تشهد الهند مؤخرًا وضعًا وبائيًّا كارثيًّا، بعدما انفجر فيروس كورونا المستجد في هذا البلد الذي يضم أكثر من مليار نسمة، في ظل تداعي المنظومة الصحية الهندية. وسجلت الهند أمس الأحد الثالث من مايو (أيار) 2021، أعلى حصيلة يومية للوفيات في العالم، بسبب الفيروس منذ بداية الجائحة، بلغت 3689 وفاة وأكثر من 400 ألف إصابة جديدة.

وفي حين يبدو ذلك شأنًا خاصًّا بالهند، فإن تداعياته الخطيرة تصل بلدان العالم النامية والفقيرة ومنها البلدان العربية، التي كانت تعول معظمها على لقاح أسترازينيكا-أكسفورد، الذي يجري تصنيعه بكميات هائلة في الهند بواسطة «معهد الأمصال (Serum Institute)»، أكبر مصنع لقاحات في العالم؛ من أجل وضع حد للوباء. غير أن الانفجار الفيروسي الأخير دفع نيودلهي إلى وقف تصدير اللقاحات، وهو ما يشير إلى أن الجائحة لا زالت ستطول أكثر في العالم النامي والفقير.

كورونا يفتك بالهند بعد إعلان الحكومة الانتصار على الفيروس!

بعد الموجة الأولى من فيروس كورونا في ربيع عام 2020، فرضت الهند حجرًا شاملًا، وبدا أنها تتحكم جيدًا بالوباء، إذ كانت تسجل معدل إصابات ووفيات منخفض جدًّا في الوقت الذي فيه كانت أوروبا وأمريكا ترزح تحت وطأة الجائحة.

لكن عندما رُفعت القيود الاجتماعية وبدأ الناس في التجمع مرة أخرى شيئًا فشيئًا، خُلقت الظروف المثالية لتحور الفيروس وتغلغله وسط ملايين الهنود، قبل أن ينفجر بشكل كلي في البلاد مع بداية شهر أبريل (نيسان) 2021.

فخلال الشهر المنصرم فقط، أبلغت الهند عن ما يقرب 7 ملايين إصابة و48 ألف وفاة، من أصل 19 مليون إصابة و200 ألف وفاة عرفتها الهند منذ تفشي الجائحة، وفقًا لبيانات صادرة عن جامعة جونز هوبكنز الأمريكية.

يعتقد العلماء أن هذا الارتفاع الصاروخي في الحالات بالهند، يرجع جزئيًّا إلى تحور فيروس كورونا وظهور سلالة أكثر انتشارًا وفتكًا هناك، بالإضافة إلى تخلي الناس عن حذرهم وإقامتهم العديد من التجمعات الاجتماعية والدينية المكتظة بدون كمامات، مُتشجعين بتصريحات الحكومة القومية التي أعلنت «انتصارها» مبكرًا على الفيروس!

ومع تصاعد حالات الإصابة بفيروس كورونا في الهند، وصل نظام الرعاية الصحية في البلاد إلى حدوده، ولم يعد قادرًا على التعامل مع طوفان الإصابات مع الموارد الصحية المحدودة، فأصبح الناس يموتون ويعانون في كل مكان – على نقالات وعلى طاولات المشافي وعلى الأرض بحسب ما رصدت الصور والتقارير – بسبب نقص الأكسجين والأسرة الطبية والأطقم الطبية، لتُسجِّل الهند أرقامًا قياسية عالمية لحالات الوفاة والإصابات اليومية خلال الأسبوع الأخير.

في سياق متصل، أدى هذا الضغط الوبائي الشديد إلى تعطيل الحكومة الهندية تصدير لقاح أسترازينيكا، الذي تنتظره معظم بلدان العالم النامي والفقير بأحر من الجمر من أجل وضع حد للجائحة على أراضيها، وفضلت الهند تلقيح سكانها أولًا، إلا أنها لم تلقح حتى الآن سوى 2% من قاطنيها البالغ عددهم 1.4 مليار نسمة، ما يعطل جهود التلقيح المتعثرة سلفًا في الدول النامية!

كلمة السر «أسترازينيكا»: أزمة الهند تطل برأسها على العالم النامي والفقير!

قبل أسابيع قليلة فقط، كانت الهند مُصدِّرًا رئيسيًّا للقاح أسترازينيكا، وكانت تستخدم ذلك لممارسة نفوذها في جنوب آسيا وحول العالم بما يُعرف بـ«دبلوماسية اللقاح»، وبالفعل تلقت أكثر من 70 دولة اللقاح المصنوع في الهند، بإجمالي 66 مليون جرعة منذ يناير (كانون الثاني) الماضي.

وبعد أن قررت الهند تجميد صادراتها من لقاحات أسترازينيكا، بسبب حاجتها الماسة إلى كل الجرعات، يمكن القول إن حملات التطعيم في العديد من البلدان – من بينها المغرب والبرازيل ومصر – التي تعتمد بنسبة كبيرة على لقاح أسترازينيكا، قد تشهد انتكاسة.

ريادة أعمال

منذ 6 شهور
تُنتج ملايين الجرعات من أمصال كورونا.. كيف نجحت الهند في أن تصبح «صيدلية العالم»؟

كما أن «مبادرة كوفاكس» المدعومة من منظمة الصحة العالمية، والتي من المفترض أنها ستنقذ الدول الفقيرة من الجائحة؛ باتت مهملة طالما أن غالبية إمدادات كوفاكس تُنتج بمصانع الهند.

وحتى كتابة هذا التقرير، لم يعلن المسؤولون الهنود أي معلومات، بشأن موعد استئناف تصدير جرعات لقاح أسترازينيكا إلى البلدان الأخرى، ويُرَجح أوليفييه ووترز، أستاذ السياسة الصحية في كلية لندن للاقتصاد، بأنه وبسبب الوضع السيئ في الهند، «من المحتمل أن يتأخر تصدير اللقاحات الكافية إلى الدول الفقيرة حتى عام 2023 أو 2024».

في حين يتوقع الرئيس التنفيذي لمعهد سيروم، عملاق اللقاحات الهندي والمكلف بتصنيع أسترازينيكا، أن «تُستأنف إمدادات اللقاح بعد شهر يوليو (تموز) القادم»، مُصرحًا لصحيفة «فاينانشيال تايمز»، بأن شركته «تعتزم زيادة طاقة إنتاج اللقاح من حوالي 60 مليون إلى 100 مليون جرعة شهريًّا».

وكان مدير عملاق اللقاحات، إدار بوناوالا، قد عبَّر في تغريدة عن أسفه لتأجيل إيصال شحنات اللقاح إلى دول العالم النامي والفقير، بتوجيهات من الحكومة الهندية، مؤكدًا أنهم يبذلون قصارى جهدهم.

على جانب آخر، يهدد أيضًا التفشي الخارج عن السيطرة في الهند المكتظة بالسكان بإطالة أمد الوباء، من خلال السماح لمتغيرات فيروسية أكثر خطورة بالتحول والانتشار، وربما التهرب من نجاعة اللقاحات، كما حصل مع السلالة البريطانية، التي هي أكثر عدوى بنسبة 60% وأكثر فتكًا من الشكل الأصلي للفيروس.

ويبدو أن علماء الفيروسات غير متأكدين مما يقود الموجة الوبائية القاسية بالهند، فقد أشار البعض إلى أن هناك سلالة محلية جديدة وراء الانفجار الوبائي، بينما يقول الباحثون الغربيون إن البيانات المحدودة تشير إلى أن السلالة البريطانية قد تكون السبب.

و«كلما طال انتشار الفيروس التاجي وسط كتلة كبير من السكان، زادت فرص تحوره؛ ما قد يؤدي لظهور سلالات فيروسية أشد فتكًا، وربما مقاومة للقاح»، كما يقول الدكتور مايكل دياموند، اختصاصي المناعة الفيروسية بجامعة واشنطن، الأمر الذي قد ينسف جهود العالم في محاربة الجائحة طوال عام ونصف!

أسترازينيكا خارج نطاق التصدير.. ما الحلول المتبقية للدول الفقيرة؟

لوقف آثار الوباء الكارثية أو على الأقل التخفيف من حدته، لا يوجد سوى طريقتين مثبتتين. الأولى إستراتيجية الحماية التي تنبني على إجراءات الحجر الصحي والتعقب الصارم للحالات المحتملة، والأخرى هي التطعيم الشامل والسريع.

بالنسبة للحل الأول، لا يمكن أن يستمر طويلًا، خاصة بالنسبة للدول النامية والفقيرة التي عانت بما فيه الكفاية من تداعيات الإغلاق، وما نجم عنه من آثار اقتصادية واجتماعية ونفسية مدمرة، وفي الوقت ذاته لا يليق إلغاء إجراءات الحجر كاملة، لتجنب السقوط في السيناريو الهندي، الذي هو «عبرة تحذيرية للبلدان الأخرى، مفادها أننا إذا فتحنا البلاد كاملة فقد يحدث هذا لنا»، على حد قول الباحث الهندي سوميت تشاندا.

Embed from Getty Images

ومن جهة أخرى، لا يبدو التطعيم الشامل متاحًا لمعظم البلدان الفقيرة والنامية، بعد أن استولت الدول الغنية على معظم سلة اللقاحات العالمية المتاحة من شركات اللقاح، واشترت العديد من الدول أضعاف الكمية التي يحتاجها مواطنوها بالفعل، ما قد يفسر تسارع وتيرة التطعيم في غالبية البلدان الغنية، بينما على جانب آخر، هناك بلدان لم تلقح حتى 1% من ساكنتها.

ولذلك كانت معظم الدول الفقيرة والنامية تعتمد على نيودلهي في تزويدها بلقاح أسترازينيكا، الذي تصنعه الهند بغزارة وتكلفة رخيصة، بيد أن الأمر تغير الآن من جراء تأزم الوضع الصحي بالبلد، وتوقف إمداد الدول حول العالم باللقاحات، لتجد العديد من البلدان النامية نفسها أمام مواجهة مصيرية مع الجائحة بدون لقاح.

فيما تسعى دول أخرى لإيجاد مصادر أخرى بديلة للقاح أسترازينيكا، وتحديدًا لقاحي سبوتنيك الروسي، وسينوفارم الصيني، ومع ذلك ستجد صعوبة في الحصول على كميات كبيرة منه، نظرًا إلى تحكم الدول الأصلية باللقاحات التي تنتج على أراضيها، في خضم الحاجة المتزايدة للموارد الدوائية المحدودة.

هذا يعني أن البلدان الفقيرة خاصة، مقبلة على فترة صعبة في الشهور القادمة، عنوانها مزيد من إجراءات الحجر الصحي القاسية وتزايد حالات الإصابة والوفاة، في ظل تعثر وصول لقاح أسترازينيكا، ريثما تتشافى الهند من محنتها الوبائية.

ولحسن الحظ فإن هناك حاليًا جهود عالمية من أجل مساعدة نيودلهي على تطعيم سكانها سريعًا، والعودة مجددًا للعب دورها الحيوي في تلقيح العالم الفقير… إذ جرى إمدادها بملايين الجرعات الإضافية، علاوة على المعدات الطبية والأكسجين.

فقد صرَّحت إدارة بايدن يوم الأحد الماضي بأنها ستزود سريعًا مصانع اللقاحات في الهند بالمواد الأساسية، وأنها سترسل أجهزة تهوية ومعدات حماية شخصية وإمدادات متعلقة بالأكسجين والأدوية العلاجية إلى الهند. وقال بايدن إنه تحدث مع رئيس الوزراء الهندي، ناريندرا مودي، بشأن مشاركة جرعات اللقاح خلال مكالمة هاتفية يوم الأحد، ومتعهدًا بدعم جهود الهند للتغلب على انتشار الفيروس المتصاعد.

كما أعلن البيت الأبيض يوم الاثنين أن الولايات المتحدة ستشارك ما يصل إلى 60 مليون جرعة من لقاح أكسفورد-أسترازينيكا لفيروس كورونا مع دول أخرى حول العالم بعد أن يخضعوا لفحص السلامة – وهي عملية قد تستغرق أسابيع أو شهور.

وعلى حد قول الدكتور دايموند فإنه من أجل وقف هذا الوباء وتحييد خطر تحوره أو سحقه للعالم الفقير، «فعلينا تطعيم العالم بأسره؛ إذ ستكون هناك موجات جديدة من العدوى مرارًا وتكرارًا، ما لم نقم بالتطعيم على نطاق عالمي»، الأمر الذي يجعل من توقف «صيدلية العالم» عن العمل، عقبة كبرى في طريق القضاء على الفيروس التاجي القاتل!

صحة

منذ 3 شهور
«واشنطن بوست»: كيف وصل وضع كورونا في الهند إلى هذا السوء؟ 5 أسئلة تشرح لك

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد