يمكن اعتبار التاريخ السياسي والعسكري للعصور الوسطى هو تاريخ الفرسان، لا سيَّما وقد شهد الصدام المحتدم بين الشرق والغرب في تلك العصور بروز نجم العديد من مجموعات الفرسان في كل جانب، لعبوا دورًا رئيسيًّا في توجيه دفة ذلك الصراع التاريخي في أهم تجلياته: الحروب الصليبية.

في الجانب الإسلامي، وخلال النصف الأول من القرن الثالث عشر الميلادي (السابع الهجري)، ظهرَ فرسان المماليك، وهم من الرقيق البيض الذين اعتاد أمراءُ الدولة الأيوبية شراءهم وهم صغار في السن، ثم ربُّوهم تربية عسكرية خشنة، ليكونوا مقاتلينَ أشداء يدينون بالولاء لأساتذتهم وأمرائهم وفقط، وكان الصالح نجم الدين أيوب أبرز من استفاد منهم من أمراء الأسرة الأيوبية، في رحلته لانتزاع عرش مصر بعد وفاة أبيه الكامل عام 1237م (635هـ).

لعب المماليك دورًا بارزًا في تاريخ المنطقة، وأصبحوا رقمًا صعبًا في المعادلة السياسية والعسكرية في مصر والشام، مع تضعضع أركان الدولة الأيوبية في منتصف القرن الثالث عشر الميلادي، وانتزعوا الحكم لأنفسهم بعد نجاحهم في الدفاع عن مصر في مواجهة حملة لويس التاسع الصليبية، وبدأت دولتهم بحكومة الملكة شجر الدر، أم خليل المستعصمية، أرملة الصالح أيوب.

وإلى جانب مواجهاتهم التاريخية مع الغزو المغولي الشرس للشام ومصر، فقد لعب السلاطين المماليك الأوائل، لا سيَّما الظاهر بيبرس والمنصور قلاوُون، أدوارًا حاسمة في مواجهة الوجود الصليبي في الشام، وتفوَّقوا على نخبة الفرسان الصليبيين وعلى رأسهم فرسان المعبد.

من هم فرسان المعبد؟

يُعرف فرسان المعبد في المصادر العربية والإسلامية أيضًا باسم فرسان الداوية، ولتلك المجموعة من الفرسان سمعة سيئة في تلك المصادر لا ينافسها في ذلك بين الفرسان الصليبيين إلا «فرسان الإسبتارية Hospitallars» في القدس، وسبب سوء سمعتهم ما اتَّصَفَ به منتسبوها من التعصب الشديد والشراسة في القتال في مختلف المعارك ضد المسلمين إبَّان الحروب الصليبية.

يُنسَب تأسيس مجموعة «فرسان المعبد Templars» إلى الفارس الصليبي، هوجو دي باينز، عام 1119م، وكانت نواتها من ثمانية من أصحابه وأقاربه، كانوا جميعًا من الغزاة الصليبيين للشرق، وتعاهدوا على حماية الطرق في الشام من هجمات أعداء الصليبيين على قوافل حجاجهم إلى فلسطين. وقد أعانهم الملك الصليبي، بلدوين الثاني، ملك بيت المقدس، على إنشاء مقرٍّ لهم داخل القدس في منطقة الحرم القدسي الشريف، التي يعتقد اليهود وبعض المسيحيين أنها كانت موقع هيكل النبي سليمان، الذي كان يُعرَف أيضًا بالمعبد المقدس، والذي حمل هؤلاء الفرسان اسمه.

وبعد 10 أعوام من التأسيس، نالَ فرسان المعبد اعترافًا رسميًّا بالغ الأهمية من بابا روما عام 1129م، ما أضفى على نشاطهم الشرعية والقُدسية التي كانوا بحاجةٍ ماسَّة إليها، كما انفتح بعدها الدعم بالمال والرجال للفرسان.

Embed from Getty Images

رسمٌ لمقاتل من فرسان المعبد 

عام 1139م، منح بابا روما، إينوسنت الثاني، المزيد من الصلاحيات والامتيازات المهمة لفرسان المعبد، فعزَّز استقلاليتهم عن الملوك والأمراء الصليبيين، وربطهم به مباشرة، وأعفاهم من الضرائب، ما ساعد فرسان المعبد على مراكمة ثرواتٍ هائلة في السنوات والعقود التالية، ومثَّل هذا تناقضًا مع المبادئ الأساسية للفرسان، والتي تقوم على الزهد في الدنيا ومغرياتها، والتقشف الاستثنائي في الطعام والشراب والملابس.

توسع نشاط فرسان المعبد خارج حدود الإمارات الصليبية في الشام، فأنشأوا كنائس عديدة مثَّلت فروعًا لهم في أنحاءٍ مختلفة من أوروبا، لا سيَّما فرنسا، كما أنشأ الفرسان نظامًا ماليًّا أشبه بالبنوك الحديثة، فعلى سبيل المثال: من أراد الحج إلى الأراضي المقدسة يودع أموالًا في خزائن الفرسان في أوروبا، ثم يتسلم تلك الأموال من خزائنهم في الأراضي المقدسة لدى وصوله، وبذلك لا يخشى هؤلاء الحجاج من التعرض للسرقة والنهب في الطريق، ويضمنون سلامة أموالهم وتوفرها أثناء وجودهم في الشرق.

تلك القوة الاقتصادية والانتشار الجغرافي الواسع، مكَّنا فرسان المعبد من أن يصبحوا رقمًا صعبًا في الإمارات الصليبية وفي أوروبا على حدٍ سواء؛ إذ كانت لديهم القدرة المالية لإقراض أموالٍ طائلة لمن يحتاجها من أمراء وملوك أوروبا.

وفي الحروب الصليبية شاركوا عسكريًّا وماليًّا في معظم المواجهات الكبرى التي شهدها قرنان من الزمان، عمرُ الحملات الصليبية في الشرق، وذاع صيتهم خلال تلك المعارك فرسانًا بالغي الجرأة والشراسة والصرامة، واتصف فرسانهم بالانضباط الشديد في مختلف الظروف، وكانوا ممنوعين بشكلٍ صارم من الاقتراب من النساء، وحتى تقبيل الأمهات كان من المحرمات.

المماليك وفرسان المعبد .. وجهًا لوجه

لن نستطيع تغطية كافة حلقات الصدام بين المماليك، القوة الصاعدة في الشرق آنذاك، وبين فرسان المعبد، وسنكتفي بتسليط الضوء على بعض أهم مراحل المواجهة بين القوتين.

اقرأ: دمياط والحملات الصليبية .. قرنٌ من الملاحم.

موقعة غزة.. المماليك وفرسان المعبد والصدمة الأولى

بمرور السنين ازداد نفوذ فرسان المعبد في المناطق الصليبية في الساحل الشامي، وفي أعقاب هزيمة حطين الشهيرة عام 1187م (583هـ) اضطروا لنقل مقرِّهم من القدس إلى مدينة عكا الساحلية.

وفي العقود التالية، انشغل الأيوبيُّون باقتتال داخلي، وتنازع على السلطة، وذلك بعد وفاة الملك الناصر صلاح الدين الأيوبي، ومع الصراع الداخلي خفَّ الضغط العسكري كثيرًا على الوجود الصليبي في الساحل الشامي، وانشغل الأيوبيون بالحملات الصليبية التي شُنَّت من أوروبا على مصر، وكان أبرزها الحملة الصليبية الخامسة، والتي احتلَّت ميناء دمياط المصري عام 1218م، شهورًا طويلة، وأوشكت على اجتياح مصر بأكملها لولا فيضان النيل، الذي أغرق الصليبيين وحاصرهم، ودفعهم لطلب الصلح مع السلطان الكامل الأيوبي، والذي أوشك في المفاوضات الأولى بعد احتلال دمياط، على تسليم القدس للصليبيين مقابل جلائهم عن دمياط.

وبعد سنواتٍ عديدة، ومع استمرار الصراعات الأيوبية-الأيوبية، واقتراب الخطر المغولي من قلب الشرق الإسلامي، تبنى الكامل الأيوبي  سياسة صادمة، رأى فيها مصلحةً لعرشه ولدولتِه تُحسِّن موقفه السياسي، والعسكري في لعبة العروش المحتدمة في الشرق الإسلامي.

تاريخ

منذ شهر
الكامل الأيوبي وفريدريك الثاني.. قصة صداقة بين الشرق والغرب كان ثمنها القدس!

قرَّر الكامل عقد اتفاق مع الإمبراطور الألماني فريدريك الثاني، والذي كلَّفه بابا روما، بشن حملةٍ صليبية سادسة لاسترداد القدس من المسلمين، ليسِّلم الكامل الأيوبي القدس دون قتالٍ مقابل سلامٍ طويل بين الجانبيْن، شريطة ألا يُحصِّنها الصليبيون، وأن يلتزم فريدريك، بحماية من يبقى بالقدس من المسلمين، وأن يحتفظ المسلمون بمنطقة المسجد الأقصى، وتمت الصفقة عام 1229م (626هـ) وسبَّبت صدمة مُدوِّية وتحسَّر الكثيرون للمفارقة: أن يسلم ابن أخي صلاح الدين القدسَ بهذه البساطة، بعد أن حرَّرها المسلمون بحروبٍ وملاحم استمرَّت أكثر من 90 عامًا.

بعد وفاة الكامل عام 1238م (635هـ)، اشتعلت حربٌ أهلية أيوبية جديدة بين ابنيْه، العادل سيف الدين، الذي ورث عرش القاهرة بعد أبيه، وكانت سمعته الضعف، وأخيه الصالح نجم الدين أيوب، المقاتل الشرس الذي كان أميرًا على مناطق بعيدة جنوب شرقي تركيا اليوم، فحشد جيشه الذين كان عموده الفقري من الفرسان الأشداء الذين كانوا يُجلبون عبيدًا صغارًا من آسيا، ويُربَّوْن على الطاعة له، ويدرَّبون على مختلف فنون القتال، وهؤلاء الذين ذاع صيتهم في كتب التاريخ باسم المماليك.

وباختصار، انتزع نجم الدين أيوب عرش القاهرة وبعدها ركَّز على الشام المقسمة بين أعمامه المتخاصمين، وعلى رأسهم الصالح عماد الدين إسماعيل، ملك دمشق الذي قرَّر تشكيل تحالفٍ واسع مع بعض خصوم نجم الدين أيوب من الأيوبيين، وكذلك من الصليبيين الذين كانوا يخشون من الميول التوسُّعية للصالح أيوب، وتقرر حشد جيشٍ جرار يمثل هذا الحلف الأيوبي-الصليبي لمهاجمة مصر والقضاء على الصالح أيوب والسيطرة على فلسطين.

Embed from Getty Images

وصل الأمير المنصور الأيوبي حاكم حِمص إلى مدينة عكا، عاصمة الوجود الصليبي آنذاك، وأتمَّ الاتفاق مع الصليبيين، وخرج بصحبة الآلاف منهم جنوبًا في الطريق إلى مصر، من بينهم القوة الضاربة من فرسان المعبد في الشرق، ولحق بهم الآلاف من قوات الصالح إسماعيل من دمشق، وقوات الناصر داود من الكرك، وعسكرت القوات المشتركة في غزة، بوابة مصر من جهة فلسطين.

ومع هذه الأخبار تحرَّك الصالح أيوب، فأرسل أهم قوات جيشه بقيادة كبير المماليك، ركن الدين بيبرس الصالحي (وهو غير الظاهر ركن الدين بيبرس الشهير)، لمواجهة الجيش المشترك المتمركز في غزة، على أن ينضم إليه هناك الآلاف من الفرسان الخوارزمية والذين كانوا من أشرس المقاتلين آنذاك ولكنهم كانوا أقرب إلى المرتزقة، يحاربون لمصالحهم، وكانوا من فلول الدولة الخوارزمية في آسيا والتي دمَّرها الغزو المغولي.

ومع رصد جواسيس الصالح أيوب لتحركات الأيوبيين والصليبيين، طلبَ من الخوارزميين دعمه ووعدهم بمكافآت كبيرة وبإقطاعات في الشام بعد النصر، وفي مسيرهم سلبوا ونهبوا ما صادفهم في الطريق، وعلم الخوارزمية أن القدس بلا قوات صليبية لحمايتها لأن معظمهم خرجوا في الحملة على مصر فاقتحموا القدس وأبادوا من بقي فيها من الصليبيين وخربوا كنائسها، وأحرقوا جثث القتلى من الصليبيين، ثم توجهوا جنوبًا إلى غزة ليلتحموا بجيش الصالح أيوب.

قُدِّرَت قوات كل جانب في موقعة غزة عام 1244م (642هـ) بما يقارب الثلاثين ألفًا، وقاد الجيوش الصليبية في تلك المعركة الفاصلة الكونت والتر الرابع أوف براين، حاكم يافا وعسقلان، وضمت الآلاف من أشرس الفرسان الصليبيين وأكثرهم تنظيمًا وتعصبًا، لا سيَّما من فرسان المعبد، والإسبتارية، والألمان. وتكفَّل الصليبيون بتشكيل ميمنة الجيش، بينما كان القلب لقوات حاكمي حمص ودمشق، والميسرة لقوات الأيوبي الناصر داود حاكم الكرك.

هجم الفرسان الخوارزمية والمماليك كالصاعقة على قلب الجبش الأيوبي-الصليبي، فكسروا قوات حمص، وقتلوا منها المئات، وبدأت الميسرة بالتضعضع تحت وطأة هجمات الجيش المصري، وبدا كأنَّ الكثير من الجنود المسلمين تراجعت همَّتهم سريعًا؛ إذ كانت حالتهم المعنوية في الحضيض لأنهم يحاربون مسلمين آخرين من دينهم نفسه، ويرفعون راياتهم بجوار رايات الصليبيين، فانقلب الكثير منهم لمحاربة الفرسان الصليبيين مع المماليك والخوارزمية، لتتحول المعركة الضارية إلى ما يشبه مذبحةً مفتوحة لفرسان الصليبيين.

قُتِل الآلاف من الصليبيين، من بينهم المئات من فرسان المعبد، ومثَّلت تلك الخسارة ضربةً موجعةً للوجود الصليبي في الشام؛ إذ فقدوا خيرة فرسانهم ومقاتليهم، وأضعفت معركة غزة فرصهم في المبادرة عسكريًّا ضدَّ خصومهم من الأيوبيين وسواهم، وعجزوا عن تكرار حشد مثل هذا الجيش الكبير في السنوات والعقود التالية، وهكذا كان التفوق المملوكي ظاهرًا على فرسان المعبد في أولى المواجهات الكبرى بينَ الجانبيْن.

الظاهر بيبرس.. السحق بلا شفقة

ارتقى السلطان المملوكي الظاهر ركن الدين بيبرس عرش القاهرة عام 1260م (658هـ)، بُعيْد موقعة عين جالوت الفاصلة مع المغول، والتي انتهت بانتصارٍ باهر للمماليك، أعقبه في العام التالي انتصارٌ جديد على المغول في موقعة حمص الأولى، لينكفئ المغول لسنواتٍ في مشكلاتهم الداخلية ويلتقط الشام أنفاسه من غزواتهم المدمرة إلى حين.

بعد انشغاله في السنوات الأولى من حكمه بإعادة الاستقرار إلى مصر والشام وتعزيز سلطانه، والقيام بالعديد من الإصلاحات السياسية والإدارية، وجَّه الظاهر بيبرس تركيزه منذ عام 1266م (664هـ) إلى غزو الإمارات الصليبية الباقية في الشام، وقضمها قطعةً قطعةً حتى إفنائها، وفي شهر رمضان من ذلك العام، وبعد إغاراتٍ ناجحة على عدَّة مناطق صليبية، فرض جيش الظاهر بيبرس حصارًا مُحكمًا على قلعة صفد الحصينة، في شمال فلسطين المحتلة حاليًا، والتي كانت معقلًا لفرسان المعبد.

وعلى مدار أسابيع انهمرت قذائف المجانيق على أسوار صفد وتحصيناتها، وصار ليلها نهارًا وبدأت الثقوب تتسع في أسوارها، فراسل المتحصِّنون فيها بيبرس لطلب الأمان لأنفسهم، فاشترطَ عليهم ألا يُخرجوا معهم الأموال والكنوز، وأن يسلموا ما بحوزتهم من أسرى المسلمين وأطفالهم.

كان الظاهر بيبرس يكنُّ عداءً خاصًّا لفرسان المعبد، ولم يُرِد أن يخرجوا من صفد بكامل قوتهم فيكونوا عبئًا عليه في المعارك القادمة، ويروي كتاب «النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة» أنه خدع وفد الصليبيين الذي جاء لأخذ مرسوم الأمان، فأجلس في كرسي السلطان أحد أمراء المماليك يشبهُ الظاهر، فلم يميَّزه الصليبيون، وظنًّوه بيبرس، واستحلفوه من أجل الأمان فحلف لهم ما أرادوا من الأيمان المغلظة.

ولمَّا فتِّش الفرسان الخارجون من صفد وجدت معهم الأموال، وادَّعوا أن بعض أطفال المسلمين المأسورين هم أطفالهم، فأمر الظاهر بيبرس بقتلهم عن بكرة أبيهم وكانوا بالمئات، وتعلَّل بأنهم خالفوا الاتفاق، وأنه أيضًا لم يمنحُهم الأمان من الأساس، وإنما منحه لهم مملوكه. ثم أمر بيبرس بتجديد قلعة صفد، وعسكرَ فيها حاميةً قوية للاستفادة من موقعها الخطير على مقربة من عكا وجوارها من المناطق الساحلية الخاضعة للصليبيين.

عكا 1291م.. قتال حتى الرمق الأخير

على مدار أكثر من 30 عامًا، نجحت ضربات المماليك المتلاحقة في إضعاف الوجود الصليبي في الساحل الشامي، بالقضاء على أطرافه وبضربه في عمقه في وقت واحد، حتى تقلَّصت رقعة نفوذه الضيقة أصلًا إلى شريطٍ ساحلي مُكتنز، يضم صور وصيدا، وميناء عكا الحصين الذي كان يمثل عاصمة الصليبيين في الشام والحبل السري لإمدادِه من أوروبا. وكانت عكا آنذاك تمثل المعقل العسكري والمالي الأبرز لفرسان المعبد، ولذا كان الدفاع المستميت عنها أمام الهجوم المملوكي الكاسح هو إستراتيجية الفرسان.

وصل السلطان المملوكي الأشرف خليل بن قلاوون إلى بداية عكا في أبريل (نيسان) عام 1291م (690هـ)، وتحت رايته عشرات الآلاف من المقاتلين والفرسان من المماليك وغيرهم، ليوجِّه الضربة القاضية للوجود الصليبي بتحرير عكا، وحملَ جيش السلطان لهذا الغرض أكثر من 90 من المجانيق الضخمة صبَّت خلال الأسابيع التالية النار على أسوار المدينة وأبراجها وقلاعها لتبدأ بالتهاوي، وعجز المدافعون عن إصلاحها أولًا بأول مع تتابع القصف الشديد وما صاحبَه من هجمات متتالية شنَّها المقاتلون المسلمون لاقتحام الأسوار.

بعد 40 يومًا من بدء الحصار، ومع ضعف الإمدادات المحدودة التي وصلت بحريًّا لدعم عكا، شنَّ المماليك الهجوم الفاصل والذي بدأ بضرب الطبول والآلات النحاسية الضخمة ضربات موحدة مع مطلع النهار، ثم شنَّت القوة الضاربة المملوكية هجومًا شاملًا على أسوار عكا المنهارة، ومع منتصف نهار ذلك اليوم ارتفعت الأعلام المملوكية في سماء عكا وبدؤوا بتمشيط المدينة لقتل الصليبيين الموجودين فيها.

لوحة فرنسيَّة (مُتخيلة) تصوِّر حصار عكا ودفاع فرسان المعبد عن أسوارها، ويظهر فيها المماليك وهم يحاولون اعتلاء السور. مصدر الصورة: ويكيبيديا

تحصَّن المئات من فرسان المعبد وفرسان الإسبتارية في بعض الحصون داخل المدينة، ودافعوا بشراسة ضد المقاتلين المسلمين ليومٍ أو اثنين، ثم طلب الإسبتارية الأمان لأنفسهم وأهلهم وفرُّوا عبر البحر إلى أوروبا.

وأما فرسان المعبد فواصلوا المقاومة وبدؤوا بتخريب ما يمكن أن يستفيد منه المماليك بعد أخذ الحصون، ثم طلبوا التسليم مقابل الأمان. وأثناء عملية التسليم حصلت اضطرابات قتل فيها بعض المماليك المسؤولين عن استلام الحصن، فنَوَى الأشرف خليل إبادتَهم انتقامًا، وأخلَّ باتفاق الأمان وغدر بهم بعد يومين مع اكتمال التسليم، فقُتل من الفرسان ما لا يقل عن الألفين، وسُبيت نساؤهم وأطفالهم، وأخذوا ما بقي من ممتلكاتهم، ولم ينجُ منهم ويفر إلى البحر إلا قلَّة.

المذبحة والنهاية

مع سقوط عكا واندثار الوجود الصليبي في الشرق، أصبح وجود فرسان المعبد ونفوذهم الطاغي محلَّ تساؤلٍ كبيرٍ في أوساطٍ عديدة في أوروبا، وبدأ يُنظَر إلى وجودهم من جهاتٍ عديدة على أنه عبءٌ يجدُرُ التخلص منه. ومنذ عام 1303م، وبعد الرحيل التام من الشرق أصبحت باريس معقلًا لفرسان المعبد، وتصاعدت خلافاتهم مع الملك فيليب الرابع، ملك فرنسا، والذي أخذ في تحريض بابا روما، كليمنت الخامس، ضدهم، والذي لعب فيليب دورًا مهمًّا في وصوله إلى البابوية.

واحدة من كنائس فرسان المعبد، في العاصمة البريطانية لندن. مصدر الصورة: ويكيبيديا

وبتنسيق قوي بين فيليب وكليمنت، في يوم الجمعة 13 أكتوبر (تشرين الأول) 1307م، اعتُقل المئات منهم وعلى رأسهم زعيمهم، جاك دي مولي، وتعرضوا خلال السنوات القليلة التالية لمحاكمات كنسية انتهت في أحيانٍ كثيرة بالموت تحت التعذيب، أو بالموتِ حرقًا في الميادين، واتهموا بجرائم مختلفة مثل الهرطقة والإلحاد، والشذوذ الجنسي، والزنا، والفساد المالي، وصودِرَت أموالهم وممتلكاتهم، واستُهدِف العديد من معاقل فرسان المعبد خارج فرنسا بالتزامن مع ما وقع لهم في فرنسا، بأمرٍ من البابا، والذي أمر بحلِّ تنظيم فرسان المعبد رسميًّا عام 1312م.

وفي عام 1314م كُتبت خاتمة قصة فرسان المعبد بحرق زعيمهم جاك دي مولي ومن بقي معه من صفوة الفرسان.

وحتى اليوم تُنسَج القصص والأساطير عن فرسان المعبد، وأن لهم أدوارًا في تأسيس المحافل الماسونية التي واجهت نفوذ الكنيسة التي أمرت بإبادتهم قبل قرون.

المصادر

تحميل المزيد