في 21 نوفمبر (تشرين الثاني) الجاري، وجه المدّعي العام الإسرائيلي الاتهام رسميًا إلى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في ثلاث قضايا منفصلة؛ الرشوة والاحتيال وخيانة الأمانة. وهي التهم التي قابلها رئيس الوزراء الأطول حكمًا في إسرائيل (13 عامًا) بالإنكار التام، معتبرًا إياها نوعًا من الانقلاب عليه.

ولا تعد هذه السابقة الأولى في تاريخ إسرائيل؛ فقد أعاد هذا الاتهام إلى الأذهان مشهد رئيس الوزراء السابق إيهود أولمرت وهو في قفص الاتهام بعد إدانته في قضايا فساد تم التحقيق في بعضها بينما كان يشغل منصب رئيس الوزراء بصفة رسمية.F

وبالنظر إلى قائمة قضايا محاكمة الرؤساء في العالم أو التحقيق معهم خلال شغلهم مناصبهم، تبرز العديد من الدول التي حاسبت رؤسائها وهم في السلطة بينما يختفي تمامًا تواجد أي دولة عربية حاكمت رئيسًا أو رئيس وزراء خلال وجوده في منصبه.

التقرير التالي يسلط الضوء على أبرز هذه الوقائع خلال آخر عقدين من الزمان.

أيهما أقرب لمصير نتنياهو.. السجن أم كرسي الرئاسة؟

إسرائيل.. صوت القضاء يعلو فوق صوت المعركة

بالرغم من أن عمر دولة إسرائيل يبلغ حوالي 70 عامًا، إلا أنها تزخر بالعديد من قضايا الفساد والتحرش الجنسي التي هزت الرأي العام وأدت إلى فضائح سياسية لمسؤولين بارزين فيها، الأمر الذي هدد المستقبل السياسي للبعض منهم وتدميره بالكامل للبعض الآخر. يظهر هذا الأمر جليًا في آخر 20 سنة إذ شهدت اتهام ومحاكمة ثلاثة مسؤولين بارزين منهم رئيس واثنان من رؤساء الوزراء.

1- موشى كتساف.. تهم تحرش واغتصاب أدخلته خلف القضبان

بينما كانت الحرب في لبنان في يوليو (تموز) عام 2006 تشهد ذروتها؛ كانت الشرطة الإسرائيلية تفتح تحقيقًا موسعًا مع الرئيس الإسرائيلي آنذاك، موشى كتساف، بتهمة اغتصاب والتحرش بخمس نساء عملن معه عندما كان وزيرًا للسياحة في التسعينيات.

 

انتهت التحقيقات إلى إدانة كتساف وفي عام 2007 أُجبر على الاستقالة على خلفية تلك القضية بعد أن بدأ الكنيست إجراءات عزله، لكنها توقفت لطول المدة القانونية المطلوبة لعزله ولقرب انتهاء مدته بالفعل. في أواخر عام 2010 تم الحكم رسميًا على كتساف بالسجن سبعة أعوام بتهمة الاغتصاب والتحرش بامرأتين وعرقلة سير التحقيقات وقضى في السجن خمسة أعوام إلى أن أفرج عنه عام 2016.

2- إيهود أولمرت.. فساد في وقت الحرب

بينما كانت إسرائيل تشن غاراتها على قطاع غزة في أواخر عام 2008 بما أسمته عملية «الرصاص المصبوب»، كانت تجري خلف الكواليس تحقيقات مع رئيس الوزراء إيهود أولمرت بتهم فساد قام بها أثناء رئاسته لبلدية القدس في الفترة من 1993 إلى 2003.

لاحقًا استقال أولمرت على خلفية تلك الاتهامات، وفي عام 2014 تم الحكم عليه رسميًا بالسجن ست سنوات وغرامة مليون شيكل وأُفرج عنه مبكرًا فيما بعد.

3- نتنياهو.. فساد قد يقضي على مستقبله

بعد توجيه الاتهام رسميًا إلى رئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو بالفساد والرشوة، تم تكليف الكنيست من قبل الرئيس الإسرائيلي بتسمية مرشح لرئاسة الوزراء لتجنب انتخابات مبكرة.

وفي الوقت الذي شكلت الاتهامات ضربة قاضية بحسب المراقبين لمستقبل نتنياهو؛ إلا أنها تكشف عن شراسة النظام القضائي الذي لا يستثني أحدًا من المحاسبة فيما يتعلق بالفساد أو استغلال النفوذ.

جدير بالذكر أن جميع الاتهامات لم تشمل أية جرائم حرب أو قتل جماعي ارتُكِبت ضد الفلسطينيين أو اللبنانيين، وجاءت بعد أقل من أسبوع على مواجهات عنيفة بين إسرائيل والفلسطينيين في قطاع غزة، وهو الأمر نفسه الذي تكرر في التحقيق مع أولمرت أثناء العدوان على غزة وكتساف أثناء الحرب على لبنان، ولم يستطع أيٌ منهم الإفلات من هذه التهم بذريعة الحرب الدائرة أثناء التحقيق.

أوروبا.. الفساد وسوء الحكم أطاحا أكثر من 10 حكّام في آخر 20 عامًا

يعتقد الكثيرون أن الدول الأوروبية تكاد تخلو من الفساد لكن بالنظر عن كثب لا تبدو الصورة بهذه الوردية إذ شهدت القارة العجوز في آخر 20 عامًا فقط، استقالة أو إقالة نحو 10 رؤساء دول وحكومات على خلفية تهم فساد ورشوة واستغلال نفوذ.

1- إيطاليا.. بيرلسكوني الذي أمضى عمره في المحاكم

لا يوجد رئيس وزراء تولى حكم إيطاليا منذ الحرب العالمية الثانية مدة أطول من تلك التي قضاها سيلفيو بيرلسكوني والتي بلغت 10 سنوات، ولا يوجد رئيس وزراء في تاريخ إيطاليا مثُل أمام المحاكمة كما مثُل بيرلسكوني.

على مدار 20 عامًا من المناصب السياسية والحزبية قال بيرلسكوني إنه مثل أمام القضاء 2500 مرة في 106 قضية. ولم تتم إدانته بشكل نهائي سوى في واحدة كان التحقيق فيها قد بدأ عام 2011 ما اضطره إلى تقديم استقالته من رئاسة الوزراء وتم الحكم عليه في 2013 بالسجن وعدم الأهلّية للمناصب العامة، الأمر الذي أدّى إلى طرده من مجلس الشيوخ وأنهى حياته السياسية بعد نحو 20 عامًا من الصراعات والائتلافات وإثارة الجدل.

2- ألمانيا.. قرضٌ واحد كلف الرئيس منصبه

في عام 2012 قدّم الرئيس الألماني، كريستيان وولف، استقالته من منصبه بعد طلب الادعاء رفع الحصانة عنه لاشتباهه بحصوله على قرض منخفض الفائدة بقيمة 500 ألف يورو من صديق ثري له.

اعتبر الادعاء العام الألماني أن استغلال الرئيس لعلاقته مع صديقه والحصول على قرض منخفض الفائدة فيه إخلال بالواجب وعليه طلب رفع الحصانة، قبل ذلك كان الرئيس قد حاول منع صحيفة «بيلد» من نشر التقرير الخاص بالقرض في بادئ الأمر، وحين تداعت الاتهامات عليه قدّم اعتذارًا لصحيفة ومعها قدّم استقالته من رئاسة البلاد.

3- سلوفاكيا.. صحافي واحد يطيح رئيس الوزراء ووزير الداخلية وقائد الشرطة

يان كوتشياك، صحافي استقصائي سلوفاكي نشر تحقيقات خطيرة عن اتصالات بين سياسيين سلوفاكيين والمافيا الإيطالية بغية تنفيذ العديد من جرائم الفساد. بعد نشر التحقيقات تفاجأ السلوفاكيون بالعثور على جثتي الصحفي وخطيبته بعد قتلهما بالرصاص في منزله، سنة 2018.

اندلعت احتجاجات عنيفة من أطياف الشعب على مقتل كوتشياك وخطيبته أدّت في النهاية إلى استقالة رئيس الوزراء روبرت فيكو ووزير الداخلية وقائد الشرطة أيضًا.

4- إسبانيا و«سيئة» الحزب الحاكم التي طالت رئيس الحكومة

قام البرلمان الإسباني عام 2018 بسحب الثقة من رئيس الحكومة ماريانو راخوي على خلفية تهم فساد لاحقت العديد من رجال الحزب الحاكم الذي يترأسه.

راخوي كان يحكم البلاد منذ 2011 لكن نتيجة تحقيقات استمرت سنين طويلة أفضت إلى اتهام بعض رجال حزبه بالفساد وصدور أحكام بالسجن على قادة سابقين وحاليين في حزبه أدت لاحقًا إلى حجب الثقة عنه واعترافه بهزيمته مهنئًا رئيس الحكومة الجديد الذي حلّ محلّه.

5- سلوفينيا.. التهرب من نشر الذمة الضريبية يطيح رئيس الوزراء

في عام 2013 صوّت البرلمان السلوفيني على الإطاحة برئيس الوزراء يانز يانسا بعد شكوك طالت ذمته الضربية واتهامات قديمة تتمحور بتلقي رِشى تتعلق بصفقات أسلحة.

القارة العجوز تطارد الفاسدين

في آخر 20 عامًا تمت محاكمة أو التحقيق مع أو الإطاحة بما يزيد عن 10 رؤساء ورؤساء وزراء في مختلف دول أوروبا بتهم متنوعة تتعلق بالفساد والرشوة واستغلال المنصب، هذا بالإضافة إلى الكثيرين من الوزراء والمسؤولين وأصحاب المناصب العليا في البلاد. الأمر الذي جعل من القارة كابوسًا حقيقيًا للفاسدين من أصحاب السلطة والنفوذ.

أكثر من رئيس وزراء أطيح به

 

«لم يحاكم أحد».. الدول العربية: صفر

بالبحث في قائمة رؤساء الدول أو الحكومات العربية الذين تم التحقيق معهم بتهم فساد أو استغلال نفوذ أثناء فترة حكمهم تبين أنه لا يوجد تقريبًا أي رئيس عربي تمت محاكمته في منصبه.

محاكمة الرؤساء خلال فترة حكمهم

وبالرغم من إدانة القضاء اللاحقة لبعض الرؤساء رسميًا باستغلال نفوذهم والفساد والتربح غير المشروع مثل الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك، والتونسي زين العابدين بن علي، والسوداني عمر البشير الذي يُحاكم الآن بتهم الفساد المالي بعد عزله، إلا أنه لم تجري أية تحقيقات مع كل هؤلاء المذكورين أو رؤساء حكوماتهم أثناء فترة حكمهم، وقبل خروج تظاهرات عارمة من الشعوب، تطالب بإسقاطهم.

«الجارديان»: محاكمة البشير ستكون مسرحية.. وهذا ما ينتظر الثورة!

المصادر

تحميل المزيد