في صباح الرابع عشر من أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، جلس مسؤولون لبنانيون في خيمة كبيرة واحدة مع مسؤولين إسرائيليين في مقر قوة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في الناقورة، على بعد 200 متر شمال الحدود الإسرائيلية اللبنانية.

خلال ساعتين من الزمن ناقش الجانبان اللذان لا تربطهما علاقات دبلوماسية بل لا يزالان من الناحية الفنية في حالة حرب آلية ترسيم الحدود وحل النزاع الحدودي البحري الذي يتعلق بمنطقة في البحر الأبيض المتوسط ​​تمتد على حوالي 860 كيلومترًا مربعًا (حوالي 332 ميلًا مربعًا) ، ومعروفة باسم المنطقة رقم (9) الغنية بالنفط والغاز، وكانت الجولة التفاوضية التي لم تحدث منذ 30 عامًا قد جاءت بوساطة أمريكية قوية قام خلالها مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون الشرق الأدنى ديفيد شينكر برحلات مكوكية بين القدس وبيروت في محاولة للتوصل إلى اتفاق يساعد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على البقاء في البيت الأبيض.

وبالرغم أن مسؤولي الجانبين أكدا مرارًا على أن المحادثات ستركز على الحدود البحرية فقط، لكن المراقبين لا يستبعدون أولًا محاولة دفع الولايات المتحدة بعد فتح اتفاق ناجح حول الحدود البحرية الباردة الباب أمام اتصالات مستقبلية أكثر أهمية، بهدف إضعاف قوة حزب الله اللبناني في الساحة السياسية، ثم في خطوة عاجلة دفع الجانبين لتقديم تنازلات بغية تحقيق منفعة اقتصادية بالتزامن مع ضرب أي تقارب تركي لبناني محتمل، والعمل على الوصول إلى إنشاء خط أنابيب يتجه من إسرائيل إلى اليونان إلى أوروبا، لا يخضع للسيطرة الروسية كما تفضل واشنطن.

استهداف التقارب التركي اللبناني

يؤكد المعلق للشؤون الإسرائيلية الصحافي محمد محسن وتد في البداية على أن لبنان هي صاحبة حق بالمياه الإقليمية والاقتصادية في البحر المتوسط، وهذا باعتراف المجتمع الدولي، فما كانت تقوم به إسرائيل هو قرصنة على الموارد الطبيعية للبنان، وبالتالي التنازلات الإسرائيلية هي عمليًا الموافقة من قبل تل أبيب على تقاسم حقوق الطاقة والموارد الطبيعية بالبحر مع بيروت.

 وصول مركبات فريق عمل الأمم المتحدة المؤقت (اليونيفيل) إلى أقصى جنوب الناقورة للإشراف على المفاوضات

ويرى وتد في ما يشاع عن استعداد إسرائيل لتقديم تنازلات للدولة اللبنانية، أنه يأتي في سياق محاولة ضم تل أبيب لبيروت للحلف الإقليمي وإلى عضوية منتدى المتوسط، والذي يضم العديد من الدول العربية بالمنطقة وعلى رأسها مصر وأيضًا قبرص واليونان، ويستدرك القول لـ«ساسة بوست»: «يأتي الاستعداد الإسرائيلي لتقديم التنازلات لاحتواء لبنان ومنعها من التقارب مع تركيا، خصوصًا بكل ما يتعلق بترسيم الحدود للمياه الاقتصادية والتنقيب عن الغاز والطاقة بشرق المتوسط»، ويبين المعلق للشؤون الإسرائيلية أن تفجير مرفأ بيروت كان مقدمة أيضًا لتعميق الأزمة الاقتصادية اللبنانية وتأزيم الوضع السياسي الداخلي وعودة التدخلات الخارجية التي تذكر بالاستعمار سواء التدخل الفرنسي وحتى الحضور الأمريكي، في ظل غياب أي دور عربي ومحاولة محاصرة الدور الإغاثي التركي في ظل استعداد أنقرة لتطوير بيروت العاصمة والميناء.

وعلى جانب آخر، يعتقد وتد أنه على الرغم من أن كثيرًا ما كان الجيش اللبناني هو ضحية للحروب التي شنها الجيش الإسرائيلي على لبنان خلال العقود الماضية والأوضاع الاقتصادية المزرية التي تعصف بالدولة اللبنانية التي تواجه خطر الإفلاس، فإنه لن تكون الطريق سهلة للتطبيع العلني والرسمي بين تل أبيب وبيروت، وذلك على الرغم من أن بعض الشخصيات والقيادات الحزبية بلبنان تربطها علاقات من وراء الكواليس بإسرائيل وقد تكون مستعدة للإجهار بهذه العلاقات، بيد أن خصوصية لبنان وإن كانت دولة صغيرة قد ترفض الضغوطات وحتى ممارسات الإدارة الأمريكية والرئيس دونالد ترامب للقبول بالتطبيع العلني مع إسرائيل، أو حتى المحاولات الخفية للرياض وولي العهد محمد بن سلمان لتحريك التوجهات اللبنانية نحو التطبيع، وكل ذلك مقابل إنقاذ لبنان اقتصاديًا، حسب وتد.

مصلحة اقتصادية ومآرب أخرى

صعد حادث انفجار مرفأ بيروت في أغسطس (آب) الماضي من الأزمة الاقتصادية في لبنان ومن أزمة حزب الله السياسي بوصفه وسيط السلطة المحلي بالتزامن مع دخول العقوبات الأمريكية حيز التنفيذ مؤخرًا مستهدفة أعضاء الثنائي الشيعي، حزب الله وأمل، وفي المحصلة شكلت تلك التطورات فرصة للأمريكيين الذين يحاولون منذ سنوات جلب البلدين إلى طاولة المفاوضات.

 منظر للخط الأزرق الذي يفصل بين إسرائيل ولبنان تحت السيطرة المشتركة لقوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان

وفيما وراء الكواليس، لا شك أن واشنطن تأمل في أن يفتح اتفاق ناجح حول الحدود البحرية الباردة الباب أمام اتصالات مستقبلية إضافية، على خلفية حملة أمريكية إسرائيلية لإضعاف قوة حزب الله في الساحة السياسية وإضعاف نفوذ إيران كذلك، لذا وصف وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو المحادثات بأنها تاريخية، كما قال بومبيو: «اتفاق كل من القدس وبيروت على الجلوس للمفاوضات من شأنه أن يؤدي إلى مزيد من الاستقرار والأمن والازدهار للمواطنين اللبنانيين والإسرائيليين على حد سواء».

يقول المتخصص في تاريخ الشرق الأوسط السياسي والاجتماعي في الجامعة العبرية بالقدس يسري خيزران، أن عدة اعتبارات تتحكم بالسياسة الإسرائيلية تجاه ترسيم الحدود مع لبنان، فإسرائيل ليست مستعدة لتقديم تنازلات مجانية، ما تريده إسرائيل هو إنهاء هذا الملف العالق، لأن مصلحتها تقتضي وضع هذه المسألة في إطار اتفاق يحظى برعاية دولية يمكنها إضفاء صبغة شرعية على الحدود البرية والبحرية واعتراف بها وإن لم يكن بشكل مباشر ثم المضي قدمًا في استخراج الغاز من البحر.

ويضيف يسري: «بالأساس الدوافع الإسرائيلية تتعلق بالمصالح الاستراتيجية والاقتصادية لإسرائيل، ستنزع إلى ترسيم الحدود بما تقضيه المعايير الدولية بشكل يضمن لها جزءًا إن لم يكن كل الغاز في المنطقة المتنازع عليه، وإسرائيل ستحاول إذا ما تم توقيع الاتفاقية تصوير ذلك بأنه جزء من مسيرة التطبيع التي طغت على الدول العربية في الفترة الأخيرة».

ويوضح يسري خلال حديثه لـ«ساسة بوست»: «هناك استعاد لبناني لترسيم الحدود البحرية دون البرية وهذا ليس من قبيل الصدفة، وإنما بفعل شروط حزب الله التي وضعها على الدولة اللبنانية، لأن ترسيم الحدود في البحر فيه مصلحة اقتصادية مباشرة للدولة اللبنانية التي يعنى الحزب بالتنفيس عنها» ويبين: «ستمنح الدولة اللبنانية الأرضية القانونية التي تمكنها من المضي قدمًا في منح التوكيلات دولية لبدء استخراج الغاز من البحر، بينما ترسيم الحدود البرية ربما يودي اعتبار مزارع شبعا سورية، وتأكيد سيادة الدولة السورية على شبعا سيفقد حزب الله ورقة مهمة يستخدمها إعلاميًا وسياسيًا لشرعنة وجوده بوصفه تنظيمًا مسلحًا ومشروع مقاومة الذي هو عنوان المشروع السياسي للحزب».

عربي

منذ شهر
في ذكرى إعلان لبنان الكبير.. على أي شاكلة يريد ماكرون خلق لبنان الجديد؟

علاوة على ما سبق، ذكر تقرير مجلة «فورين بوليسي» أن: «الصفقة ستكون نعمة طويلة الأجل للاقتصاد اللبناني المنهك، كما أنه سيعزز تحالف الطاقة في شرق البحر الأبيض المتوسط ​​المدعوم من الولايات المتحدة، والذي تعتبر إسرائيل التي استغلت بالفعل حقول الغاز في مياهها البحرية، مشاركًا رئيسيًا فيه»، وتضيف المجلة: «من شأن صفقة الحقوق الاقتصادية أن تفتح موردًا مهمًا من شأنه أن يكون بمثابة ثقل موازن للتصعيد، يمكن للجانبين القيام بالاستكشاف والحصول على الإيرادات التي سينتجها».

هل من اتفاق مبدئي بين حزب الله وإسرائيل؟

«لا مطلقة… لأي تفاوض مع العدو»، هكذا عنونت صحيفة «الأخبار» الموالية لحزب الله واحدًا من تقاريرها التي تناولت مفاوضات ترسيم الحدود بين لبنان والإسرائيليين التي وصفتها أيضًا بأنها: «لحظة ضعف سياسي غير مسبوق للبنان، وأن إسرائيل هي المستفيد الحقيقي».

لحد كبير، كان إعلام حزب الله مخالفًا لما خرج عن قادة الحزب، الذين أكدوا أن ترسيم الحدود مع إسرائيل ليس تطبيعًا، حتى أن أول تعليق من الحزب على تلك المفاوضات جاء على لسان النائب في كتلة حزب الله اللبناني البرلمانية حسن عز الدين الذي قال إن: «الإطار التفاوضي حول موضوع حصري يتصل بحدودنا البحرية الجنوبية واستعادة أرضنا وصولاً إلى ترسيم مواقع سيادتنا الوطنية، لا صلة له على الإطلاق لا بسياق المصالحة مع العدو الصهيوني الغاصب لفلسطين، ولا بسياسات التطبيع التي انتهجتها مؤخرًا وقد تنتهجها دول عربية لم تؤمن يومًا بخيار المقاومة» .

 حزب الله يستعد لاستقبال جثث 200 جندي خلال تبادل للأسرى مع إسرائيل في 16 يوليو (تموز) 2008 بالقرب من الناقورة بلبنان.

كما لوحظ على رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري، حليف الحزب أنه خلال كلمته عن ترسيم الحدود لم يستخدم كلمة فلسطين المحتلة كما كان في السابق، مما يشير –حسب البعض- إلى أن لبنان ذاهب إلى مرحلة أقل عداوة مع إسرائيل على الأقل، ويذهب الأكاديمي والمحلل السياسي اللبناني وليد فخر الدين إلى أن مفاوضات اتفاقية ترسيم الحدود الآن لا تحدث بين الدولة اللبنانية وإسرائيل وإنما بين رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري، الذي لا يملك أي سلطة تنفيذية لكونه رئيس سلطة تشريعية وإسرائيل بوساطة أمريكية، ويضيف فخر الدين لـ«ساسة بوست»: «وجود نبيه بري كان ممثلًا لحزب الله، وبالتالي هذا اتفاق مبدئي بين حزب الله وإسرائيل».

ويواصل فخر الدين القول: «كانت المفاوضات الدولية هي الجزء الأخير والمتبقي لرئيس الجمهورية الذي تقريبًا لم يعلم بحيثيات الاتفاق، ولم يصدر قرار كما يجب عن الحكومة اللبنانية حول هذه المحادثات، وكأن ذلك شكل من أشكال عدم الاعتراف بمؤسسة الدولة عندما تكون مصلحة لحزب الله».

وينوه فخر الدين على أن هناك تطورًا أساسيًّا حدث في هذه المفاوضات وعلى أساسه تشكل الوفد المدني اللبناني من أجل هذه المفاوضات، وهو أنه لأول مرة، بدأ لبنان يتفاوض مع دولة إسرائيل وهو ما يعني وجود اعتراف ضمني من الدولة اللبنانية بإسرائيل، وهو أمر كان من السهل تجنبه، ويوضح فخر الدين أنه برغم ما أشيع عن أن التفاوض غير مباشر، الذي جري في خيمة واحدة وعلى طاولة واحدة، إلا أن: «المفاوضات سمحت بالتفاوض المباشر بدل قنوات التفاوض غير المباشر برعاية دولية، هذه المرة كان التفاوض مباشرًا أكثر، وبرعاية أمريكية أكثر، والأمر الذي خلق حساسية بين رئيس الجمهورية وحزب الله هو أن الوفد الذي شكل ضم عسكريين ومدنيين ولم يقتصر على عسكريين كما طلب الحزب».

ويشدد فخر الدين على أن حزب الله منذ المبادرة الفرنسية التي قامت على إتاحة الفرصة لباريس للقيام بأدوار وساطة وتنسيق للمساعدات الإنسانية وتأمين استقرار النظام القائم وعدم اكتراثه الفعلي بالعقوبات التي نالت من المحسوبين عليه، أبدى عدم حماسة للمبادرة الفرنسية، وكان يوحي أنه ما دام الفرنسيون لا يعملون بضغط أمريكي فهو غير مستعد لأن يقدم تنازلات للفرنسيين، لكونه يريد وحلفاؤه الإيرانيون التحاور مباشرة مع الأمريكيين لتحقيق مصالحه.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد