على مرِّ العصور شهد التاريخ أساليب قتلٍ متعددة، من الاغتيالات السرية والصامتة، إلى أخرى على مرأى من العالم، مثل جريمة اغتيال الصحافي السعودي جمال خاشقجي. وعلى الرغم من اختلاف الأساليب فإنها تشترك في هدف واحد: التخلص من المعارضين والمناوئين للسلطة الحاكمة. نقدم في هذا التقرير قصصًا تاريخية وحديثة عن عمليات اغتيال وقتل للمعارضين بأساليب مفاجئة وغير تقليدية.

التفنن في القتل.. العصور الوسطى والقديمة

نجد في الصين الإمبراطور «تشين شي هوانغ»، أوَّل موحد للصين، وتولى الحكم إمبراطورًا عليها في عام 221 قبل الميلاد، الذي دفن 460 من علماء كونفوشية أحياء، لمعارضتهم لاستضافته السحرة في قصره، ومطالبتهم بالعودة إلى النظام الإقطاعي القديم، أما سكان الدول المجاورة التي أخضعها لسيطرته فكان يخصيهم ليستعبدهم.

وفي روما، حظي الإمبراطور الروماني الثالث كاليجولا، الذي تولى الحكم بين 37 إلى 40 ميلاديًّا، بشهرةٍ واسعةٍ بسبب تفننه بالفتك بمخالفيه، على خلاف ما أوحت به الشهور الأولى من حكمه وما شهدته من حسن إدارة، والسماح للمنفيين من روما بالعودة إليها.

إلَّا أنه بلغ مرحلةً من جنون العظمة (البارانويا) عزاها مؤرخون لتعرضه للتسمم أو نوبات صرع في طفولته، وهُيِّئ له أنه من الآلهة.

أجبر كاليجولا الآباء على رؤية ذويهم المحكوم عليهم بالإعدام أثناء تنفيذ الحكم، وتلذذ بمشاهدتهم وبالتفرج على مشاهد التعذيب. وأمر بجلد الموظفين حتى الموت إذا اشتبه في تورطهم بمؤامرة ضده.

Embed from Getty Images

الإمبراطور الروماني كاليجولا

وفي القرن الخامس عشر، نجد وحشية أمير رومانيا فلاد الثالث، الذي صعد إلى العرش عام 1456، وثبَّت سلطته بتعذيب معارضيه بالقتل الجماعي، ونزع أحشائهم وقطع رؤوسهم وسلخهم أو غليهم أحياء، واشتهر بقتله للمعارضين والأعداء بالخوازيق.

هذا ما يخبرنا به التاريخ القديم عن بعضٍ من نماذج الحكام والأباطرة الذين تخلصوا من معارضيهم بطرق وحشية، فماذا يخبرنا التاريخ الحديث؟

الاغتيال بالرصاص.. يطول الرؤساء والمعارضين

ومع تطور الوسائل، ظهرت أدوات أخرى للتخلص من المعارضين مثل الاغتيال بالرصاص، ولكن الرصاص الذي يقتل المعارضين يمكن له أن يقتل الرؤساء أيضًا.

وأشهر تلك الحوادث حادثة اغتيال الرئيس الأمريكي جون كيندي، الذي أطلق عليه النار في 22 نوفمبر (تشرين الثاني) 1963، وما يزال هذا الاغتيال محل خلاف واسع، وسببًا للكثير من نظريات المؤامرة.

وبالطبع طالت الرصاصات المعارضين، ومنهم مارتن لوثر كينج الناشط السياسي الأمريكي ذي الأصول الأفريقية، الذي دعا للمساواة وحارب التمييز العنصري بحق الأمريكيين الأفارقة، وقد تلقى رصاصة قاتلة في 4 أبريل (نيسان) 1968 أثناء وقوفه بشرفة بيته.

تاريخ

منذ 4 شهور
مالكوم إكس vs مارتن لوثر كينج.. مسيرة نضال السود على دروب متناقضة

وعلى المنوال نفسه اغتيلت بالرصاص آنا بوليتكوفسكايا، الصحافية الروسية والكاتبة والناشطة في مجال حقوق الإنسان، في 6 أكتوبر (تشرين الأول) 2006، في مصعد شقتها بالعاصمة الروسية موسكو، وكانت الكاتبة معروفة بمعارضتها للرئيس الروسي، فلاديمير بوتين آنذاك، فضلًا عن انتقاداتها اللاذعة للكرملين، من جراء انتهاكات حقوق الإنسان في الشيشان.

في كوريا الشمالية.. القتل بمدافع مضادة للطائرات وبالكلاب الجائعة

لعل أغرب وقائع الإعدام وأساليبه تأتي من كيم جونغ أون، رئيس كوريا الشمالية؛ إذ يأمر بإعدام من يتصرفون بسلوكٍ يثير غضبه، ومن أغرب الحالات إعدام وزير الدفاع، هيون جونغ تشول، رميًا بالرصاص باستخدام مدفع مضاد للطائرات، بسبب نومه خلال عرضٍ عسكري حضره الزعيم الكوري.

ومن أبشع وسائل القتل في عهد كيم، ما واجهه نائب وزير الأمن العام، أوسانج هون، إذ أُحرق حيًّا باستخدام قاذفة لهب، بسبب صلته القوية بعم الزعيم الكوري، جانج سونج ثايك، الذي أُعلن إعدامه سابقًا في ديسمبر (كانون الأول) 2013، بعد إدانته بالفساد والخيانة وتعاطي المخدرات.

روسيا وكوريا الشمالية: اغتيالات سامة

لروسيا تاريخ من قتل المعارضين بالتسميم، فمثلًا تعرَّض الجاسوس الروسي المنشق «ألكسندر ليتفينينكو» للتسمم في الأول من نوفمبر (تشرين الثاني) 2006، بعد لقائه عميلين من الاستخبارات الروسية في أحد فنادق لندن. وضع العميلان له مادة البولونيوم 210 في الشاي، وهي مادة مشعة عالية السمِّية، دمَّرت أعضاءه الحيوية بالتدريج ليتوفى في الشهر نفسه، وفي تلك الفترة اعتنق الإسلام ليُدفن في الأراضي الشيشانية تضامنًا منه مع الشيشانيين، وأقيمت له مراسم دفن إسلامية.

وكذلك تعرَّض أحد أشهر المعارضين الروس، أليكسي نافالني، للتسمم بغاز الأعصاب الشهير نوفيتشوك، في 14 سبتمبر (أيلول) 2020، وهو على متن رحلة جوية عائدة إلى موسكو من سيبيريا، وكان نافالني من نقاد بوتين ويدير مؤسسة مكافحة الفساد، منظمة غير حكومية، وكثيرًا ما تعرض لمضايقات واعتداءات، بما في ذلك الاعتقالات والتهديد بتصعيد الأمور للاغتيال.

أما الاغتيالات الكورية فتمتد للعائلة؛ إذ قُتل مسممًا كيم جونج نام، الأخ غير الشقيق للزعيم الكوري، في هجوم في مطار العاصمة الماليزية كوالالمبور، في فبراير (شباط) 2017. 

وتعرَّض جونج نام أكثر من مرة لمحاولات اغتيال، بينها واحدة عام 2012 من طرف عناصر تابعة للنظام الحاكم، ووفقًا لصحيفة «نيويورك تايمز» فقد بعث جونغ نام بعد ذلك لأخيه برسالة في أبريل 2012 قال فيها: «أرجوك اسحب أمرك بمعاقبتي وعائلتي. لا مكان لنهرب إليه، الطريقة الوحيدة للنجاة هي اختيار الانتحار».

قتيلٌ أم منتحر؟

وتسعى بعض الدول للتخلص من معارضيها عبر الخنق أو الشنق، لإيهام الرأي العام بانتحار الضحية، وبعض هذه الحوادث لا يعرف الفاعل فيها أبدًا، ومن أبرزها وفاة السياسي المعارض رخات علييف، صهر الرئيس الكازاخستاني السابق، نور سلطان نزارباييف، وقد كان مسجونًا في النمسا بدعوى تورطه في تهمٍ أبرزها قتل مصرفيين ومحاولة الانقلاب على الحكم، وتوفي مشنوقًا داخل دورة مياه زنزانته، في 24 فبراير 2015.

Embed from Getty Images

راخات علييف، السياسي والمعارض الكازاخستاني الذي وجد مشنوقًا في زنزانته

لكنَّ أسرته شككت في رواية السلطات النمساوية بانتحاره، ودللت على ذلك بأن علييف كان ذاهبًا لتقديم وثائق للمحكمة ليدلي بشهادته في يوم الوفاة نفسه، فضلًا عن تحذيراته السابقة باحتمالية حدوث جريمة قتل بحقه قبل شهادته، كما أكدَّ طبيب شرعي ألماني أنه قتل على يد مختصين بعد تفحصه لجثة علييف. 

كذلك، توفي نيكولا جلوشكوف المعارض السياسي للرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بمنزله في لندن مشنوقًا، في مارس (آذار) 2018، لكن الفحوصات لم تكن حاسمةً حول ما إذا كان قد قُتل أم انتحر بنفسه، أما بنته فتؤكد أن ما حصل مدبر له. 

اغتيال خاشقجي: الاغتيال المكشوف

كان لاغتيال الصحافي السعودي، جمال خاشقجي، صداه في أنحاء العالم، ويُلقي اغتياله منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2018 بظلال ثقيلة على ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، وحضوره الدولي.

ورغم انكشاف العملية وتفاصيلها والقائمين عليها، فإنها جريمة مكتملة الأركان، من استدراج وخطف انتهى بالقتل وتقطيع الجثة ثم إذابتها بحمض كيميائي، في محاولة لإخفاء آثار الجريمة بعد انكشافها.

المصادر

تحميل المزيد