تزلزل الكوارث الطبيعية مثل البراكين والهزات الأرضية والأعاصير حياة البشر وتقلبها رأسًا على عقب. وتفعل ذلك أيضًا الكوارث التي تقترفها يد الإنسان وأخطائه كما في الحروب والنزاعات والصراعات المسلحة. أو حتى تلك المدفوعة برغبة الإثراء والكسب السريع كما حصل في الكساد العظيم عام 1929، أو تلك التي حدثت بالأمس القريب عام 2008 التي عرفت بفقاعة العقارات.

وفي مرّات أخرى تتعاون يد الإنسان مع عوامل الطبيعة على إحداث هزّات مجتمعية ترتد تفاعلاتها على كل تفاصيل الحياة. اليوم نعيش شهودًا على إحداها، ونشارك أبطالًا كشخوص الروايات في فصولها وأحداثها. ربما سمع العديد منّا أو قرأ عن كوارث مشابهة كالحروب العالمية، والأوبئة العابرة للقارات، لكن القليل منّا عايش تفاصليها. لتأتي جائحة الكورونا وتلقي بنا جميعًا على ناصية الأحداث ومتابعتها عن قرب. 

إننا نتحدث هنا عن كورونا من زاوية التأثير في الاقتصاد العالمي، وليست هذه دعوة للخوف بقدر ما هي تسليط للضوء على تجارب سابقة تشابهت فيها الظروف. وأدت إلى انكماش فركود فكساد اقتصادي هائل أثر في الأفراد والدول والنظام العالمي برمته. تجارب أثبت الإنسان فيها قدرته على تجاوز المحن مهما كانت معقّدة. لكنّها أثبتت كذلك أن الثمن كان باهظًا من حياة الناس ورفاهيتهم حتى استطاع البشر النهوض مجددًا واستكمال المسير من حيث توقفوا. في هذا التقرير نعرض بعض الملاحم البشرية، إن جاز لنا التعبير، في كيفية تجاوز البشر لمثل هذه الظروف.

من رب الأسرة إلى صانع السياسة.. مفاهيم اقتصادية ضرورية

لا يهتم معظم البشر بالاقتصاد والمالية باعتبارهما علمًا بأكثر مما يساعد على تنظيم شؤوننا الحياتية والبيتية اليومية. فالمعاش الشهري هو الميزانية التي يوفرّها عمل أرباب الأسر والتي لا بد لكل منّا التعامل معها، وتنظيمها لتكفي لمواجهة المعارك الصغيرة لمتطلباتنا اليومية حتى آخر الشهر. ولا يهتم أغلب الناس بالاقتصاد بأكثر من الحد الذي إذا حدث عجز في هذه الميزانية العائلية يبحثون عن مصادر لتمويله إما بالاقتراض والاستدانة باعتباره حلًّا سريعًا. أو بالبحث عن عمل إضافي أو الاستثمار في مصلحة ما كتخطيط استراتيجي على المدى البعيد لتلافي مثل هذه الأزمة.

لا تختلف هذه الصورة المصغرة عمّا يواجهه صنّاع القرار في المستويات العليا لأي دولة في العالم. فالمسؤولون يوصلون الليل بالنهار لإيجاد وسائل توفير السيولة للميزانية العامّة، التي تتكفل بتحقيق المصروفات وتسيير الشؤون من عام إلى عام. لذا فالعمل والإنتاج هو الوسيلة الوحيدة التي يملكها الإنسان والدول لتوفير احتياجاتها المالية حتى يستطيعون الإيفاء بالتزاماتهم. لكن المجتمعات في بعض الظروف مثل الحروب والكوارث تتوقف لديها عجلة الإنتاج، ويقلّ العمل إن لم يكن مستحيلًا. هنا تبدأ بعض المصطلحات الغريبة بالظهور، التي يجد معظمنا صعوبة في فهمها واستيعابها. 

أولى هذه المفاهيم هي الانكماش الاقتصادي الذي يعني الانخفاض المتواصل في أسعار السلع والخدمات فى كافة جوانب اقتصاد الدولة. ويحدث لفصلين متتالين (ستة أشهر) لعدّة أسباب منها الصدمات التي يتلقاها اقتصاد ما بسبب تراجع الطلب الخارجي على منتجاته المحلية، أو تقلّص أعداد السياح الوافدين عليه، أو انخفاض تحويلات أبنائه المقيمين بالخارج. أو بسبب ارتفاع أسعار السلع الأولية والطاقة المستوردة مثل النفط والغاز. ما يؤدي إلى تراجع القدرة الشرائية للمستهلكين، أو تدنى السيولة النقدية المتاحة بسبب عجز البنوك المركزية للدول عن ضخ المزيد من النقود للتداول. 

وقد يحدث بسبب اعتماد دولة ما سياسة نقدية انكماشية رغبة في التحكم في الأسعار ومواجهة التضخم. مما ينعكس سلبًا على الائتمان بسبب ارتفاع سعر الفائدة وتناقص السيولة، أي حجم الكتلة النقدية المتداولة، كالانكماش الذي حدث في هونج كونج عام 1997 والانكماش الأيرلندي عام 2009.

أما الركود الاقتصادى فيعبّر عن هبوط في النمو الاقتصادي لمنطقة ما أو لسوق معين لمدة ستة أشهر على الأقل أو لربعين متتاليين. ويحدث بسبب أن الإنتاج يفوق الاستهلاك الأمر الذى يؤدى إلى كساد البضائع وانخفاض الأسعار والذي يصعّب بدوره على المنتجين بيع المخزون الذي لديهم. لذلك ينخفض معدل الإنتاج ما يعني فرص عمل أقل وحاجة أقل للأيدي العاملة بالتالي ارتفاع نسبة البطالة. لذلك تلجأ الدول للخروج من الركود الاقتصادي من خلال رفع الإنفاق الحكومي الاستهلاكي والذي بدوره ينقل البلاد من ركود اقتصادي إلى حالة نمو. أو من خلال تخفيض الفائدة بواسطة البنك المركزي ما يسمح للأعمال والمصانع بإمكانية تحمل دين أكبر، ويخفف جاذبية التوفير لدى القطاع الخاص ما يرفع نسبة الاستهلاك لديهم فيندفع السوق نحو النمو الاقتصادي. كالركود الياباني عام 1991 والركود العالمي عام 2008.

وأما الكساد الاقتصادي فيطلق على أى انخفاض واسع النطاق في النشاط الاقتصادي. هو ببساطة عبارة عن كارثة اقتصادية عميقة ينخفض خلالها الناتج الإجمالي المحلي الحقيقي بنسبة لا تقل عن 10%. وهو أشد بكثير من الركود، كونه من الممكن أن يستمر لسنوات طويلة. فالكساد كابوس مستمر لكل قطاعات الأعمال التجارية والمصرفية وأنشطة التصنيع. تزداد فيه البطالة وتنخفض قيمة الاستثمارات وأرباح الشركات. وينتج عنه تدني وهبوط في الإنتاج والأسعار والوظائف وكذلك الإيرادات. 

وطوال فترة الكساد الاقتصادي تنخفض السيولة النقدية للأعمال والمواطنين، وتفلس المؤسسات والشركات المختلفة، وبالتالى يفقد خلق كثير وظائفهم ومصادر رزقهم. كالكساد الفنلندي 1990-1993، والكساد الأندونيسي عام 1998.

هذه الظواهر فرادى أو مجتمعة أحلاها مرّ. وتؤثر بشكل مباشر في حياة الناس العاديين الذين لا يأبهون لماذا تحدث مثل هذه الظواهر. إلا أنهم يحسونها ويعيشون آثارها المباشرة على حياتهم اليومية. ويتطلعون بأمل لصنّاع القرار في بلادهم أن يجدوا طريقة ما للخروج بهم من عنق الزجاجة الاقتصادية إلى رحاب القدرة على العيش وفسحة الرخاء الاقتصادي. ويبقى التاريخ مليء بكوراث اقتصادية احتاجت تكاتفًا أمميًا وعالميًّا للخروج من مستنقعات اقتصادية معيشية، أكثر من إجراءات فردية على مستوى الدولة. لكنّها قد تحدث كذلك بسبب ظروف قاهرة غير اقتصادية أكبر من قدرة الإنسان على أن يتحكم بها. 

إذا استمر وباء الكورونا في التفشي ولم يستطع العالم السيطرة عليه، فمن المرجح أن معظمنا سيسمع يوميًا بهذه المصطلحات، إذ إنها ستشكل جزءًا مهمًا من حياتنا اليومية حتى تنجلي هذه الجائحة. 

كارثة ستمتد آثارها للستينيات.. الإنفلونزا الإسبانية 1918 – 1920

«ومع ذلك، على الرغم من السوء الذي كانت عليه الأمور، فإن الأسوأ لم يأت بعد، لأن الجراثيم ستقتل المزيد من الناس. أكثر من رصاص الحرب العالمية الأولى. في الوقت الذي اندلعت فيه الحمى الإسبانية الأخيرة وأهمل الحجر الصحي، فقد العالم 3-5٪ من سكانه» *كتاب وباء الحمى الإسبانية 1918

كان الوباء الذي تسبب فيه فيروس من عائلة «H1N1» أو ما عرف فيما بعد باسم الإنفلونزا الإسبانية قد ضرب العالم من خلال ثلاث موجات قاتلة ابتدأت في مارس (آذار) 1918 خلال الحرب العالمية الأولى واستمر حتى مطلع عام 1920، وقد خلف هذا الوباء بحسب أقل التقديرات قرابة 25 مليون ضحية أو قرابة 50 مليون إنسان حسب أكثرها حول العالم.

وبحلول صيف 1918 كان الوباء قد انتقل من أوروبا الغربية إلى بولندا في موجة أخرى أكثر قوة وفتكًا من نفس المرض. قبل أن تفتك الموجة الثالثة منه في ربيع العام التالي أي 1919 بالفئة العمرية 20 – 40 عامًا بكل قسوة مسببة الوفاة لمن يلتقط العدوى فقط بعد يومين من ظهور الأعراض الأولى. ولم يتوقف المرض عن الانتشار حتى وصل إلى أقاصي الأرض من نيوزيلندا إلى الولايات المتحدة الأمريكية. وفتك بالآلاف في كل مكان حيث قدّر أعداد الضحايا في الهند وحدها بـ 12.5 مليون إنسان، وأكثر من نصف مليون إنسان في أمريكا. وقيل إن الوباء الذي كتبت عنه الصحف الإسبانية قبل غيرها قد أصاب ثلث سكان العالم بالعدوى. 

اعتبرت دراسة صادرة عن جامعة بروكنجز عام 2008 أن الصدمة الاقتصادية التي نتجت عن الوباء الإسباني رابع أسوأ كارثة اقتصادية مرّ بها العالم منذ العام 1870، إذ انخفض الناتج الإجمالي المحلي لكثير من الدول بأكثر من 10%، وكانت الآثار الأولى لتفشي المرض في دول العالم هو الإغلاق الكامل لمدن عملاقة في كل مكان، فمدينة نيويورك وفيلادلفيا الأمريكيتان، كما هو حاصل اليوم في إيطاليا التي تعاني تفشي الكورونا، قد أغلقت عن بكرة أبيها منعًا لتفشي الوباء. وقد توقفت الأعمال التجارية، وألغيت الأحداث الرياضية، ومنعت التجمعات الخاصة كالجنائز لاحتواء المرض. وتوقفت مظاهر الحياة عمومًا بسبب الخوف الشديد من المرض الذي بلغ أعداد المصابين به أكثر من 500 مليون إنسان حول العالم بحسب بعض التقديرات. 

وامتد تأثيره ليصيب العمال والموظفين، وزاد من اعتماد البشر على برامج الإعانة والإغاثة الاجتماعية في الدول المختلفة. وقلص فرص العمل وترك الناس دون أدنى فرصة للنجاة. وقد أشارت دراسة أن الأجور انخفضت لسنوات طويلة  بنسبة 5-9%. وأن ملايين الأطفال حرموا من التعليم والرعاية الأسرية الجيدة حتى عام 1960 بسبب التأثير الاقتصادي العميق الذي تركه الوباء. وقد انخفض معدل الولادات عالميًا بأكثر من 15 مرة عمّا كان عليه الوضع قبل الوباء بحسب نفس الدراسة. 

وقد تأثر الاقتصاد العالمي بشكل شديد نتيجة الوباء. وذلك لفرض الحظر لمدة 14 يومًا على الأقل على المصابين من العمال، خصوصًا كما هو معمول به اليوم قبل أن يتوسع الحظر ليشمل مناطق ومن ثم دول كاملة. ما أدى إلى صدمة سوقية من حيث العرض والطلب على السلع والخدمات في السوق العالمية.

اضطر هذا الأمر السياسات المالية حول العالم لخفض سعر الفائدة حتى تمكن الأعمال من الصمود، وبالتالي الاستمرار من خلال تشجيعها على الاستثمار بدلًا من الادخار. وأدى إلى تعديل أنظمتها الضريبية لمواكبة ذلك التغيير الاقتصادي المفاجئ. وزاد من معدل الإنفاق على الرعاية الصحية الطارئة خصوصًا للمناطق البعيدة عن المراكز الحضرية، كونها كانت الأكثر تضررًا بسبب انعدام الخدمات العامة فيها. 

وبالرغم من قلة المعلومات الاقتصادية المتعلقة بتلك الفترة، إلا أن حكومات مختلفة اتبعت أسلوب الإنفاق في محاولة لتدارك الانهيار المالي والاقتصادي، والتخفيف من تبعاته. بل قد وصل الحد بالحكومات المختلفة من استحداث قوانين قدمت من خلالها المعونات النقدية المباشرة للعائلات، حتى تتمكن من الإنفاق وبالتالي تدوير عجلة الاقتصاد من الأسفل إلى الأعلى. 

الحل عند كينز.. الكساد العظيم 1929 – 1937

عندما كنت شمّاسًا، بدأت تظهر علامات مشؤومة للكساد العظيم. فقد عشرات الآلاف وظائفهم. كان المال شحيحًا. كان على العائلات التعايش مع ندرته. بعض الشباب لم يعد يسأل أمه «ماذا لدينا على العشاء؟» لأنه كان يعرف جيدًا أنه لم يكن في خزائنهم شيء. *جوزيف ويرثلن رجل دين وأعمال أمريكي

بعد قرابة العشر سنوات من انحسار وباء الإنفلونزا الإسبانية وعلى الضفة الأخرى من المحيط الأطلسي، كان العالم قد استيقظ كالعادة في صباح يوم تشريني بارد عام 1929. إلا أن الساعة الحادية عشرة من الرابع والعشرين من ذلك اليوم وبعد ساعات قليلة من الافتتاح المعتاد للبورصة عكّرت صفو ذلك اليوم. إذ بدأت الأسعار في السقوط بسرعة مع ارتفاع حجم التداول. ما خلق ذعرًا بين المضاربين بلغ ذروته بحدود الساعة الحادية عشرة والنصف، وأصبح حينها الخوف رعبًا حقيقيًا. 

شارف نعيم المضاربة المالية في السوق الأمريكية على السقوط الحر من علٍ دون أن تلقاه أرضًا، أو تسنده إجراءات عاجلة. وقد بدا للجميع أن كسادًا ساحقًا على الطريقة الإنجليزية الذي استمر طوال العشرينيات في طريقه إلى الولايات المتحدة وسوف يلازمها طوال عقد الثلاثينيات من القرن الماضي. وعلى طريقة الفقاعة العقارية عام 2008، كانت فقاعة المضاربة الأمريكية في أواخر العشرينيات تكبر وتنتفخ دون أن ينتبه لها أحد. 

كانت حالة عدم التساوي في توزيع الثروات عام 1929 على أسوأ صورة ممكنة كما رسمها الباحث في جامعة ميتشجان جيمس سميث في دراسته المعنونة «اتجاهات تركيز الثروة الشخصية في الولايات المتحدة». إذ أنه خلص إلى أن 24 ألف عائلة فقط في قمة الهرم المجتمعي في الولايات المتحدة في الفترة ما بين 1922 إلى 1969 كانت تحصل على دخل يفوق المئة ألف دولار سنويًا. وأن 71% من الأسر الأمريكية كان يقل دخلها عن 2500 دولار سنويًا. وخلص إلى أنه فيما يتعلق بالمدخرات المالية لم يكن الوضع أفضل. إذ إن تلك العائلات في القمة كانت تملك ثلث المدخرات، وأن أربعة أخماس الأسر لا تملك أي مدخرات، وأن ثلثا المدخرات كانت من نصيب 2.3% من الأسر التي كانت تزيد دخولها عن 10 آلاف دولار سنويًا. 

معنى انعدام التوازن المالي هذا كان انفاقًا على شراء القصور، واليخوت والسيارات الفارهة والسفر وإنفاقًا على كل مظاهر البذخ، وبالطبع كان يعني كذلك بيع وشراء الأوراق المالية والمضاربة في سوق المال والعقارات، الطريق الأسرع للربح، لذا فإن المواطنين لم يعودوا يريدون أي شيء سوى اقتطاع حصة من كعكة الثروة هذه على طريقة الحلم الأمريكي كما في رواية «جاتسبي العظيم» التي تصور تلك الحقبة بكل وضوح وصخب. وهكذا بدأت فقاعة جنون المضاربة تكبر حتى انفجرت على وقع الأعاصير الموسمية التي ضربت سواحل فلوريدا وشواطئ ميامي وقتلت المئات من الناس، وألقت باليخوت الفارهة إلى الشوارع لتهبط أسعار العقارات فجأة ودون أي مقدمات، كما يصف ذلك الباحث فردريك لويس الان في كتابه «فقط بالأمس».

زادت أعداد شركات الاستثمار في تلك الفترة بسرعة فائقة. وكان الهدف الوحيد الذي وضعته نصب أعينها هو شراء الأوراق المالية، وجعل أصحابها أكثر ثراءً دونما أي ضابط أو اعتبار لأي شيء عدا تحقيق الربح. لذا لم يجد نفعًا أي من اجتماعات عمالقة وول ستريت عصر يوم «الخميس الأسود» 24 أكتوبر 1929 لتدارك الموقف في محاولة لعكس اتجاه السوق، واستمر سوق الأوراق المالية في هبوطه القاسي، وفقدت الأسهم في أمريكا قرابة 82% من قيمتها، وعمّ الخراب الذي لم يكن ذلك العام إلا بدايته فقط.

كانت آثار ذلك الانهيار كارثية إذ امتد إلى القارة الأوروبية برمتّها. فقد شُلّ نظام الصرف الدولي، وانخفضت التجارة الدولية مما أدى انخفاض الطلب العالمي ومن ثم الناتج والعمالة، وعانت البنوك في كل مكان، وعجز معظمها عن تغطية قروضها. وزاد معاناتها زيادة الأفراد حيازتهم من النقد وتخفيض ودائعهم المصرفية، ولم ينقذ النظام المصرفي من الانهيار الكامل سوى قرار الرئيس الأمريكي روزفلت بإغلاق جميع البنوك الخاصة عام 1933، وإعطاء إجازة لبقية البنوك. وقد بلغت نسبة البطالة 25% من القوى العاملة، وانخفض الناتج الإجمالي المحلي من 790 مليار دولار عام 1929 إلى 577 مليار دولار عام 1933 قبل أن يعاود الارتفاع التدريجي ويخرج من حالة الكساد بحلول العام 1939.

لجأت الحكومة الأمريكية إلى زيادة الاستثمار والإنفاق على طوال السنوات التالية على عام 1929 حتى تتمكن من الخروج من تلك الأزمة الخانقة والنفق الاقتصادي الطويل والمظلم. في عهد الرئيس روزفلت تبنى الكونغرس خططًا جريئة بنيت على ثلاث نقاط أساسية هي «الإغاثة والإنعاش والإصلاح»، وتشير تلك النقاط الثلاث إلى إغاثة العاطلين والفقراء، وإنعاش الاقتصاد إلى مستوياته الطبيعية، وإصلاح النظام المالي لمنع حدوث الكساد مرة أخرى.

واعتمادًا على أفكار جون ماينارد كينز الاقتصادية حينها صارت الحكومة صاحبة أكبر صاحب عمل في البلاد في صورة أشبه ما تكون إجراءات لحكومة شيوعية أكثر منها رأسمالية. إلى جانب ذلك وضعت مجموعات متنوعة من البرامج الاقتصادية شملت الخدمات المصرفية والسكك الحديدية وحتى الصناعة والزراعة، التي كانت في حاجة إلى العون لتحقيق الانتعاش الاقتصادي. فعلى سبيل المثال قامت الإدارة الفيدرالية للإغاثة في حالات الطوارئ بتوفير 500 مليون دولار لمطاعم الفقراء ولأموال الإعانات الاجتماعية، وعززت عمل النقابات العمالية واستحدثت برامج إغاثة لإدارة سير الأعمال، وقوانين الضمان الاجتماعي وبرامج جديدة لمساعدة المزارعين المستأجرين والعمال المهاجرين. وما زال كثير من تلك البرامج والقوانين ساري المفعول في الولايات المتحدة حتى يومنا هذا. 

بيوت أوروبا بلا سباكة والكثير من المشوهين.. الحرب العالمية الثانية

إن كل سلاح يُصنع، وكل سفينة حربية تُسيّر، وكل صاروخ يُطلق، يعني في نهاية المطاف سرقة من أولئك الذين يجوعون ولا يُطعمون، ومن أولئك الذين يعانون البرد ولا يُكسَون. *الرئيس الأمريكي أيزنهاور

بعد غزو ألمانيا النازية لبولندا في سبتمبر (أيلول) 1939 أعلنت كل من فرنسا وبريطانيا الحرب عليها. للتوالي بعد ذلك وعلى مدى ستة أعوام دامت حروب هنا وهناك في إطار التحالفات التي أعلنت إما لصف ألمانيا فيما عرف باسم «دول المحور»، وإما لصف باريس ولندن وعرفت باسم «قوّات الحلفاء». اشترك فيها قرابة الـ100 مليون إنسان من 30 دولة مختلفة لتعتبر عن استحقاق وجدارة الحرب الأكثر دموية في التاريخ البشري، والتي لم تتوقف إلا بإعلان هزيمة ألمانيا واليابان في سبتمبر (أيلول) عام 1945، أي بعد ست سنوات ويوم واحد من القتال المستمر على جبهات عديدة في مناطق مختلفة من العالم.

شكّلت تلك الحرب العالم الذي نعرفه اليوم، وكانت سببًا في قيام النظام العالمي الحاكم ومؤسساته الدولية بصورتها الحالية، حرب خلّفت حينها أكثر من 62 مليون قتيل بين مدني وعسكري، أي ما يعادل 3% من سكان الأرض، وعشرات الملايين من الجرحى والمشوهين. خصوصًا أن الغارات الجوية فيها كانت السلاح الأهم فيما عرف بتكتيكات «القصف الاستراتيجي» الذي استهدف المدنيين لإجبار الخصم على الاستسلام. التي إلى جانب اعتقال النساء والأطفال ومعسكرات الإبادة وارتكاب المجازر واستخدام الأسلحة الكيماوية والبيولوجية ضدهم كانت السمة الأبرز لوحشية تلك الحرب ودمويتها. 

وقد أدت إلى تفسخ العائلات، اللبنة الاجتماعية الأهم، في عديد من المجتمعات نتيجة لكثرة عدد المشوهين والأرامل واليتامى والمحرومين من العمل بسبب تفشي البطالة، كما أدت إلى انخفاض قياسي في عدد المواليد وارتفاع نسبة الوفيات، وبروز المشاكل الاجتماعية، وتضخم المشاكل النفسية، وأحدثت دمارًا هائلًا أصاب المساكن والمصانع ووسائل النقل والمزارع. وشهدت ميلاد السؤال الأخلاقي حول التطور العلمي وتطبيقاته الذي قتل أو ساهم في القتل دون هوادة كالطائرات، والرادارات والقنبلة الذرية، مقابل تلك التي أحيت أو ساهمت بإنقاذ حياة الآلاف من البشر كاكتشاف البنسلين.

إلا أن آثار تلك الحرب السياسية والاقتصادية كانت الأهم على الإطلاق، فدول أوروبا تحولت من دول مصدّرة إلى دول مستوردة بعد أن استنفذت الحرب مواردها، وأمريكا الخارجة للتو من كساد اقتصادها العظيم، الذي أكل خيراتها على مدى السنوات العشر السابقة على الحرب طوال عقد الثلاثينات، كانت المستفيد الأكبر، فقد احتلت صدارة العالم باعتبارها أغنى دولة فيه، إذ قفز ناتجها الإجمالي المحلي من السلع والخدمات من 200 مليار دولار عام 1940 إلى 300 مليار دولار عام 1950 إلى 500 مليار دولار عام 1960 كونها كانت أقل المتضررين من تلك الحرب الشعواء. 

وقد نمت خلال تلك الفترة قطاعاتها الصناعية بسرعة مذهلة مستغلة ظروف الحرب في القارة الأوروبية. فقد تضاعف إنتاج مصانع السيارات والآليات عمومًا أربع مرات خلال تسع سنوات فقط من 1946 إلى 1950. وشهدت تلك الفترة ميلاد الشركات العملاقة العابرة للحدود نتيجة لاندماج الكثير منها مع بعضها البعض، وزادت من استثماراتها الخارجية في الدول، التي تكون فيها اليد العاملة أقل تكلفة.

 وزاد عدد العاملين في قطاع الخدمات، وزاد معدل العاملين على نظام العقود الطويلة أو الدائمة. ونمت الصناعة الزراعية كما نمت المدن وتوسعت بفضل التغير الصناعي والثراء الهائل الذي دخل على خزانة الدولة. رافق ذلك التمدد البشري والتوسع العمراني إنشاء قرابة 64 ألف كيلومتر من الطرق الحديثة لربط كل الحواضر الناشئة أو تلك التي توسعت. 

لكن لم تكن الصورة على الضفة الأوروبية من المحيط الأطلسي بهذه الصورة الوردية، فقد خلفت الحرب هناك ظروفًا يستحيل العيش معها. ووضعت عوائق يصعب معها نهوض الدول الأوروبية التي أثخنت الحرب الجراح في مرافقها الاستراتيجية، وكانت كثير من الدول على شفا مجاعة قاتلة. وكان سناج الفحم المستخدم للتدفئة يملأ حيطان بيوت الأوروبيين. الذين كانوا يستخدمون الثلج لتبريد طعامهم، وتفتقر منازلهم إلى أشكال السباكة الداخلية البدائية بعد الحرب خلال النصف الأول من القرن العشرين. وكان الخطر الأكبر بالنسبة لساسة المعسكر الغربي هو وقوع هذه الدول نتيجة الخراب الذي خلفته الحرب في براثن المدّ الشيوعي لتأتي خطة مارشال الأمريكية لتنقذهم، وتنهض ببلادهم من جديد.

قدّرت بعض الحسابات الخسائر الاقتصادية للحرب العالمية الثانية بأكثر من تريليون دولار أمريكي. إذ قدّرت تكلفة الحرب الإجمالية على دولة مثل فرنسا بثلاثة أضعاف دخلها القومي السنوي. وعانت هولندا وبلجيكا خسائر اقتصادية بنسبة قريبة من تلك الفرنسية. وحوالي 30% من المنازل في بريطانيا وبولندا كانت قد سوّيت بالأرض نتيجة القصف النازي المستمر، بينما دمرت 20% من المنازل في كل من فرنسا وبلجيكا وهولندا. في ألمانيا نفسها تضررت 39% من الوحدات السكنية، ضرر وصل في بعض الأحيان إلى الدمار الكامل نتيجة القصف الأمريكي الاستراتيجي لأكبر 49 مدينة فيها.

لذا اعتمدت خطة مارشال عام 1947 قرابة 13 مليار دولار لانتشال أوروبا من جحيم مخلفات الحرب، 139 مليار دولار بسعر صرف اليوم، وكان الهدف من تلك المساعدات تحقيق الاستقرار الاقتصادي وإعادة بناء خطوط النقل والطرق والزراعة والمصانع والمدن المدمرة. 

وتم توزيع المساعدات المالية على 16 دولة أوروبية من بينها بريطانيا وفرنسا وبلجيكا وهولندا وألمانيا الغربية والنرويج. كان بموجب الخطة، أن تمنح المساعدات للعديد من الدول بناء على معايير محددة مثل حجم الدولة كقوة صناعية، كألمانيا الغربية وفرنسا وبريطانيا، وجاء ذلك اعتقادًا من الجنرال جورج مارشال، رئيس هيئة أركان الجيش الأمريكي أثناء الحرب العالمية الثانية ووزير الخارجية الأمريكي منذ يناير (كانون الثاني) 1947، ومساعديه بأن تعافي هذه الدول سيؤثر بشكل إيجابي وفوري في التعافي في أوروبا ككل.

أتت خطة مارشال بنتائج مذهلة بحسب العديد من المراقبين في نهاية تنفيذها عام 1952. فقد استطاعت الدول الأوروبية العودة لمستويات النمو الاقتصادي لما كانت عليه قبل الحرب.فقد استعاد الإنتاج الزراعي 83% من مستوياته قبل الحرب، واستعاد الإنتاج الصناعي 88% من مستوياته والصادرات 59%. 

قد يكون العالم قد خرج من الحرب منهكًا لكنه لم يمض وقت طويل حتى استعاد عافيته بعدها. فقد ولد نظام مالي عالمي جديد بعد توقيع اتفاقية بريتون وودز عام 1944 التي حلّ الدولار بموجبها كعملة للتجارة الدولية مكان النظام السابق الذي اعتمد الذهب للتبادل التجاري. وشهد عالم ما بعد الحرب ولادة هيئة الأمم المتحدة، والبنك وصندوق النقد الدوليين، وميلاد حلف شمال الأطلسي، والاتحاد الأوروبي. وعادت الحياة على أفضل ما يكون.

الدرس المستفاد: الاقتصاد سيتعافى.. المهم هو الإنسان

تعلّمنا التجارب السابقة أن الاقتصاد العالمي والمحلي قادر على التعافي بطريقة أو أخرى. وأنه من الممكن استرداد الخسائر الاقتصادية وتعويضها بأرباح مضاعفة. لكن الشيء الوحيد الذي لم ولا يمكن تعويضه كانت الخسائر في الأرواح البشرية. وإذا علمتنا التجارب السابقة شيئًا في مواجهة هذه الكوارث فهو أهمية وضرورة الاستثمار في الرعاية الاجتماعية والقطاع الصحي. فسواء كانت الحروب أو الأوبئة أو الكوارث الاقتصادية، كلها قادرة على إلحاق الضرر بحياة الملايين من الناس. والتقليل من قدرتهم على العيش ومواكبة التحديات التي تطرأ على حياتهم.

اليوم وقد أثر تفشي وباء الكورونا في أكثر من 140 دولة حول العالم، وأصيب به حتى اللحظة قرابة الـ 800 ألف إنسان، وخلّف حوالي 38 ألف ضحية ولا تزال الأرقام في زيادة، يلمس الجميع أهمية الجانب الطبي بالدرجة الأولى لمكافحة فيروس كوفيد 19. ورغم الصعوبات المعيشية التي يواجهها ملايين البشر نتيجة الحظر المفروض عليهم ونتيجة توقف أعمالهم ومصالحهم، إلا أن سلامتهم الشخصية والعائلية تأتي قبل المصلحة الاقتصادية على أهميتها. 

بات كثيرون يشعرون رغم التقدم العلمي الحاصل والتطور التكنولوجي، أنه كان هناك تقصير في الإنفاق على القطاع الصحي خلال السنوات الأخيرة نتيجة اتباع وصفات النيوليبرالية الاقتصادية في العالم كله، والتي تشل يد الإنفاق الحكومي على الخدمات الضرورية، فضلًا عن تعاظم الاستثمار في التسليح لا الصحة. 

الحقيقة التي أظهرتها اكتظاظ المشافي ومراكز العلاج وعجزها عن مواكبة الأعداد الهائلة للمصابين. والنقص الشديد في الكوادر والمعدّات الطبية اللازمة لمواجهة مثل هذه الحالة الطارئة. تطرح سؤالًا كبيرًا حول كيف ستتعامل دول العالم هذه المرّة مع أزمة بهذا الحجم خصوصًا أن تقريرًا لمؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية يقول إن هناك حاجة طارئة لقرابة 2.5 تريليون دولار لمواجهة ارتدادات الأزمة التي خلقها الكورونا فقط خلال الشهرين الأولين من هذا العام. يخصص منها 500 مليار لغايات التعافي الصحي. وهل سيتم التفكير بمليار ونصف من الطلاب في 165 دولة أغلقت مدارسها لاحتواء تفشي الوباء، والإنفاق على تعليمهم وتوفير منصات تعليم عن بعد لهم أثناء مكوثهم في منازلهم؟ كلّها تساؤلات يطرحها الكثيرون بانتظار إجابات عنها في القريب العاجل. 

 

المصادر

تحميل المزيد