في عصر القرن الحادي والعشرين، حيث المركبات الفضائية تجوب كوكب المريخ، والطبقات الثرية غدت أغنى من أي وقت مضى، لم تزل أزمة الجوع منتشرة حول العالم، وتنكل بأمعاء الملايين من الناس في العالم الفقير.

هذا ما كشفه تقرير دولي حديث حول «أزمة الغذاء»، أعده خبراء الشبكة العالمية لمكافحة الأزمات الغذائية بمساعدة من اليونيسيف والاتحاد الأوروبي والعديد من الشركاء الدوليين والإقليميين، والذي أظهر أن رقعة المجاعة توسعت في سنة 2020 وسط فقراء العالم، مدفوعة باستمرار الصراعات واللامساواة والطقس المتطرف، وأخيرًا جائحة كوفيد-19 التي فاقمت الوضعية.

يأتي التقرير العالمي في طبعته الخامسة، بوصفه وثيقة مرجعية غنية بمعلومات وتحليلات موثوقة، بناءً على تقييمات الخبراء المستقلين، وهو يعتمد في معاييره على «التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي»، المُكون من خمس درجات من الجوع، تتدرج من الاقتصار على تلبية الأطعمة الأساسية فقط إلى الإجهاد، والحرمان، والعوز، والموت جوعًا.

أزمة الجوع تتوحش.. 155 مليون شخص يعانون أزمة غذائية خانقة

يشير التقرير إلى أن 155 مليون شخص في 55 دولة وإقليم يعيشون في أزمة غذائية خانقة، منهم 28 مليون في وضع الدرجة الرابعة من الجوع، بحيث يحتاجون بشكل طارئ إلى إجراءات عاجلة لإنقاذ الأرواح وسبل العيش، بينما يعيش 133 ألف شخص منهم في المرحلة الخامسة من الجوع باليمن، وجنوب السودان، وبوركينا فاسو، والتي تعني حرفيًا احتمال الموت جوعًا والانهيار التام لسبل العيش!

رسم بياني لأسوأ 10 مناطق أزمات غذائية في 2020، من بينها اليمن وجنوب السودان، وسوريا، وأفغانستان، والسودان

ويذكر التقرير الدولي المنشور في 307 صفحة، وأعده خبراء الشبكة العالمية لمكافحة الأزمات الغذائية بالتعاون مع مظمات دولية، أنه من بين 55 منطقة تعيش أزمة غذائية سُجلت في عام 2020، برزت 10 بلدان هي الأسوأ من ناحية المجاعة، ستة منها في أفريقيا (جمهورية الكونغو الديمقراطية، السودان، شمال نيجيريا، إثيوبيا، جنوب السودان، وزيمبابوي)، واثنان منها في الشرق الأوسط (سوريا واليمن)، وواحدة في القارة الأمريكية (هايتي) وواحدة في جنوب آسيا (أفغانستان).

ويعاني أكثر من نصف السكان الذين تم تحليلهم، في كل من جمهورية أفريقيا الوسطى وجنوب السودان وسوريا، من الجوع بدرجات متفاوتة، فيما كان أكثر من 40% من الساكنة، بأفغانستان، وهايتي، وليسوتو، واليمن، وزيمبابوي، يتضورون جوعًا، وتزداد الآثار الكارثية للمجاعة سوءًا عندما تصل فئة الأطفال، الذين لا يملكون القدرة على التحمل ويترك الجوع في أبدانهم وأدمغتهم ندوبًا لا تشفى.

وفي هذا الصدد، يشير التقرير إلى تعرض حوالي 15.8 مليون طفل دون سن الخامسة في سنة 2020، إلى الهزال في 55 بلدًا وإقليمًا يعيش أزمات غذائية؛ نصف هؤلاء الأطفال الجائعين يتواجدون بالبلدان العشرة السالفة الأكثر جوعًا، بينما عانى 75.2 مليون طفل حول العالم من التقزم، بسبب سوء التغذية والهزال.

أما على مستوى الجوع الأقل حدة، فقد صُنف ما يقارب 208 مليون شخص في 43 دولة في حالة الإجهاد، وهي الدرجة الثانية من «تصنيف الأمن الغذائي»، والتي تشير إلى أن الأسر بالكاد لديها الغذاء الكافي وتضطر للاقتصاد في الأطعمة الأساسية لتوفير نفقات أخرى ضرورية.

وكانت صحيفة «نيويورك تايمز» قد أشارت في تقرير لها منتصف العام الماضي، وترجمه «ساسة بوست» إلى أن الجوع هو من سيقتل الناس في البلدان الفقيرة، وليس فيروس كورونا، وهو ما حصل بالفعل، إذ إن حصيلة الإصابات والوفيات الناتجة عن فيروس كورونا المستجد في أفريقيا الجائعة لا تقارن بالنتائج الاقتصادية الكارثية التي خلفتها الجائحة، والتي من بينها تفاقم أزمة الجوع.

وافد جديد: جائحة كورونا تنضم إلى محركات الجوع حول العالم

غالبًا ما تكون عوامل انعدام الأمن الغذائي مترابطة ومتشابكة، وبعض هذه العوامل ليس جديدًا، مثل الصراعات، واللامساواة، والجفاف، لكن الجديد هي جائحة كورونا التي عمَّقت أزمة الجوع في العالم الفقير، وهو ما يفسر انتقال عدد الجائعين حول العالم من 136 مليون في 2019 إلى 155 مليون إنسان جائع في 2020، أي بزيادة 19 مليون شخص في ظرف سنة واحدة!

وقد تسبب الوباء في أسوأ أزمة اقتصادية عالمية منذ الحرب العالمية الثانية، ضربت مختلف بقاع المعمورة بشكل غير متناسب، بحيث كانت البلدان الفقيرة والهشة الأكثر تأثرًا اقتصاديًا. فقد وجد ملايين الناس صعوبة في شراء الطعام الكافي، بعدما تفشت البطالة والغلاء المفاجئ والاحتكار، جراء إجراءات الحجر الصحي القاسية.

وبينما لم يتأثر الأغنياء كثيرًا بتداعيات الجائحة، بالعكس ازداد بعضهم ثراء، عانى الفقراء كثيرًا في إطعام أنفسهم في ظل فساد حكومات البلدان الهشة، وعن ذلك تقول آشا جعفر، وهي متطوعة إغاثة، «لم يساو فيروس كورونا بين الناس، بل كان كاشفًا عظيمًا للمستور؛ إذ إنه أماط اللثام مرةً أخرى عن الانقسام الطبقي، وأوضح المدى الذي بلغته اللامساواة في هذه البلدان الفقيرة».

وفي ذات الوقت استمرت الصراعات الدائرة في عدد من مناطق العالم في دفع الناس إلى حافة العوز ونزوحهم وتعطيل سبل عيشهم، كالشأن في اليمن، وأفغانستان، وسوريا، وجنوب السودان؛ مما أدى إلى تجويع الملايين من السكان في تلك البلدان. وتعد الحروب المحرك الرئيس للأزمات الغذائية في 23 دولة وإقليم، يعيش بها ما يقرب من 100 مليون شخص في أزمة غذائية.

وعادة ما يرتبط الصراع والجوع ببعضهما البعض، إذ يعزز كل منهما الآخر، وبالتالي لا يمكن حلهما بشكل منفصل، فالصراع يجبر الناس على مغادرة منازلهم وأراضيهم ووظائفهم، ويعطل الزراعة والتجارة؛ مما يؤدي إلى الجوع، والذي بدوره يقود إلى الصراع نتيجة التنافس على الموارد الشحيحة.

إلى جانب كل ذلك، تسهم الاضطرابات المناخي في تجويع الناس، ففي عام 2020، تسببت موجات الجفاف والفيضانات في إحداث الفوضى في سبل العيش في أجزاء كثيرة من أفريقيا، والشرق الأوسط، وجنوب آسيا وأمريكا الجنوبية. وكانت هذه الأحوال الجوية الشديدة سببا في دخول 16 مليون شخص في أزمة غذائية بـ15 دولة.

وتؤدي ظواهر الطقس المتطرف إلى خسائر في المحاصيل والماشية وتدمير المنازل وتشريد الناس، خاصة عندما تكون مستمرة ومتكررة، فيفقد الملايين من الناس سبل عيشهم ويفتقرون إلى الغذاء الكافي.

معالجة الجوع أساس الاستقرار

«لا مكان للمجاعة والمجاعة في القرن الحادي والعشرين. معًا، يمكننا القضاء على الجوع»

هكذا يأمل أنطونيو غوتيريش الأمين العام للأمم المتحدة، لكن بالنظر إلى إحصاءات الجوع لسنة 2020 السابقة، يبدو الهدف العالمي للأمم المتحدة، المتمثل في تحقيق «القضاء التام على الجوع» بحلول عام 2030، بعيد المنال حتى الآن.

وما يصعب هذه المهمة هو أن التداعيات الاقتصادية لجائحة كورونا الاقتصادية لم تزل ستستمر لسنوات في البلدان الهشة، ولا سيما مع صعوبة الوصول إلى اللقاحات في السوق العالمية. بالإضافة إلى أن حكومات تلك البلدان لا تملك الكفاءة لإنعاش اقتصاداتها وحل مشكلاتها المناخية، وبعضها يرزح تحت اضطرابات سياسية عميقة؛ مما يجعل عشرات الملايين من الناس في العالم الفقير يعتمدون على المساعدات الإنسانية في عيشهم.

اقتصاد الناس

منذ سنة واحدة
خُمس سكانها «جائعون».. حكاية إفقار أفريقيا المستمرة منذ الثمانينات

ومع ذلك وكما يقول الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيرش، فإن «معالجة الجوع هو أساس الاستقرار والسلام»، إذ يقود الجوع إلى الصراعات العسكرية والثورات الشعبية.

هذا وتشير توقعات التقرير العالمي لأزمة الغذاء إلى أنه من المرجح خلال عام 2021، أن يرزح حوالي 142 مليون شخص تحت أزمة الجوع بدرجات متفاوتة، و155 ألف شخص سيتعرض لخطر الموت جوعًا!

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد