عندما نتحدث عن فراعنة مصر، بالتأكيد سمع أغلبنا عن خوفو صاحب أكبر الأهرامات، أو توت عنخ آمون بسبب قناعه الذهبي الشهير، أو تحتمس الثالث القائد العسكري العظيم وحملاته العسكرية الواسعة. لكن هل سمعت من قبل عن الفرعون المصري أمنمحات الثالث؟ على الأغلب لا. لكن مع هذا فإن أمنمحات لديه شهرة واحدة يعرفها المؤرخون بوضوح. فتحت حكمه، ظهرت التقنية الأكثر إثارة للإعجاب والأكثر قيمة وانتشارًا على مر التاريخ من أي من الموروثات الأخرى، إنها الأبجدية.

أمنمحات الثالث كان فرعونًا من الأسرة المصرية الثانية عشرة. حكم في الفترة من 1860 إلى 1814 قبل الميلاد، وهو أقدم تاريخ معروف موجود في ورق البردي. وتعد فترة حكمه العصر الذهبي للمملكة الوسطى؛ إذ استكمل نظامًا لتنظيم تدفق المياه إلى بحيرة موريس، في منخفض الفيوم جنوب غرب القاهرة، وعمل على مناجم الفيروز في سيناء بكثافة غير مسبوقة.

تعد الأبجدية وسيلة ثورية لتسجيل المعلومات. لكنها أكثر من مجرد نظام للكتابة. تصف فيليبا ستيل وفيليب بويز من جامعة «كامبريدج» الأبجدية بأنها «رمز للثقافة». واليوم أصبح التعليم أساسيًّا في معظم البلدان، بحيث يمكن للأطفال في كثير من الأحيان أن يتحدثوا بها قبل وقت طويل من تعلمهم القراءة أو الكتابة. تستخدم مجموعة متنوعة من الحروف الهجائية للكتابة في العديد من اللغات، من الروسية إلى العربية. لكن كل هذا التنوع يعود إلى سلف مشترك واحد.

لطالما كانت قصة تلك الأبجدية الأولى في التاريخ لغزًا، لكن على مدار الأعوام الخمسة والعشرين الماضية أحرز العلماء تقدمًا هائلًا نحو تحديد وقت ومكان اختراعها. الأكثر إثارة للدهشة، هو وجود حالة من الإجماع اليوم على أن الأبجدية لم تنشأ عن مبادرة ترعاها الدولة كما كان يعتقد منذ فترة طويلة. بدلًا من ذلك، ربما كان أولئك الذين أنشأوا الأبجدية بعيدين عن نخب العالم القديم. من المفارقات، أنهم ربما كانوا أميين أساسًا، لكن لن يكتب أي كاتب مصري مدرب بالطريقة التي كتب بها هؤلاء العباقرة.

الصوت.. الفرق بين الهيروغليفية والأبجدية الأولى

قبل 3800 سنة، خلال فترة حكم أمنمحات الثالث، كانت الكتابة موجودة بالفعل منذ أكثر من ألف عام. كان هناك نظامان للكتابة، والذين أصبحا مؤثرين بشكل خاص. الأول هو الكتابة المسمارية التي نشأت في بلاد ما بين النهرين في جنوب غرب آسيا، والثاني هو الهيروغليفية المصرية. كانت الهيروغليفية هي ما ألهم مخترعي الأبجدية الأولى، والتي ما تزال تحمل أصداء باهتة من التراث الهيروغليفي. حرف (M)، على سبيل المثال، به قمم وقيعان تشبه الموجة المائية، وهي الشكل نفسه الذي اقتبست منه في الهيروغليفية. وعلى الرغم من أن معظم حروف الأبجدية لم تكن جديدة تمامًا، فقد أعيد استخدامها بشكل جديد بالتأكيد.

من الذي اخترع الأبجدية الأولى؟

(تطور الأبجدية القديمة إلى الأبجدية اللاتينية الحالية)

الهيروغليفية المصرية تمثل عمومًا مقاطع أو كلمات كاملة. بينما الأبجدية تستخدم مقاربة مختلفة. إذ تمثل جميع الحروف في الأبجدية صوتيات معينة، وهي جسيمات أولية غير قابلة للتجزئة تُبنى منها اللغات المنطوقة. كلمة «قلم»، على سبيل المثال، ليست سوى مقطع لفظي واحد، ولكنها تحتوي على ثلاثة أصوات صوتية مميزة، يمثل كل منها بحرف واحد. كانت هناك بعض العناصر الصوتية في أنظمة الكتابة السابقة، لكن ما يميز الأبجدية أنها تعتمد على الصوت بالكامل. هذا الأمر كان ثوريًّا بحق في تاريخ البشرية.

قد يبدو هذا الاختلاف بسيطًا بين الهيروغليفية وبين الأبجدية، ولكنه يحدث فرقًا كبيرًا في الطريقة التي تعمل بها الأبجدية مقارنة بالهيروغليفية. احتاج المصريون إلى المئات من الحروف الهيروغليفية المتميزة لتمثيل الكلمات الفردية. لكن في المقابل، فإن معظم اللغات (المبنية على أبجدية) لا تشمل سوى بضع عشرات من الصوتيات. ونتيجة لذلك، تستخدم جميع النصوص الأربعين الأولية للأبجدية الأولى كانت تستخدم الحروف نفسها أو الرموز العشرين. يمكنك مشاهدة الصورة التالية للتوضيح.

الأبجدية الأولى.. لم تُستخدم للكلمات المصرية

على حد علم الخبراء، لم تستخدم هذه الأبجدية الأصلية التي نشأت قبل 3800 عام تقريبًا في كتابة الكلمات المصرية، ولكن في كتابة كلمات واحدة أو أكثر من اللغات السامية، وهي مجموعة من اللغات التي كان يتحدثها في ذلك الوقت مختلف السكان الذين يعيشون في الشرق الأوسط وتركيا. هذا يشير إلى أن الأبجدية كانت اختراعًا متعدد الثقافات.

هذا يعني أن هذه الأبجدية كانت نتاج ترابط وثيق بين المتحدثين المصريين والساميين. ولكن في أي سياق تجمعت المجموعتان لابتكار هذه الحروف الأبجدية، ومتى حدث هذا بالضبط. هذا الأمر لم يكن واضحًا خلال معظم الاكتشافات التي تمت في القرن العشرين. فقد اكتشف علماء الآثار أولًا أمثلة على هذه الأبجدية المبكرة عام 1905، ولكن لم يعثر على شيء آخر في العقود التالية؛ إذ فقد الباحثون الاهتمام بأصول الأبجدية.

تاريخ وفلسفة

منذ سنة واحدة
الفلك المصري القديم.. نسيج واحد يجمع بين الدين والعلم والأساطير

لكن في عام 1995، وصل جون دارنيل من جامعة ييل الأمريكية، إلى اكتشاف أشعل الأمور من جديد. أثناء عمله في موقع وادي الهول الصحراوي، على بعد عشرات الكيلومترات شمال غرب الأقصر (مدينة طيبة المصرية القديمة)، حلل دارنيل وفريقه كتابتين أبجديتين منقوشتين في الصخر. وعلى الرغم من أن النقوش كانت ما تزال غير قابلة للفهم والقراءة، فإن أسلوب الحروف يشير إلى أن العديد من الحروف ظهرت من نوع معين جدًّا من الهيروغليفية المصرية التي تسمى الهيراطيقية.

كان هذا اكتشافًا مهمًّا. ففي حين أن الهيروغليفية الرسمية في مصر القديمة تغيرت قليلًا مع مرور الوقت، فإن الهيراطيقية لم تتغير. وبدا أن هذه النقوش تبدو وكأنها الهيراطيقية المستخدمة منذ 3800 عام. يقول دارنيل: «لا جدال في أن النقوش تعود إلى نهاية الأسرة الثانية عشرة، في عهد أمنمحات الثالث». وهذا يجعلها من أقدم النقوش الأبجدية الموجودة.

الجيش المصري.. هنا نشأت الأبجدية الأولى

يتفق معظم العلماء على أن هذا هو أفضل تقدير لدينا حاليًا حول اختراع الأبجدية. كما تشير المنحوتات في وادي الهول إلى كيفية اختراعها. كان الموقع يتردد عليه الجيش المصري في ذلك الوقت، وكان المجندون العسكريون يمثلون مجموعة متنوعة عالميًّا. كان لديك كل أنواع الناس: النوبيون، والمصريون، وأشخاص من دولة ليبيا الحالية، وأناس من جنوب غرب آسيا. كان هذا المكان يمثل بوتقة انصهار حقيقية من الناس واللغات.

البعثات العسكرية هذه كانت تتطلب وجود الكتبة لقراءة الرسائل وإرسالها، لذلك يمكنك تخيل هذا السيناريو، حيث يجلس فيه هؤلاء الكتاب المحترفون مع زملائهم العسكريين من جنوب غرب آسيا ويساعدوهم على ابتكار الأبجدية. كان لا بد أن يحدث بعض التفاعل بين المصريين وبين أولئك من جنوب غرب آسيا، ويبدو أن من توصل إلى هذه العلامات التي أصبحت الأبجدية الأولى كان متعلمًا للغة الهيراطيقية المصرية.

نشر دارنيل وزملاؤه النتائج التي توصلوا إليها عام 2006. وعلى الرغم من قبولها على نطاق واسع كعمل توثيقي مهم، فإنها لم تكن نهاية القصة بل بداية تسليط الضوء على لغز حقيقي. هذه الأبجدية لم يتم تبنيها من أجل الأعمال الحكومية حتى قبل 3200 عام. هذا يعني مرور 600 عام منذ نشأتها. والمعروف أن الاختراعات الرائعة تميل إلى التجذر بسرعة، فلماذا يبدو أن الحروف الأبجدية عانت من ضعف وقلة انتشار؟

أحد الاقتراحات المدهشة هو أن الكتبة والمتعلمين في ذلك الوقت لم يعدوا هذه الأبجدية أفضل من نصوصهم التقليدية. لكننا نحن مشروطون بالتفكير في الكفاءة حين يتعلق الأمر بالكتابة. ومن هذا المنظور، يجب أن تكون النظم المسمارية والهيروغليفية أنظمة سيئة لأنها تستخدم مئات العلامات، ولكل منها معاني متعددة. لكن الكتبة قدّروا هذا التعقيد، جزئيًّا لأنه ترك مجالًا للإبداع مما مكّنهم من صنع التورية البصرية، على سبيل المثال. إذ كان بإمكانهم التبديل بين الأشياء لإظهار مدى ذكائهم.

في الوقت نفسه، كانت أنظمة الكتابة القديمة واضحة تمامًا في معناها. كانت الإصدارات الأقدم من الأبجدية أقل من ذلك. على سبيل المثال، لم تستطيع أغلب هذه الإصدارات تمثيل حروف العلة للغة المنطوقة.

الأبجدية الأولى ربما أخفيت عن عمد

هناك احتمال آخر آخذ في الظهور بين الباحثين. الأبجدية لم تفشل في الانتشار، لكن أخفي تاريخها المبكر عن عمد حتى الآن. عام 2015، وصف بن هارينغ من جامعة «ليدن» في هولندا قطعة من الفخار عمرها 3450 عامًا اكتُشفت قبل بضعة عقود في قبر بالقرب من طيبة. سرعان ما أدرك هارينغ أن النص كان غير عادي. بدت الكتابة المصرية الهيروغليفية والهيراطيقية وكأنها واحدة، أو ربما اثنين، تستعرض الحروف القليلة الأولى من الأبجدية بالترتيب الأبجدي الذي تعارفنا عليه.

كان هذا اكتشافًا مهمًّا ورئيسيًّا. كانت طيبة عاصمة مصر في ذلك الوقت، وتشير هذه القطعة من الفخار إلى أن الكتبة في المدينة أرادوا أن يتعلموا نظام الكتابة الذي اخترعه زملاؤهم العسكريون في المقاطعات على ما يبدو قبل 350 عامًا. قد يبدو هذا بمثابة تأخر كبير، لكن على الرغم من أن وادي الهول كان قريبًا من طيبة، فمن الناحية الثقافية كان بمثابة عالم بعيد، ونادرًا ما تزوره النخبة المصرية.

حتى إذا كانت الأبجدية تلحق بالركب، فإن الدولة المصرية نفسها لم تتخل عن الهيروغليفية. يعتقد الباحثون أن الفكرة تكمن في مجموعة من الألواح الطينية التي يعود تاريخها إلى 3500 عام وتوثق الأعمال الرسمية للدولة في جنوب بلاد ما بين النهرين، على بعد أكثر من ألف كيلومتر شرق مصر.

كان النص مكتوبًا بالشكل المسماري، لكن عندما فحص الخبراء هذه الألواح، اكتشفوا شيئًا مثيرًا للاهتمام. على حافة أربعة منها كانت هناك نقوش أبجدية قصيرة. إذ يبدو أن كتبة بلاد ما بين النهرين كانوا يخزنون الألواح المسمارية على أرفف في صفوف، مثل الكتب الموجودة في المكتبات الحديثة. هذا يجعل النص على الحواف مهمًّا؛ لأنه مرئي لأي شخص يتنقل في المكتبة أو الأرشيف. ومثل نظرائهم في مصر، اضطر كتبة بلاد ما بين النهرين استخدام أنظمة الكتابة القديمة لتوثيق الأعمال الرسمية. لكن بالنسبة للأعمال غير الرسمية – مثل كتابة الملاحظات الجانبية – اختاروا استخدام الحروف الأبجدية؛ لأنهم وجدوا أنها أسرع في الكتابة والقراءة.

بعض الباحثين يتشككون في هذه الفكرة، ويرون أن الدليل ليس بمقدار قوة الفكرة نفسها التي يريد البعض إثباتها. أضف إلى هذا أن هذه الألواح تفتقر إلى المصدر، لذلك فمن غير الواضح ما إذا كانت قد أرشفت عبر النقوش الأبجدية المكتشفة بالفعل. ويشكك بعض الخبراء في أن الكتبة استخدموا الأبجدية على نطاق واسع في أول 600 عام من اكتشافها.

من المعتاد أن يقوم الكتاب المحترفون بتوحيد أنظمة الكتابة الخاصة بهم، لكن لا يوجد شيء معياري أو موحد حول الطريقة التي كتبت بها النصوص الأبجدية قبل 3200 عام. البعض كان يقرأ من اليمين إلى اليسار، والبعض الآخر من اليسار إلى اليمين، والبعض الآخر من أعلى إلى أسفل. حتى اتجاه الحروف داخل الكلمات لم يكن ثابتًا. إذا كان الكتبة يستخدمون الأبجدية القديمة على نطاق واسع إلى حد ما لأغراضهم الخاصة، فإننا كنا نتوقع توحيدًا أكبر من ذلك في أسلوب القراءة.

الأبجدية الأولى ربما ظهرت في سيناء

لكن بعض الباحثين ذهب أبعد من ذلك. هؤلاء يعتقدون أن أحد أسباب فشل الكتبة في اعتماد الأبجدية هو أنهم لم يلعبوا أي دور في إنشائها من الأساس. يعتقد البعض أن الأبجدية الأولى لم تنشأ في وادي الهول، ولكن في منطقة سرابيط الخادم في شبه جزيرة سيناء شمال شرق مصر، حيث يرجع تاريخ النقوش الأبجدية التي عثر عليها هناك منذ قرن إلى حوالي 3800 عام.

كانت سرابيط الخادم ذات يوم مركزًا لتعدين الفيروز، حيث كان يُستخدم كنعانيين ناطقين بالسامية من الشرق الأوسط لاستخراج هذه الأحجار الكريمة. ويبدو أن هؤلاء العمال الأميين رأوا المصريين يكتبون أدعيتهم للآلهة فأرادوا أن يقوموا بالمثل. ونظرًا إلى وضعهم المتواضع، فإنهم لن يقنعوا الكتبة المصريين بتعليمهم الهيروغليفية. لذلك ارتجلوا.

حدد هؤلاء الكنعانيون معاني جديدة للعلامات في النصوص الهيروغليفية حتى يتمكنوا من تسجيل لغتهم السامية صوتيًا وبالتالي إنشاء الأبجدية. يلاحظ أن نقوش الأبجدية التي عثر عليها في سرابيط الخادم كانت نصوصها مكتوبة بأحجام مختلفة؛ مما يشير إلى أنه قد كتبها أشخاص دون تدريب رسمي. وبالطبع لم يكن يعرف عن الكتبة المصريين أنهم غير متقنين في عملهم، وعدم اهتمامهم بأدق التفاصيل.

مما يرجح أن الأبجدية لم تنشأ كاختراع من داخل النخبة المصرية المتعلمة؛ هو ملاحظة أن النصوص الأبجدية المبكرة تُعرض بشكل غير منقطع، في حين أن الكتابة الهيروغليفية تتضمن علامات تشير إلى أين تنتهي الكلمات. لذلك، إذا كان مخترعو الأبجدية يعرفون المصريين، فقد تجاهلوا عن عمد شيئًا مفيدًا بشكل واضح.

من اخترع الأبجدية لم يعش ليدرك مدى أهمية هذا الاختراع. في الواقع، ما يزال هناك لغز كبير يتعلق بسبب استبدال الأبحدية بأنظمة الكتابة مثل الهيروغليفية والمسمارية. ربما يمكن ربط السبب بانهيار الحضارات على مستوى المنطقة منذ 3200 عام، والتي ما يزال سببها غير معروف. لكن الأبجدية بدأت في الصعود والسيطرة على أجزاء من ساحل البحر المتوسط ​​الشرقي قبل ذلك. ومهما كان السبب، فإن الأبجدية أصبحت أكثر شيوعًا مع انتهاء العصر البرونزي منذ حوالي 3200 عام. وهو ما يعني تغير التاريخ للأبد.

فنون

منذ سنة واحدة
ربما تحوي تعويذة أو خريطة كنز.. 7 كتب ومخطوطات غامضة من التاريخ

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد