صدم خبر اغتيال الولايات المتحدة للجنرال قاسم سليماني، قائد قوة القدس التابعة للحرس الثوري الإيراني، في غارة جوية بالقرب من مطار بغداد في الثالث من يناير (كانون الثاني) الجاري، الجميع داخل إيران وخارجها.

فلم يكن أحد يتخيل أن تكون نهاية «قائد» الجمهورية الإسلامية التي طالما استثمرت كل الأدوات للدعاية له، بهذه الطريقة وعلى يد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي منذ توليه إدارة الولايات المتحدة، وهو يشن حملة ضغط قصوى على المؤسسة الإيرانية، تارة بالانسحاب من الاتفاق النووي الذي وُقِع عام 2015، وتارة أخرى بحرمان البلاد من عائداتها النفطية، التي تمثل شريان الاقتصاد الإيراني.

قبل اغتيال قاسم سليماني بيوم واحد فقط، انقسمت تغطية الصحف الإيرانية إلى نوعين، الأول كانت تتحدث عن تأكيد المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي عدم رغبته في الدخول في حرب مع الولايات المتحدة، والثاني، طرحت فكرة رغبة الرئيس حسن روحاني بالتفاوض مرة أخرى مع الولايات المتحدة، لكن «بشروط».

تاريخ

منذ 7 شهور
منها الحرب العالمية الأولى.. 3 حروب كبيرة اشتعلت بمقتل رجل واحد

كانت المؤسسة السياسية الإيرانية تحاول تهدئة الأمور المتأججة في الداخل بعد موجة من الاحتجاجات الكبيرة التي لم تشهدها الجمهورية الإسلامية منذ تأسيسها عام 1979، في منتصف نوفمبر (تشرين الثاني) 2019 اعتراضًا على رفع الحكومة لأسعار البنزين ثلاثة اضعاف.

وكان هناك ميل من الحكومة إلى احتواء الأوضاع بعد حملة القمع العنيفة التي قضت على الاحتجاجات التي انتشرت في 29 مدينة من أصل 31، وخلفت وراءها المئات من القتلى، وآلاف المعتقلين. لكن قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب باغتيال قاسم سليماني، جاء ليقلب الموازين داخل إيران.

«الشهيد» قاسم سليماني أخطر من الجنرال قاسم سليماني

بعد مقتل قاسم سليماني، سميت العديد من المطارات والشوارع باسمه، أذاع التلفزيون الإيراني الرسمي، بكاء وصرخات المسئولين وعينة من الإيرانيين في نشرات الأخبار والفواصل باستمرار، كان الجو مشحونًا بالعواطف والحزن، فلا يستطيع أحد إنكار أن سليماني قد حظي بشعبية كبرى وسط بعض القطاعات من الشعب الإيراني لعدة أسباب، لسنا بصدد الحديث عنها هنا.

في وسط حالة الحداد، ونزول الآلاف لتشييع جثمان القائد، وسيطرة نبرة ضرورة الانتقام القاسي، والأخذ بثأر سليماني؛ أصبحت الأجواء مشحونة بالتوتر والعدوانية تجاه أي صوت معتدل، ينادي بالتعقل وعدم الاندفاع وراء العواطف.

على سبيل المثال، اعتُقل رئيس تحرير موقع «خبر آنلاين»، لاستخدام كلمة مقتل بدلًا من «استشهاد» قاسم سليماني. في مكان آخر في مدينة أصفهان أصدر المدعي العام للمدينة أمر اعتقال لعدد من الأشخاص انتقدوا دور قاسم سليماني في سوريا، على حساباتهم الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعي، والتهمة كانت «إهانة الشهيد قاسم سليماني».

هذه النبرة العدائية دفعت البعض في التفكير في أن الضغط على المؤسسة السياسية في طهران للرد على مقتل قاسم سليماني من الممكن أن يزج بالبلاد في حرب مفتوحة مع الولايات المتحدة، وبدأوا في التعبير عن ضرورة الهدوء والابتعاد عن شعارات الانتقام قليلًا. النائب البرلماني الإصلاحي شهاب الدين بيمقدار، كان أحد هؤلاء الخائفين من نشوب حرب، فكتب تغريدة على حسابه الشخصي على موقع «تويتر» (أزيلت فيما بعد)، يدعو إلى التريث والتفكير في التفاوض مرة أخرى مع الولايات المتحدة بدلًا من الانتقام، فاستيقظ في صباح اليوم التالي، ليجد مجموعة من الغاضبين قد كتبوا على جدران منزله شعارات «الموت للمنافقين، واللعنة على التفاوض».

لكن من الواضح أن قرار دونالد ترامب باغتيال قائد فيلق القدس، سيقضي تدريجيًّا على أي صوت إصلاحي، عقلاني يدعو إلى السلام مع الغرب، وإعادة التفكير في التفاوض مرة ثانية مع الولايات المتحدة. وسيخلو المجال للأصوات المتشددة المعادية لكل ما هو غربي، والمناهضة لأي حديث عن فرضية إعادة التفاوض مرة أخرى، والتوصل إلى اتفاق نووي جديد يضمن لإيران الخروج من تلك العزلة الاقتصادية التي وضعت البلاد على حافة الانهيار.

مشاعر القومية الإيرانية ومعاداة الإمبريالية الأمريكية.. ترتفع

قبل اغتيال الجنرال قاسم سليماني، كان النظام الإيراني يتعرض لموجة احتجاجات عنيفة تهدد استقراره، ففي الاحتجاجات الأخيرة هتف المتظاهرون بالموت ضد المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي، والرئيس حسن روحاني، وبعد حوالي ثلاثة أيام من اندلاع الاحتجاجات طالب المحتجون بإسقاط النظام الذي يسيطر عليه رجال الدين.

لكن قاسم سليماني تمكن من إنقاذ النظام الإيراني بوفاته تلك المرة، إذ لم تتوقع المؤسسة السياسية حشود الإيرانيين الذين خرجوا لتشييع قائد فيلق القدس، فاستغلت تلك المشاهد إثارة المشاعر القومية، التي كانت قد بدأت في الذوبان وسط الأوضاع المتدهورة للبلاد.

اغتيال سليماني

يقول الباحث السياسي اليساري الإيراني المقيم في نيويورك عبدي كلانتري لـ«ساسة بوست»، «إن السياسية الإيرانية الداخلية ترتكز إلى القومية، وأفكار معاداة الاستكبار الغربي كأداة لحماية النظام، وساعد اغتيال سليماني، في إحياء تلك الأفكار مرة أخرى، بغض النظر عن دور سليماني الخبيث في المنطقة» على حد تعبيره.

فمنذ أن اتخذت إدارة ترامب نهجًا متشددًا تجاه طهران، حذر المراقبون والمحللون من أن هذا النهج سيؤدي إلى زيادة كراهية الشعب الإيراني للولايات المتحدة، ولن يحقق الغرض منه بتغيير النظام في إيران، أو على أقل تقدير عدوله عن أيديولوجيته.

وعلى ما يبدو أن هذه التوقعات قد ثبت صحتها، فقبل المفاوضات النووية الإيرانية مع الغرب، كان الشعب الإيراني يلقى باللوم على نظامه الذي رأى أنه السبب في عزلتهم الاقتصادية، وعزلهم عن العالم الخارجي، وتدهور حالتهم الاقتصادية.

لكن الأمر اختلف بعد تولي حسن روحاني المعتدل الإدارة الإيرانية، وحماسته لإنجاز المفاوضات التي أفضت في النهاية إلى الاتفاق النووي عام 2015. لكن قبل أن يشعر الإيرانيون بمزايا الصفقة النووية، جاء ترامب لسحب بساط الأحلام من تحت أقدام الشعب الإيراني، وجعلهم يعاصرون أسوأ أيام الجمهورية الإسلامية منذ تأسيسها.

والآن بقرار اغتيال قاسم سليماني، سلب ترامب من الإيرانيين إحساسهم بالأمان، والخوف من الوقوع في حرب جديدة لا يستطيع أحد تحمل تكلفتها، وبعد أن كان هناك من يعارض شعارات مثل «الموت لأمريكا»، أعاد الإيرانيون التفكير في كلام قادتهم عن أن العدو والشيطان الأكبر، الذي يقف في طريق سعادتهم، هي الولايات المتحدة بالفعل.

ومن ناحية أخرى، فالنظام الإيراني يتعرض لأسوأ فتراته، لديه عقوبات اقتصادية خانقة، وحُرم من أموال النفط، وفقد دعم الحلفاء الغربيين إلى حد ما، ويهتف المتظاهرون في لبنان والعراق ضد هيمنته على بلادهم. ناهيك عن الاحتجاجات الداخلية التي مهما طال الوقت لا بد أن تطفو على السطح مرة أخرى.

فكما أصاب اغتيال قاسم سليماني النظام الإيراني بضربة قوية وخسارة لن يتمكن من تعويضها على الأقل في المستقبل القريب؛ وجد أيضًا فرصة ذهبية في تحويل هذه الضربة إلى نقطة إيجابية لصالحه من خلال إثارة مشاعر القومية، وحشد الجماهير حول العالم لمقاومة العدو، ووضع غطاء مؤقت على مطالب الشعب بتحسين أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية.

لا مكان للمطالبة بالحقوق.. كلنا الآن ضد «العدو»

منذ أن أعادت الولايات المتحدة فرض العقوبات الاقتصادية المشددة على طهران، وانهيار العملة المحلية، مر الإيرانيون بفترات صعبة للغاية فمرة ترتفع أسعار اللحوم الحمراء والدواجن، ليصطفوا أمام الجمعيات الاستهلاكية على أمل الحصول على بعض جرامات من اللحوم المدعومة من الحكومة. وفي بعض الأوقات، يعاني الآباء والأمهات من البحث عن حفاضات لأبنائهم حديثي الولادة، وعلى الناحية الأخرى كان هناك عائلات تعاني من نقص أدوية السرطان والأمراض المزمنة، ثم تلقوا الطامة الكبرى أواخر العام المنصرم، بزيادة كبيرة في أسعار الوقود يترتب عليها زيادة في أسعار السلع الأساسية.

وبينما كان الرئيس حسن روحاني يكافح من أجل إقرار موازنة العام الجديد، بدون الاعتماد على صادرات النفط التي حرمت منها الجمهورية الإسلامية في إيران بسبب العقوبات، جاء اغتيال قاسم سليماني ليزيد الطين بلة.

وانطلاقًا من مبدأ «لا صوت يعلو فوق صوت المعركة»، أصدر البرلمان الإيراني قرارًا بتخصيص مبلغ إضافي قدره 223 مليون دولار لفيلق القدس، لمساعدته في مواجهة عدوان الولايات المتحدة على إيران، ولتمكينه من حملته لإخراج القوات الأمريكية من المنطقة.

يرى الكاتب والباحث عبدي كلانترى أن إجراءات تحويل اهتمام النظام بالمؤسسات العسكرية والأمنية أكثر من أي وقت مضى، هو أمر طبيعي في مثل تلك الظروف، فيقول لـ«ساسة بوست» إن «اغتيال سليماني سيساعد النظام في الدعاية للتضامن الوطني، مما سيؤدي إلى تقوية المؤسسات العسكرية وتهميش المطالب الاجتماعية، وخنق المجال السياسي، والحركات المدنية، ببساطة سيكون الرد على أي مطالب بأننا في حالة تأهب لأي عدوان خارجي».

الانتخابات البرلمانية المقبلة.. المعركة الأكبر

بعد إعلان الولايات المتحدة اغتيال قاسم سليماني، سارعت جميع النخبة السياسية الإصلاحية للتنديد بالأمر، وإعلان تعازيهم، حتى أولئك الذين طالما كانوا معارضين لتدخل فيلق القدس في المنطقة، وانتقدوا أكثر من مرة السياسية الخارجية للجمهورية الإسلامية.

بدأت شعبية التيار الإصلاحي في إيران في الانهيار، منذ عام 2017 تقريبًا، عندما هتف المتظاهرون في العام نفسه ضدهم، وفي وقت سابق صرح الرئيس الإصلاحي السابق محمد خاتمي أنه لا يتوقع أن يصوت الناس لصالح الإصلاحيين سواء في الانتخابات البرلمانية في فبراير (شباط) 2020، أو الرئاسية في 2021.

بعد انسحاب الولايات المتحدة من الصفقة النووية مع إيران، بدأت الأصوات المحافظة والمتشددة في إلقاء اللوم على الإصلاحيين الذين طالبوا بالتفاوض مع الغرب، واتباع سياسية السلام مع الولايات المتحدة، وأظهر التيار المحافظ نوعًا من الشماتة تجاه الإصلاحيين، وكان لسان حالهم يقول «انظروا، كيف خدعتكم أمريكا، قلنا لكم مرارًا وتكرارًا لا يمكننا الوثوق في الولايات المتحدة».

فقبل عامين من ضرب ترامب للاتفاق النووي في مقتل، بالتحديد في عام 2016، نجح الإصلاحيون بالفوز بأغلبية المقاعد في البرلمان الإيراني، مستغلين نجاح الرئيس روحاني المعتدل في إبرام اتفاق نووي، وبدء مرحلة جديدة من التفاؤل.

أقبل الإيرانيون على الانتخابات البرلمانية وبعدها الرئاسية عام 2017، محملين بالأمل نفسه، لكن فجأة تحولت تلك الآمال إلى سخط شديد على النواب الإصلاحيين الذين انشغلوا بعقد التحالفات داخل البرلمان مع المعتدلين، ونسيان مهمتهم الأساسية.

مر التيار الإصلاحي في السنوات الأخيرة بأزمات شديدة من انقسامات، وتحالفات خاسرة، أدت به في النهاية لإعلان أنه من المحتمل ألا يخوض الانتخابات البرلمانية المقبلة لعام 2020.

جاء اغتيال قاسم سليماني قبل شهر واحد من بدء الانتخابات البرلمانية، وأصبح اغتياله فرصة ذهبية أخرى أمام التيار المحافظ لكسب الانتخابات دون أي مجهود. فالبلاد الآن تحتاج إلى قوة ثورية في البرلمان، تستطيع أن تقف أمام الاستكبار الأمريكي، وتحقق الثأر لقائد فيلق القدس، بحسب وجهة نظر التيار المحافظ.

قبل اغتيال سليماني بأسابيع، كان التيار المحافظ يعاني من ارتباك صفوفه في التحضير للانتخابات البرلمانية، ونادرًا ما حدث ذلك، يقول الباحث السياسي المحسوب على التيار الإصلاحي على رضا قاسمي لـ«ساسة بوست»، أنه: «قبل اغتيال سليماني، كان الإصلاحيون يحاولون السيطرة على بعض الأمور، وإعادة ترتيب أنفسهم لخوض الانتخابات موقنين أنهم لن يحصدوا الكثير، لكن الآن بعد اغتيال سليماني، بالتأكيد هم الخاسر الأكبر».

في حقيقة الأمر ليس فقط اغتيال سليماني الذي سيؤثر في فرص نجاح الإصلاحيين في الانتخابات البرلمانية الشهر المقبل، ولكن العقبة الأكبر أمامهم هي عزوف الناخبين عن التصويت. فقد أظهر استطلاع رأي حديث أنه من المتوقع أن يشارك 21% فقط في التصويت في الانتخابات في مدينة طهران، في حين وصلت نسبة التصويت في طهران في الانتخابات البرلمانية السابقة 2016 إلى 50%.

وعطفًا على ما سبق يرى قاسمي، أن التيار المحافظ لا يحتاج الآن مجهود لكسب تلك الانتخابات أمام الإصلاحيين، فـ«بأقل مجهود يستطيع المحافظون الآن السيطرة على البرلمان».

دولي

منذ 7 شهور
هؤلاء ورطهم ترامب في مغامرته باغتيال سليماني.. من سيدفع الثمن؟

المصادر

تحميل المزيد