الإسلامية المسلحة نيكولاس شتوكهامر، إن كشف الدول الأوربية المتتابع عن هويات أخطر الأوروبيين في صفوف «داعش»، محاولة لتضييق الخناق على التنظيم، وبعثرة المزيد من أوراقه في ظل حالة الارتباك التي يعاني منها بعد مقتل زعيمه.

من بينهم «كلب البغدادي».. 5 من أخطر المهام العسكرية للكلاب في التاريخ

وأضاف أن مقتل القيادة الرئيسة في مثل هذه النوعية من التنظيمات يحدث هزات كبيرة تتطور إلى صراعات داخلية أحيانًا، وتفكك في أحيان أخرى، وهو ما تحاول السلطات الأوروبية استغلاله عبر الكشف عن هويات القيادات الرئيسة المنتمية لتنظيم «داعش في أوروبا» ووضعها تحت ضغط الملاحقة الدولية، إثارة مخاوفها من ملاقاة نفس مصير البغدادي.

وأوضح أن إحباط ألمانيا هجومين في أقل من أسبوع يعد دليلًا على أن التنظيم يحاول الرد على مقتل البغدادي بشكل متسرع وغير مدروس، وهو ما لم نعتده في عملياته السابقة، وهذا التسرع أيضًا يسهل عمليات رصد أنصاره، وإحباط العمليات التي يخططون لها.

وخلص الخبير النمساوي إلى أن «داعش» يمر بهزة عنيفة بعد مقتل زعيمه، والعشوائية والتسرع وخوف قياداته من مصير مماثل للبغدادي من الممكن أن يدفع التنظيم لانهيار سريع.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد