مع عودة قوارب المهاجرين إلى النشاط باتجاه أوروبا في أعقاب أزمة كورونا، يبدو أنهم سيكونون على موعد مع استقبال أقل ترحابًا مما اعتاده سابقوهم، ليس من خلال الساسة، والزعماء، واليمين المتطرف فقط، بل حتى الشعوب الأوروبية نفسها. بالطبع ما فعله تفشي وباء كورونا حول العالم وانعكاساته الاقتصادية هو السبب الرئيس وراء ذلك.

جدل في بريطانيا

منذ قرابة أسبوعين، دخلت إحدى شركات الآيس كريم وتدعى «Ben & Jerry’s» في خلاف مع حكومة رئيس الوزراء بوريس جونسون بشأن تعاملها مع أزمة المهاجرين الذين يعبرون القنال الإنجليزي، وذلك في إشارة جديدة لكيفية استخدام الشركات للجدل السياسي المستمر حول المهاجرين للدعاية.

في تغريدة مفاجأة لكثير من المتابعين، دعت الشركة وزيرة الداخلية البريطانية بريتي باتيل لإظهار المزيد من «الإنسانية» في التعامل مع الزيادة الملحوظة في عدد المهاجرين الذين يحاولون عبور القنال، حيث يستغل المهربون حاليًا هدوء البحار والطقس الصيفي الدافئ، مشيرة إلى أنه «لا يمكن أن يكون الأشخاص غير قانونيين».

لكن الرد جاء سريعًا من أحد مسؤولي وزارة الداخلية الذي وصف شركة “Ben & Jerry’s” بأنها مزود «للوجبات السريعة غير الصحية المبالغ في سعرها»، وأصر على أن موقف الوزارة الصارم في التعامل مع المهاجرين الذين يعبرون القنال الإنجليزي من فرنسا لن يتأثر بالانتقادات الموجهة من فريق الشبكات الاجتماعية التابع لهذه الشركة.

كذلك جاء رد قوي من وزير الخارجية الإنجليزي جيمس كليفرلي الذي قال: «هل يمكنني الحصول على ملعقة كبيرة من الفضيلة غير الدقيقة إحصائيًا إشارةً إلى الآيس كريم الذي اشتريته بسعر مبالغ فيه، من فضلك؟». وجاء هذا الجدال على خلفية دعوة وزير الداخلية إلى تغيير قوانين اللجوء في المملكة المتحدة للمساعدة في ردع عمليات الهجرة إلى المملكة المتحدة.

ليس السياسيون الوحيدين المهتمين بوصول المهاجرين عبر الحدود، فقد قدمت وسائل الإعلام الإخبارية الرئيسية مثل «بي بي سي» و«سكاي نيوز» تغطية مفصلة للمهاجرين الذين وصلوا إلى الشواطئ البريطانية في قوارب صغيرة. كل هذا يعكس وجود اهتمام مفاجئ بعمليات الهجرة هذه، بالرغم من أن عمليات العبور هذه البالغ عددها 4 آلاف فقط هذا العام تمثل أقل من 2% من إجمالي الهجرة إلى المملكة المتحدة في عام 2019، وهو ما أثار التساؤلات حول السبب وراء هذا الاهتمام المبالغ فيه.

بالرغم من كورونا.. قوارب الهجرة غير الشرعية تنشط مجددًا

بعد مرور حالة الإغلاق في دول الشمال الأفريقي بسبب تفشي وباء كورونا، عادت رحلات الهجرة غير الشرعية نحو أوروبا للنشاط من جديد خلال الشهرين الماضيين، بل ربما ساعدت الأوضاع الاقتصادية السيئة بسبب جائحة كورونا في تفكير المزيد من الشباب للهرب نحو ما يعتقد أنه فرص لحياة أفضل في أوروبا.

وكشفت تقارير صحافية إسبانية أنه مع مطلع شهر أغسطس (آب) 2020، وصل أكثر من 400 مهاجر جزائري إلى السواحل الإسبانية خلال يومين فقط، على متن 31 قاربًا، ووضعوا في مخيمات تسهر عليها الشرطة الإسبانية، في وقت تعاني فيه السلطات من أزمة في مقار الاحتجاز ومعدات الوقاية الصحية بسبب جائحة كورونا والخوف من انتشار الفيروس بين المهاجرين، وكان قد سبقهم ما يزيد على 100 شاب آخر وصلوا سواحل إيطاليا مع بداية شهر يوليو (تموز) 2020.

كيف تزيد كورونا اهتمام الشعوب الأوروبية بالهجرة؟

قد يكون السر كله في الأزمة الاقتصادية الأخيرة في المملكة المتحدة وأوروبا والعالم الناجمة عن جائحة فيروس كورونا. تظهر الأبحاث حول هذا الموضوع أن انعدام الأمن الاقتصادي وارتفاع البطالة يمكن أن يؤدي إلى مواقف سلبية تجاه المهاجرين والأقليات الأخرى. باختصار سيستفيد كل من السياسيين ووسائل الإعلام الإخبارية من اتجاه أوسع مناهض للهجرة بين سكان المملكة المتحدة وأوروبا عمومًا.

سنبقى في المملكة المتحدة كمثال واضح على الأزمة التي ستواجه المهاجرين في الشهور القادمة. وفقًا لمكتب الإحصاءات الوطنية، دخلت المملكة المتحدة أكبر ركود اقتصادي على الإطلاق بين أبريل (نيسان) ويونيو (حزيران) 2020، عندما انكمش اقتصادها بنسبة 20.4%. ليس هذا فحسب، بل من المقرر أن ينتهي برنامج الحكومة للاحتفاظ بالوظائف في أكتوبر (تشرين الأول) 2020، لذلك من المتوقع أن ترتفع البطالة بمقدار كبير يبلغ 3.5 مليون شخص.

تنعكس هذه النتائج أيضًا في استطلاع أجري مؤخرًا في المملكة المتحدة، والذي أظهر أن 49% من البريطانيين لديهم تعاطف ضئيل أو معدوم تجاه المهاجرين الذين يحاولون عبور الحدود. يجب أن نتذكر هذا الأمر جيدًا، وهو أن الزيادة المفاجئة في الاهتمام بعبور المهاجرين للحدود والبحر قد لا يكون لها علاقة كبيرة بحجم الهجرة. بدلًا عن ذلك فهو يعكس مستوى عدم اليقين وانعدام الأمن الذي يشعر به الشعب الأوروبي في أعقاب أزمة صحية واقتصادية غير مسبوقة. هذا أمر مهم؛ لأنه سيفسر لنا تلك التغطية الإعلامية المستقبلية لقوارب المهاجرين، وتصاعد الخطاب السياسي المناهض لهم.

يأتي هذا في ظل محاولة الشركات العودة إلى سابق عهدها بعد تخفيف قيود الإغلاق، في وقت يحذر فيه الاقتصاديون من أن التعافي سيستغرق وقتًا طويلًا. كل هذا يعطينا لمحة عما سيكون عليه الإنجليز في قادم الأيام؛ إذ ستزداد نظرتهم السلبية للمهاجرين، في وقت سيمثل لهم هؤلاء القادمون من وراء الحدود تهديدًا لمعيشتهم.

الأزمات الاقتصادية تزيد العنصرية

تظهر الأبحاث الأكاديمية أن الانكماش الاقتصادي يؤدي إلى آراء سلبية لأولئك الذين لا ينتمون إلى مجموعاتنا الاجتماعية. هناك تفسيران رئيسان لهذا. التفسير الأول يتعلق بنظرية تقول: «إن الأزمات تؤدي إلى منافسة اقتصادية بين الفئات الاجتماعية وتزيد من العداء بينها».

في أوقات البطالة المرتفعة وحالة عدم الثقة في قوة الاقتصاد، مثل الحالة التي نعيشها في ظل جائحة فيروس كورونا، يشعر الناس بالقلق من أنهم قد يضطرون إلى التنافس مع المهاجرين وطالبي اللجوء للحصول على الموارد المحدودة التي يملكونها، مثل الوظائف، أو المزايا، أو الخدمات الصحية. خلال تفشي وباء كورونا الحالي، انخفض عدد الوظائف بشكل حاد في أوروبا، وكان الوصول إلى الرعاية الصحية محدودًا بسبب استهلاك الموارد الطبية. قد تؤدي هذه المنافسة إلى مواقف معادية تجاه المهاجرين الذين يعبرون البحر.

تكنولوجيا

منذ 3 شهور
8 تطبيقات مفيدة لا غنى عنها للمهاجرين واللاجئين

بينما التفسير الثاني يتعلق بنظرية تقول إن الناس ينقلون خوفهم وإحباطهم الناجمين عن الأزمة إلى فئة أكثر ضعفًا، ويعاملونهم ككبش فداء. عندما يشعر الناس بعدم الأمان، فإنهم يبحثون عن وجهات نظر عالمية بسيطة وغير معقدة لاستعادة الشعور بالنظام في حياتهم، وبالتالي سيتحمل المهاجرين مسؤولية كل المشاكل في أوروبا.

الأمر الأسوأ بالطبع، أن الجماعات القومية والوطنية التي تعتقد أن بعض الناس أقل استحقاقًا للعيش في بلد معين من غيرهم غالبًا ما سيشجعون هذا النوع من التفكير. هذه النظرية الثانية مقنعة بشكل خاص؛ لأننا نعلم أيضًا أنه في أوقات الأزمات، يقلق الناس ليس من المنافسة الاقتصادية فقط، بل هناك مخاوف أكبر بالنسبة لهم تظهر في ظل هذه الأوقات الصعبة. هم أيضًا قلقون بشأن التأثير الثقافي للهجرة. هذا لا علاقة له بعدد الوظائف المتاحة، أو كيف يمكن أن تكون الخدمات الصحية متوفرة، لذلك فهو يعكس بدلًا عن ذلك محاولتهم إيجاد متنفس للخوف الذي يشعرون به.

وبغض النظر عن النظرية التي نراها الأقوى في تفسير ارتفاع التحيز في أوقات الأزمات الاقتصادية، فإن المؤكد هنا هو أن الانكماش الاقتصادي يؤدي إلى زيادة الآراء السلبية عن المهاجرين، هذا هو الواقع.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد