نشر موقع جادة إيران قراءة تحليلية مطولة تحت عنوان «أين ستتجه أولى نظرات السياسة الخارجية للرئيس إبراهيم رئيسي؟!» والذي كتبه ياسر أرشادمنش، ويحاول فيه تحليل الملفات التي ستشغل أولوية العمل بالنسبة للرئيس الإيراني الجديد في السياسة الخارجية. وفيما يلي نص المادة:

السياسة الخارجية هي إطار واضح تتحرك الدول في داخله خلال مواجهة الظروف والشؤون المتعلقة بما يقع خارج حدودها من أجل الدفاع عن سيادتها وعن وجودها والحفاظ على مصالحها. وتحوز السياسة الخارجية للدول أهمية كبيرة على الصعيد الدولي. وتتصرف الدول في المجتمع الدولي ضمن سياق السياسات التي تتخذها بما يضمن مصالحها الوطنية بأفضل شكل ممكن. فالنظام الدولي يتضمن جميع ممارسات الدول. ومن الطبيعي أن الدول المهمة وذات النفوذ الكبير تؤثر في النظام الدولي أكثر من غيرها، كما أنها تتأثر به أكثر.

تُدرس أهداف الدول ومصالحها ضمن إطار السياسة الخارجية. والسياسة الخارجية للحكومة الإيرانية المنتخبة الجديدة، هي وكما يراها ابراهيم رئيسي، انتهاج السياسات العامة لمؤسس الجمهورية في إيران، سماحة الإمام الخميني، ودستور الجمهورية الإسلامية الإيرانية. «لا شرقية، لا غربية» (التعاون والعمل المشترك مع الدول الأخرى من دون الخضوع لسلطتهم) ويؤكد أن أهم مبدأ في العلاقات الخارجية الإيرانية هو الدفاع عن هوية النظام الإسلامي والتأكيد على المبادئ والقيم الثلاثة الأساسية (العزة، الحكمة، المصالح) وهي ترسم المثلث الذي يعتبره نظام الجمهورية الإسلامية مُلزمًا في إطار العلاقات الدولية.

السياسة الخارجية مُتممة للسياسة الداخلية، ولها دور كبير في الأهداف التنموية والاستقرار السياسي في البلاد، بناء على ذلك فمن المفترض أن تتمكن الرؤية الواقعية والعلمية للحكومة المنتخبة من استثمار الفرص والعمل بذكاء من أجل تحويل التهديدات إلى فرص.

أولويات الحكومة الإيرانية المنتخبة الثالثة عشر في إيران في مجال السياسة الخارجية كما يستشف من مواقف كل رئيسها والفريق العامل حوله تتمثل في تقليل تأثير العقوبات الدائمة التي تفرضها الولايات المتحدة على البلاد، إلى جانب منع انهيار الاتفاق النووي.

الأولوية الأخرى للحكومة الجديدة، وبالنظر إلى التجارب التي مرت بها البلاد خلال ثماني سنوات من حكم الرئيس حسن روحاني، ستكون تعزيز العلاقات مع الجيران في الشرق وتعزيز التقارب مع الصين وروسيا، وحتى ربما الهند، إلى درجة لا تستفز أمريكا، وستتخذ الحكومة الجديدة في التعاون الإقليمي والدولي مقاربة تهدف لزيادة التحرك الإيراني نحو الشرق. وهنا يجدر بنا أن نشير إلى أن إيران تصدر في كل عام ما بين 2 إلى 3 مليار دولار من المنتجات غير النفطية إلى جارتها المنكوبة بالحرب، أفغانستان، في حين أن صادرات إيران إلى أوروبا أقل من مليار دولار. مع ذلك فإن الحكومة الجديدة ستحتاج إلى اتخاذ إستراتيجية النشاط الفعال من أجل حل المشاكل، وتحتاج إلى أن تكون الدبلوماسية الاقتصادية منارة لحركة السياسة الخارجية.

خلال شرح الخطة المستقبلية، أكد الرئيس المتتخب إبراهيم رئيسي على تعزيز الدبلوماسية الاقتصادية وزيادة دورها، قائلًا: «في مجال إزالة العقوبات يجب أن نقول إن أي حكومة تمسك بزمام الأمور، يجب أن يكون إلغاء العقوبات الظالمة من واجباتها، ويجب أن تتابع هذا الموضوع بكل قوة. إلى جانب ذلك يجب أن تعمل على تحييد آثار العقوبات وألا تسمح بربط الاقتصاد بالأمور الأخرى؛ يجب ألا يتأثر الاقتصاد بجائحة الكورونا، أو الفيضانات أو العقوبات».

وحول موضوع أهمية «الاتفاق النووي» بالنسبة للحكومة الإيرانية الجديدة ومدى أهمية المحافظة على هذا الاتفاق والرسائل التي تحملها الحكومة لكل من الولايات المتحدة والبلدان الأوروبية، كان السيد رئيسي قد قال: «يجب أن تنظر البلدان الأوروبية وأمريكا إلى الاتفاق النووي، وأن يروا ما الذي قدموه في هذا الاتفاق. الأمريكان انتهكوا الاتفاق النووي، والأوروبيون أيضًا لم يؤدوا التزاماتهم».

بالنظر إلى أننا نترقب الانتخابات الأمريكية التالية في نوفمبر عام 2022 لاختيار أعضاء مجلس النواب الأمريكي، فمن الممكن أن تكون تركيبة الأعضاء الجدد للكونجرس مفيدة للحفاظ على الاتفاق النووي. وبالنظر إلى أهمية إلغاء العقوبات من أجل تسهيل بيع النفط والصادرات غير النفطية وإدخال العوائد بالعملات الأجنبية إلى البلاد وهو أمر يلعب دورًا كبيرًا في المحافظة على استقرار سوق العملة في إيران، وعليه فمن المفترض أن تحاول الحكومة الإيرانية الجديدة أن تحقق أكبر مدى من الفائدة عبر الاتفاق النووي.

من المحاور التي يُتوقع أن تركز عليها الحكومة الإيرانية المنتخبة، إعادة رسم العلاقات مع الجيران. وما يعزز هذا التوقع هو خطابات المرشحين الرئاسيين خلال المناظرات الرئاسية ورؤيتهم تجاه الجيران، فضلًا عن وجود أشخاص مثل «أمير عبد اللهيان و علي باقري كني»، الذين تُتداول أسماؤهم باعتبارهم مرشحين لتولي حقيبة الخارجية، لكن تحقق اختراق في هذا الجانب مرهون بحل سوء التفاهم الذي حصل في العلاقات بين طهران والدول الجنوبية الجارة والناطقة بالعربية خلال السنوات الثمانية الماضية.

بالنظر إلى نظرية البنائية «constructivism» والموقع الجيو سياسي الإيراني المميز جدًا، فإن الدافعية تجاه الدول الجارة تزداد، ويخدمها في هذا الإطار امتلاك الكثير من الجيران، وتنوع المصادر الاقتصادية، ووجود سوق يبلغ نصف مليار شخص، وسهولة الوصول وكذلك الاهتمام بمحاور التقارب الإسلامي والارتباط الثقافي.

هذا الأمر وبصورة خاصة بالنظر إلى المفاوضات بين طهران والرياض، التي قال وزير الخارجية الإيراني الحالي، محمد جواد ظريف، أنه تم عقد ثلاث جولات منها في بغداد وانتظار السعوديين لنتائج انتخابات إيران، يضفي أهمية مضاعفة لوضع الجيران العرب في شبكة الاستقرار واستمرار العلاقات معهم.

يرى الكثير من الخبراء والمتخصصين في العلاقات الدولية، أن العلاقات الودية والوثيقة مع الجيران وزيادة التعاون معهم يجب أن تكون ضمن قائمة أولويات الحكومة القادمة. يمكن القول إن العلاقات مع الجيران كانت دائمًا خلال الأعوام الماضية معيارًا من أجل تقييم أداء الحكومة في السياسة الخارجية.

إحياء الاتفاف النووي.. أهم أولويات الحكومة الجديدة

يقول الخبير الإيراني في العلاقات الدولية، حسن بهشتي بور، حول هذا الأمر: من أولويات السياسة الخارجية الإيرانية في الحكومة المقبلة تحديد مستقبل الاتفاق النووي وطريقة التعامل مع السعودية، ويجب أن تركز الحكومة على هذا الأمر.

ورأى أن تحديد مصير الاتفاق النووي أمر مهم يجب أن تحدده الحكومة، كذلك الأمر في مجال موضوع «FATF»، وهذا يعني ضرورة اتخاذ قرارات تجاه معاهدة باليرمو و«CFT» أيضًا. لا يمكن تأجيل هذه الشؤون لأن التبادل التجاري والمالي للبلاد يعتمد على هذه الأمور. وأشار إلى أنه يؤمن بوجوب دخول الحكومة الإيرانية الجديدة في هذه المعاهدات بسرعة، وأن الحكومة القادمة مجبرة على وضع هذه الأمور ضمن قائمة أولوياتها.

وقدر هذا الخبير في شؤون العلاقات الدولية، أن اعتبار العلاقة مع الدول المجاورة أولوية السياسة الخارجية الإيرانية يعني أن حل الخلاف مع السعودية يأتي في ضمن الأولويات، حيث إن العلاقة مع هذا البلد لها أهمية كبيرة في العلاقات الإيرانية مع دول الجوار وعلى مستوى المنطقة.

تطبيع العلاقات الإيرانية السعودية يرسم وجه الشؤون الإقليمية

يرجح بهشتي بور أن يكون لتطبيع العلاقات الإيرانية مع السعودية تأثير حاسم في حل المشاكل في اليمن، وسوريا، والعراق ولبنان. لكنه لا يؤيد الاعتقاد القائل إن حل موضوع الاتفاق النووي يرتبط بالمفاوضات بين إيران والسعودية والعكس بالعكس؛ منوهًا إلى أن «مستوى الاتفاق النووي أعلى من أن تستطيع السعودية عرقلته بمفردها».

وأضاف: السعودية تمتلك القدرة على وضع عراقيل، لكن مشاكل الاتفاق النووي تتعلق بالحكومة الأمريكية والممارسات الإيرانية؛ السعودية وإسرائيل يحاولون العرقلة، ولكن ما أحبط الاتفاق النوي هو سياسات ترامب وإلى حد ما السياسات الداخلية الإيرانية، لذلك فإن السعودية ليست بمستوى يتيح لها منع إحياء الاتفاق النووي.

منطقة الشرق

منذ سنتين
«الحرب الباردة في العالم الإسلامي».. تاريخ موجز للعلاقة بين السعودية وإيران

وحسب رأيه فإن البعض يرغبون بالربط بين الاتفاق النووي وبين المفاوضات مع السعودية، في حين أن التفاوض مع السعودية يتعلق بالعلاقات الثنائية بين طهران والرياض. عندما لمست الرياض فشلها في اليمن وفي الشؤون الإقليمية، واستلم بايدن السلطة في أمريكا، ومن جهة أخرى اعتبرت الولايات المتحدة أن محمد بن سلمان هو المسؤول المباشر عن إصدار الأمر بقتل الصحفي جمال الخاشقجي، فضلت أن تتعامل مع المفاوضات مع إيران إيجابيًّا.

وأكد بهشتي بور أن إيران رغبت خلال العامين الماضيين بحل المشاكل مع السعودية، ولكن السعودية لم ترحب بذلك. يمكن حل المشاكل مع السعودية بغض النظر عن نجاح الاتفاق النووي أو انهياره. الأمريكان مضوا في الاتفاق النووي عام 2015 رغم المعارضة الإسرائيلية والسعودية للاتفاق.

ملف بحر قزوين من الشؤون المهمة في السياسة الخارجية للحكومة المستقبلية

ويعتقد بهشتي بور أن إيران والسعودية جيران وقوى إقليمية متنافسة في مختلف المجالات السياسية، الأمنية والاقتصادية، ولكن يمكن لهما التعاون أيضًا. الموضوع المهم هنا هو التوصل إلى نتيجة لافتة للنظر في هذا الموضوع قبل نهاية حكومة حسن روحاني الحالية.

ورأى أن موضوع بحر قزوين يأتي ضمن الشؤون المهمة في السياسة الخارجية للحكومة المقبلة، حيث وصل ملف النظام القانوني لبحر قزوين إلى المراحل النهائية تقريبًا، ويجب أن يتم حسم هذا الموضوع في المفاوضات الجارية بين إيران وأذربيجان من جهة وبين إيران وتركمانستان من جهة أخرى. أهم موضوع حاليًّا هو ترسيم الحدود المائية بين هذه الدول وترسيم المناطق السيادية البرية في بحر قزوين.

عرض التعليقات
تحميل المزيد