شهدت مالي أمس الاثنين احتجاز رئيس المرحلة الانتقالية باه نداو، ورئيس الوزراء مختار، في قاعدة كاتي العسكرية، وهي القاعدة التي عادة ما يتّخذها الجنرالات الانقلابيّون مركزًا لعملياتهم، وأعلنت المجموعة العسكرية، التي قادت الانقلاب ضد الرئيس السابق «أبو بكر كايتا» في أغسطس (آب) 2020، أنها المسؤولة عن هذه العملية، بقيادة آسيمي جويتا قائد الانقلاب السابق، وذلك بعد خلافات مع الرئيس حول تعديل حكومي أطاح بعض العسكريين الذين شاركوا في انقلاب أغسطس الماضي. 

 وأعلن آسيمي جويتا، الذي يشغل منصب نائب الرئيس في الحكومة الانتقالية التي يتقاسمها المدنيّون والعسكريون، نزع صلاحيات الرئيس الانتقالي ورئيس الوزراء، وإزالتهما من منصبها، كما جاء في بيان أعلنه التلفزيون المالي. 

آسيمي جويتا، قائد الانقلاب العسكري ونائب الرئيس الانتقالي

قائد الانقلاب الجديد في مالي هو نفسه الذي قاد انقلاب أغسطس الماضي، وهو آسيمي جويتا، الشاب غير المعروف، سواء في الداخل أو الخارج، والبالغ من العمر 37 والذي أصبح رئيسًا لـ«لجنة الدفاع عن الشعب»، وهو قائد لفرقة القوّات الخاصة في وسط البلاد التي كانت في مواجهات مع الحركات الجهادية من 2015، وأجرى تدريبه في كل من الولايات المتحدة، وألمانيا، وفرنسا؛ والذي يقول عنه أحد قادة الحراك المدني الذي التقاه في إطار المفاوضات الجارية بين العسكر وقادة الحراك لتشكيل الحكومة بأنّه «متواضع، ومستمع جيّد ومنتبه، وبالتالي موثوق».

وتصف شخصيات ودبلوماسيون التقوا آسيمي جويتا، الذي يشغل منصب «لجنة إنقاذ الشعب»، أي الرئيس الفعلي، بالهدوء وتجنّب الأضواء والكاميرات، وأنه قليل الكلام والتعبير عما في نفسه، وأنه رجل ميدان وعمليات عسكرية أكثر مما هو رجل سياسي. ورغم أنه حاول التسويق لشخصه بعض الشيء من خلال بعض الخرجات، مثل زيارة الرئيس السابق المعزول الذي يعاني المرض، ولقائه بعض الشخصيات العامة، إلا أنه لم يتحدّث للإعلام إلا مرة واحدة دعا فيها إلى الوحدة، وكانت قوى الحراك التي كانت خلف المظاهرات السابقة قد تذمرت من العسكر؛ لأنّهم في رأيهم «يريدون اختطاف عملية التغيير وحدهم»، وذلك بعد إلغاء لقاء كان معدًا بين قادة الحراك والقادة العسكريين. 

تعديل حكومي يعيد مالي إلى «نقطة الصفر»

وجاء تعيين الرئيس باه نداو في منصب رئاسة الدولة ومختار وان رئيسًا للوزراء بعد مسار تفاوضي عسير حول المرحلة الانتقالية التي كان من المفترض أن تنتهي بانتخابات عامة السنة القادمة، وقد احتفظ العسكريّون بأبرز المناصب المهمة في الحكومة. 

انقلاب عسكري يتلو انقلابًا، أو استرجاع العسكر لسلطاتهم التي تقاسموها مع المدنيين، وذلك بعد إجراء الرئيس باه نداو تغييرًا واسعًا في صفوف الحكومة، بالتزامن مع التحضير لاجتماع قادة أركان الدول الخمس بالساحل «G5» (بوركينا فاسو، ومالي، وتشاد، وموريتانيا، والنيجر) المزمع عقده في مالي، من أجل الاستقواء بهم وإكساب التغيير الحكومي طابعًا رسميًا؛ لكن هذا التغيير الحكومي لم يرق للعسكريين بقيادة آسيمي جويتا الذي يشغل منصب نائب الرئيس؛ إذ أعلن هذا الأخير بأن العسكريين لم يستشاروا في هذا التعديل الحكومي. 

احتجاجات في العاصمة المالية باماكو ضد الوجود الفرنسي (سبتمبر 2020) 

ورغم أن العسكريين قد حافظوا على المناصب الحساسة في الحكومة الجديدة، من بينها وزارة الدفاع والأمن والإدارة المصالحة الوطنية، إلا أن التغيير الحكومي عرف إقالة اثنين من العكسريين الذين شاركوا في الانقلاب على الرئيس السابق أبو بكر كايتا، أي أن الرئيس باه نداو عمل على إبعاد بعض وجوه الانقلاب عن الحكومة، وهو ما ردّ عليه العسكريون بإزاحته هو ورئيس الوزراء عن السلطة.

استشعر العسكريون خطورة هذا التعديل ورغبة الرئيس الجديد في استبعادهم من المشهد، واستقواء بالأطراف الدولية لشرعنة هذه الحركة، من خلال زيارة إلى فرنسا قام بها الرئيس نداو إلى فرنسا في يناير (كانون الثاني) الماضي، وهو ما دفع إلى العملية العسكرية التي أعاد العسكريون بها التمسّك بكل الصلاحيات من جديد. 

تقاسم السلطة الهشّ الذي جرى بين العساكر الانقلابيين والحكومة بقيادة الرئيس باه نداو (الذي هو أيضًا عسكري متقاعد)، وصل إلى طريق مسدود بعد التغيير الحكومي الأخير، وقد كانت الجماعة العسكرية التي قادت الانقلاب ضد الرئيس السابق أبو بكر كايتا قد خضعت لتقاسم السلطة مع المدنيين بعد ضغوط دولية قويّة، خصوصًا مع الحصار الاقتصادي الذي فرضته دول غرب أفريقيا، وإصرارها على ضرورة حلّ المجلس العسكري الذي قاد الانقلاب، والذي يسمّى «اللجنة الوطنية لإنقاذ الشعب المالي».

وقد جاء هذا الانقلاب في وضع شديد الدقة تشهده البلاد، خصوصًا مع الاحتجاجات الاجتماعية التي لا تهدأ والاضرابات المنتشرة في أنحاء البلاد بسبب سوء الأوضاع المعيشية، دون الإغفال عن المحيط الإقليمي الملتهب في الساحل، خصوصًا بعد مقتل الرئيس التشادي إدريس ديبي وتقدّم قوات المعارضة إلى العاصمة انجامينا، والمحاولة الانقلابية التي شهدتها الجارة الشرقية النيجر الشهر الماضي، بالإضافة إلى التهديد الأمني الكبير المتمثّل في الجماعات المسلّحة التي تنشط في شمال مالي، وهي المنطقة التي عرفت دخول القوّات الفرنسية فيها بحجّة «مكافحة الإرهاب». 

ويبدو أن كلًا من العسكريين والمدنيين قد قطعوا تواصلهم مع الشارع، وبالخصوص مع قادة الحراك الشعبي الذي شهدته مالي خلال سنة 2020، والذي تلاه الانقلاب العسكري على الرئيس كايتا، وكان قادة الحراك الشعبي قد اشتكوا من انعدام التواصل مع الحكومة الجديدة في باماكو، وأن المفاوضات بين الأطراف قد وصلت إلى طريق مسدود، ولكن بعد العملية الانقلابية، أشارت مصادر إلى أن العسكريين قد طلبوا من ممثلي الحراك اقتراح أسماء لقيادة الحكومة الجديدة. 

غضب فرنسي.. ماكرون يصفه بـ«الانقلاب» ويهدد بقطع المساعدات

ويبدو من الواضح وجود غضب فرنسي من العملية العسكرية الأخيرة في مالي، إذ أدانته باريس بأشد العبارات وهدّدت بالعقوبات وقطع المساعدات المالية، وهو ما استدعى المقارنة مع الوضع في تشاد، أين دعمت فرنسا المجلس العسكري هناك، وتوريث الحكم من الرئيس إبراهيم ديبي المقتول من قوّات المعارضة، وانتقاله إلى ابنه محمد إدريس ديبي.

الرئيس نداو مع الرئيس ماكرون في قصر الإيليزيه

وتعدّ مالي نقطة محورية في الإستراتيجية العسكرية الفرنسية «بارخان» لمحاربة التنظيمات المسلّحة في منطقة الساحل، إذ تتواجد 5 آلاف من قوّاتها المسلحة في هذه الدولة الأفريقية، كما أن هنالك العديد من الاتهامات الموجّهة لفرنسا بارتكاب انتهاكات فادحة ضد حقوق الإنسان خلال حربها ضد التنظيمات المسلحة، لعلّ آخرها كان حفل زفاف قصفته الطائرات الفرنسية راح ضحيته 19 مدنيًا في يناير الماضي. 

وكان الرئيس الفرنسي قد وصف الأحداث الأخيرة في مالي بـ«الانقلاب العسكري» وقال في تغريدة له على موقع «تويتر»: في مالي، ما حدث من طرف العسكريين الانقلابيين هو انقلاب عسكري، إنه غير مقبول. نحن مستعدون لتسليط عقوبات موجّهة ضدهم، كما دعا إيمانويل ماكرون إلى اجتماع طارئ لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة لمناقشة هذا الشأن، وكان ذلك الموقف عكس الموقف الألماني، إذ لم تصف ألمانيا العمليّة بالانقلاب، واكتفت بالإدانة، وطلب إطلاق سراح الرئيس نداو، ويقول محلّلون: إن توصيف فرنسا لتدخّل الجيش بـ«الانقلاب العسكري» يعني أن هناك انعكاسات متعلّقة بالمساعدات المالية الفرنسية اتجاه الدولة. 

الجزائر التي تقع مالي في حدودها الجنوبية، هي الأخرى رفضت هذه العملية وأكدت دعمها للرئيس باه نداو دون تسمية ما حصل «انقلابا عسكريًا»، وجاء في بيان وزارة الخارجية الجزائرية: «تتابع الجزائر بقلق بالغ التطورات الأخيرة في جمهورية مالي وتؤكد رفضها القاطع لأي عمل من شأنه تكريس تغيير الحكومة بالقوة، في انتهاك للمبدأ الأساسي للاتحاد الأفريقي في هذا الخصوص».

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد