يحتل إقليم السند – أحد أهم أقاليم دولة باكستان المعاصرة وأكثرها سكانًا – المدخل الشمالي الغربي لشبة القارة الهندية، بإطلالة فريدة على بحر العرب والمحيط الهندي. هذا الموقع الحيوي الذي جعل إقليمَ السند قريبًا على بُعدٍ، بعيدًا على قُربٍ، من شبه الجزيرة العربية، ومن العراق، كان طبيعيًا أن يضعَه في محط أنظار الفاتحين المسلمين منذ أن توغلت جيوشهم شرقًا في أراضي الإمبراطورية الفارسية الغاربة، في عهد  عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان.

عام 29هـ  هاجم الحكيم بن جَبلَة مدينة مكران، إحدى أبرز مدن السند، لكنه لم يشأ التوغلَ أكثر من ذلك، وخوّف الخليفة عثمان بن عفان من مغبَّة التعمُّق بعيدًا في تلك البلاد القاصية.

جرت محاولات تالية للتوغل في هذا الإقليم الحيوي في عهديْ معاوية بن أبي سفيان 41 – 60هـ، وعبد الملك بن مروان 65 – 86م الأمويّيْن، لكن لم تُسفِرْ تلك الغزوات المتكررة عن احتلال كامل الإقليم، إنما كانت جيوش الدولة الأموية تبسط سيطرتها على بعض الأجزاء أحيانًا، وتفقدها أحيانًا.

شاهد: وثائقي قصير عن فتوحات محمد بن القاسم الثقفي من أماكنها المعاصرة

تغيّر هذا المشهد في عهد الوليد بن عبد الملك الأموي، الذي أوعز إلى واليه على الشرق، الحجاجِ بن يوسف الثقفي، بالتوسع والفتوحات لأسبابٍ مختلفة نذكرها لاحقًا، ففُتِحَ إقليم السند الكبير بالكامل، وكان الشاب الصغير محمد بن القاسم الثقفي على موعدٍ من القدر ليكون صاحب هذا الإنجاز، ويظل اسمه إلى اليوم حاضرًا في وعي ولا وعي مسلمي تلك الأنحاء، خاصةً في باكستان، التي شهدت أراضيها أبرز صولات وجولات هذا الشاب الاستثنائي.

هكذا نشأ «فتى الأقدار»

وُلِدَ محمد بن القاسم في مدينة الطائف جنوب مكة المكرمة حوالي عام 72هـ، حيث معقل قبيلته ثقيف. كان يمكن للفتى أن يبقى فتى مغمورًا في بادية الطائف، لا يتسع سطرٌ واحد من التاريخ لمجرد ذكرِ اسمه، لكن كان للأقدارِ رأيٌ آخر، فساقتْهُ سوْقًا إلى حيثُ تنتظرُه المصائب الكبرى بوجْهيْها. وليس التركيز على تلك القدرية قدحًا في شخصِه وإمكاناته، فأكثر البشر لا يحسنون استغلال أقدارهم في فرض أنفسهم على كاتب التاريخ.

كانت البداية عام 75هـ، عندما نصّبَ خليفةُ دمشق عبد الملك بن مروان الأموي، الحجاجَ بن يوسف الثقفي – ابن عم محمد بن القاسم – واليًا على العراق وما يقعُ شرقَها من أقاليم، مكافأةً له على قيامِه عام 73هـ بالمهمة الثقيلة الملطّخة بالدم، والمتمثلة في احتلال الحجاز آخر معاقل الخليفة عبد الله بن الزبير، والذي تمرد الأمويون على بيعته، ونجحوا على مدار سنوات في سحب البساط من تحت قدميه، اعتمادًا على دهاةٍ وأصحابِ بطشٍ من أمثال الحجاج الثقفي، حتى آلت الأمور إلى وفاته شهيدًا في الحرم يحارب عن آخر بقعةٍ في ولايته.

انتقل الحجاج إلى العراق بمهمتيْن رئيستيْن، الأولى كانت في قمع أية بوادر معارضة أو تمرد في العراق، الذي كان دائمًا وأبدًا معقل المعادين للأمويين. أما المهمة الثانية فكانت توسيع حدود الإمبراطورية الأموية شرقًا حتى أواسط آسيا، وتوجيه الطاقات البشرية، والحماسة الدينية لنشر الإسلام، وفتح الأبواب المغلقة أمامه، خاصة لدى العراقيين، في ذلك الطريق، بدلًا عن انصرافها إلى شئون السياسة الداخلية والتمرد ضد الأمويين.

تاريخ وفلسفة

منذ سنة واحدة
الحجاج بن يوسف.. «مُعلّم القرآن» الذي قتل الصحابة ووحّد خلافة المسلمين

في ظل تلك الأجواء العاصفة استقدم الحجاج بعض أهل قرابته إلى العراق، ليكونوا عونًا له، وعصبةً تحيط به في ساحات الصراع المختلفة. من بين هؤلاء كانت القاسم الثقفي، والد محمد، والذي جعله الحجاج نائبًا له على مدينة البصرة، إحدى حواضر العراق الكبرى، لفترة من الزمن. وهكذا حملت الأقدار الصغير محمد إلى العراق، الذي سيكون مُنطلَقَه غيرَ بعيدٍ إلى صحفة عناوين كتاب التاريخ، وإلى قدرِهِ الحتمي كذلك.

بعد حينٍ انتقل محمد بن القاسم مع أسرته إلى مدينة واسط التي اختطّها الحجاج بالعراق، لتكون عاصمةً عسكرية لسلطانه على العراق والشرق. هنالك تشرّب محمدٌ الفنون العسكرية المتاحة في عصره، وبزغ نجمه كفارسٍ قوى، وطالعةِ قائد عسكريٍّ فذ.

تتحدّث المصادر التاريخية عن التفات ابن عمه الحجاج مبكرًا إلى مواهب ابن عمه الصغير، وإشرافه المباشر على تقدم مهاراته العسكرية والقيادية؛ مما أسهم كثيرًا في التطور المبكر اللافت لمحمد بن القاسم بالمقارنة بأقرانه في السن، وحتى في الحظوظ. ولم يكُن غريبًا بعد ذلك أن يزوجَه الحجاج بابنته زُبيْدة، لتتعزَّزَ الأواصر بينهما أكثر فأكثر.

في غضون ذلك كان الحجاج قد أحكم سيطرته المطلقة على العراق بالحديد والنار، وبقتل الآلاف بدمٍ بارد على أهونِ الشبهة، ونجحَ في قمعِ أخطر الثورات التي اندلعت في السنوات الأولى لحكمه، مثل ثورة عبد الرحمن بن الأشعث التي اشترك فيها الكثير من علماء وأعيانِ العراق، ونجحت في طرد جيوش الحجاج من حواضر العراق، إلا أن الحجاج نجح في الانتصار على الثورة بصعوبة شديدة في معركة دير الجماجم 82هـ الفاصلة، والتي أمدّه فيها الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان بخيرة الجيوش الشامية، التي تمثل عصب الدولة وقوتها الضاربة.

بعد أن اطمأنّ الحجاج إلى هيمنته على الأوضاع الداخلية، انصبّ تركيزه وتركيز خلافة دمشق على الفتوحات العسكرية شرقًا فيما وراء بلاد فارس – إيران – في كافة اتجاهات التمدد، ومن بينها الاتجاه الجنوبي الشرقي حيث إقليم السند.

الأنظار تتجه إلى السند

في أول اختبارٍ حقيقيٍّ على أرضِ الواقع لمواهب محمد بن القاسم، كلّفَهُ الحجاج بقمع تمردٍ كردي صغير في بلاد فارس، فنجح في تلك المهمة بشكلٍ باهر لابن عمه، لدرجةٍ دفعتْهُ لتعيينِه نائبًا له على فارس، وهو ما يزال دون السابعة عشر من عمره، بديلًا عن واليها السابق محمد بن يوسف الثقفي، أخي الحجاج.

اتّخَذَ محمد بن القاسم من مدينة شيراز قاعدةً لسيطرتِه، فأنشأ بها قصرًا فاخرًا ليكون دار الإمارة، وأقام بها معسكرات التدريب العسكري، وشجع على الانتقال إليها فازدهرت أحوال المدينة بسرعة، وساعدَ على ذلك ما ظهر على الوالي الشاب من نبوغٍ سياسيٍ وقيادي.

أوكلَ الحجاجُ لابن عمه اليافع مهمة إخضاع منطقة جُرجان الفارسية غير البعيدة عن بحر قزوين في شمال بلاد فارس، فنجح في مهمته، وذاع صيته في تلك الأرجاء، وشهد له القاصي قبل الداني بالحزم والعزم.

كذلك كانت ولاية فارس ملاذًا لبعض فلول ثورة ابن الأشعث ضد الحجاج، فشدّد الأخير على ابن عمه أن يلاحقَ هؤلاء. في إحدى تلك الوقائع التي يرويها الطبري، أمرَ محمد بن القاسم بجلدِ أحد الشيعة 400 جلدة، لرفضِه إعلان الطاعة.

في تلك الأثناء، وإلى الجنوب من إمارة ابن القاسم، بدأت الأنظار تتجه إلى إقليم السند، والذي شاعت القرصنة البحرية انطلاقًا من موانيه مثل ميناء الديبل، واستهدف التجار العابرين في المحيط الهندي، وبحر العرب، ومنهم العرب والمسلمون، والذي كثُرَث شكاياتهم من تلك الأعمال إلى الحجاج.

محمد بن القاسم الثقفي

السند قبل الفتح الاسلامي مباشرة

في إحدى الوقائع المفصلية استولى قراصنة السند على سفينة تحمل عددًا من الأرامل المسلمات قادمةً من سيريلانكا، واللواتي سباهن اللصوص. فلما وصل الخبر إلى الحجاج، ثارت حميته.

ينقل البلاذري في فتوح البلدان أنه وصل إلى علم الحجاج أن إحدى الأسيرات أثناء الهجوم على سفينتهن، صاحت مستنجدةً: «يا حجاج». وإن صحت تلك الرواية، فهي تفسر إصرار الحجاج على الانتقام، وفتح ذلك الإقليم، بالرغم من أنه لا يمثل مطمعًا اقتصاديًا أو سياسيًا كبيرًا، مقارنة بوجهات أخرى للفتوحات. تذكر روايات أخرى شبيهة أن إحدى هؤلاء الأسيرات نجحت في إرسال خطاب إلى الحجاج تستنجد به شخصيًا؛ مما أثارَ نخوتَه. الخلاصة أن الحادثة لن تمرَ مرور الكرام.

«يا لبّيكِ.. يا لبّيكِ.. يا لبّيكِ» *صيحة الحجاج في مجلسه عندما بلغتهُ استغاثة الأسيرة

أرسل الحجاجُ رسالة شديدة اللهجة إلى الملك ضاهر، ملك السند وجواره، يطالب بتسليم الأسيرات، وما كان بحوزتِهِنّ من أموال، فرفضَ ضاهر، متعلّلًا بصعوبة التعرف على هوية الجُناة، وبأنّه لا يسيطر على أنشطة هؤلاء القراصنة.

قرّر الحجاج حينئذٍ الانتقامَ عسكريًا، وفتح تلك البقاع، وضمها إلى الدولة الأموية. أرسلَ الحجاجُ حملتيْن عسكريّتيْن متتابعَتيْن، لكنهما باءَتا بالفشل، فقرر عام 92هـ اللجوء إلى إحدى أهم أوراقه الرابحة، فكلّف ابن عمه محمد بن القاسم الثقفي بمهمة غزو السند.

فاتحٌ دون العشرين

انطلَق ابن القاسم وهو ابن 17 عامًا فحسب، من شيراز، على رأسِ جيشٍ قوي، يضم 6 آلاف من فرسان الشام – الخزان الرئيس للقوة العسكرية الأمويين – والآلافَ من العراقيين من البصرة والكوفة.

جهّز الحجاجُ الحملةَ بسخاءٍ شديد، ليضمن ألا يتكررَ الإخفاق. شُحِنَت المجانيق وآلات الحصار بحرًا صوبَ السند، وذلك لضمانِ سرعةِ نقلِها، وإعطاء الجيش البري المزيد من حركة الحركة، والقدرة على الانقضاض السريع على حصون الأعداء. كذلك أوصى الحجاجُ محمدًا بأن يطمئنَه على سير الأحداث مرحلةً بعد مرحلة، عبر فرسانٍ سِراع يحملون البريد، فلم تكن تمر أيامٌ ثلاثة دون تواصلٍ بين الرجلين.

استولى محمد بن القاسم في طريقة إلى السند على مدينتيْ قنزابور وأرمائيل. لكن كانت البداية الحقيقية للغزوة مع ميناء الديبل، المطل على بحر العرب.

فتح الديبل

نصب الجيش منجنيقًا هائل الضخامة لاستهداف دفاعات الديبل، حتى أن بعض الروايات تتحدث عن أن طاقم العمل عليه يبلغ أكثر من 500 رجل. كان أول أهداف المنجنيق هو سارية، على منارةٍ شديدة الارتفاع عليها علم يخفق في سماء المدينة، ولها قدسية لدى السكان. انهارت السارية تحت القصف؛ مما أثر سلبًا على معنوياتِ المدافعين.

خرجت الحامية من المدينة لتنفيذِ هجوم يائس على جيش المسلمين علّها تكسر الحصار، لكنها سُحِقَت بشراسة، ثم اقتحَم جيش ابن القاسم أسوارَ المدينة على السلالم، وبذلك فُتِحَت المدينة عُنوة، وأصبحت مستباحة.

بناء على تعليمات الحجاج بن يوسف بالانتقام الشرس من الديبل بسبب حادثة القرصنة، استمرت رحى القتل دائرة بسكانها ثلاثة أيام، كما أُحرِقَ المعبد الرئيس للهندوس بالمدينة، ثم أمر محمد بن القاسم بإنشاء مسجد في وسط المدينة، وأسكن بها مئات المسلمين لتعميرها.

ما بعد الديبل.. الصدام مع الملك داهر

«أعمِل السيفَ في المحاربين، وخذ أبناءهم أسرى. أما المسالمين، فامنحهم الأمان والذمة ما دفعوا الجزية» *من وصايا الحجاج لابن القاسم عندما وجَّهَهُ لفتح السند

بعد فتح الديبل، اتجه ابن القاسم بجيشهِ شمالًا، حيث صالحته مدنٌ عديدة على السلم مقابل تزويد جيشه بما يحتاجه من المؤن، والخضوع لسيطرة المسلمين، من أبرز مدينتيْ نيرون وسادوسان.

كذلك انضم الآلاف من سكان تلك الأنحاء إلى جيش ابن القاسم الذي أثار الإعجاب بقوته وحزمه على حداثة سنّه، وأيضًا بالتزامه بعهوده مع المدن المسالمة.

علمت عيون ابن القاسم أن الملك داهر قد حشد قوته الضاربة على الضفة الشرقية لنهر إندوس، فأرسل إلى الحجاج يطلب مزيدًا من المدَد، وكمُن أيامًا في وقفةٍ تعبوية للاستعداد للصدام الكبير القادم، ثم عبر النهر بمعونة حلفائه المحليين من الصيادين وأصحاب القوارب.

خريطة لموقع ميناء الديبل

قرب مدينة روهري – في باكستان الحالية – دارت موقعة شرسة بين جيشيْ ابن القاسم، وملك السند داهر، والذي ضم جيشُه العديد من الفيلة لإخافة خيول المسلمين، لكنها لم تنفعْ جيش داهر كثيرًا.

قُتِلَ داهر في المعركة مع الآلاف من جنوده، وأمرَ ابن القاسم بقتلِ جميع الأسرى العسكريين، واقتصرَ الأمان على المدنيين فحسب كالتجار والصُّناع.

انهارت المقاومة في سائر أرجاء السند، فسقطت حواضره الأخرى كبراهمان أباد، وكرمان، وألور وغيرها دون مقاومة حقيقيةٍ، وطلبت غالبية المدن والأمان الصلح، تجنبًا لمصير المدن المفتوحة بالقوة، والتي كان يطبق عليها حكم بني قريظة، بقتل الرجال المقاتلين، واسترقاق النساء والأطفال.

وهكذا أصبح محمد بن القاسم أول قائد مسلم ينجح في فتح كامل بلاد السند، وتثبيت دعائم الوجود الإسلامي هناك، لا مجرد الإغارة، والسيطرة المؤقتة.

شجع ابن القاسم سكان المدن المُؤمّنة على العودة لحياتهم الطبيعية، ولم يبالغْ في تقدير الجزية والخراج، فعادت الأنشطة التجارية والزراعية والحياتية للازدهار سريعًا.

لماذا نجح ابن القاسم فيما فشل فيه فاتحون سابقون؟

بجانب مواهب العسكرية والإدارية الاستثنائية، بالنظر إلى كونِه شابًا دون العشرين، فقد اجتمعت عوامل أخرى ساعدت على نجاح الفتح بهذه السرعة الدراماتيكية. فقج جُهّزَت الحملة بشكلٍ جيدٍ من النواحي المالية واللوجستية والتنظيمية، إذ أنفق عليها الحجاج حواليْ 6 مليون دينار (جاءت الغنائم ضعف هذا الرقم) كما ظهر فارق في الأسلحة، لاسيّما في آلات الحصار كالمجانيق.

كذلك أدت سياسة العصا الغليظة والجزرة، التي تبنّاها ابن القاسم، في تعامله مع المدن التي تصر على المقاومة، وتلك التي تسارع بطلب السلام، إلى تشجيع العديد من حواضر السند على المبادرة بالخضوع، والحصول على الأمان، ومزاياه العديدة.

كذلك لم يكُن الملك داهر، ودائرة الحكم من حوله، محبوبين لدى قطاعاتٍ واسعة من الشعب في السند، خصوصًا مع كونه هندوسيًا، وغالبية الشعب من البوذيين وأصحاب معتقداتٍ أخرى. بينما أظهر المسلمون تحت قيادة ابن القاسم تسامحًا دينيًا كبيرًا؛ ما التزم غير المسلمين بالمسالمة ودفع الجزية، فحافظوا على معابدهم، وسمحوا لهم بالاحتكام إلى شرائعهم لا الشريعة الإسلامية، في شئونهم.

وبالرغم تسجيل بعض المصادر الهندية والاستشراقية وجود تجاوزات دينية من المسلمين في السند تجاه غيرهم، لاسيما تدمير المعابد في البلاد المفتوحة عنوة، فلم يُسجل اتجاه عام للتحويل القسري للإسلام، ويشهد بذلك الانتشار البطيء والتدريجي للإسلام في السند بمرور القرون.

بالإضافة إلى ما سبق فقد اكتسب ابن القاسم رضا النخب المحلية بإشراكهم في الإدارة، مثل كاكسا، أحد الأعيان الهندوس، الذي اعتُبر أحيانًا ثاني أهم رجل في السند بعد ابن القاسم.

نهايةٌ مُفجعة للفاتح الشاب

ومن صَحِبَ الدنيا طويلًا تقلّبَتْ … على عينِهِ حتى يرى صِدقَها كِذبا

*أبو الطيب المتنبي

أخذت الأقدار الفاتحَ الشاب على حينِ غرة، بينما كان في عنفوان شباب مجده السياسي والعسكري، فتخطّفَتْهُ طيور السياسة، وألْقَت به رياحُها الهوجاء في جُبّ سجنٍ سحيق.

بينما كان ابن القاسم يعد العدة لغزواتٍ تالية، جاءه النُّعاة بخبر وفاةِ ابن عمه وأبي زوجته، الحجاج الثقفي عام 95هـ، فكانت تلك قاصمةُ الظهر. ولم يكد يمر عامٌ، حتى تُوُفي الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك، والذي كان كأبيه، يعتبر الحجاج ورجالَه، ومنهم ابن القاسم، هي عصب الدولة، ويدها الباطشة، وتمتّع الحجاج في عهده بصلاحياتٍ مطلقة في فعل ما يحلو له، بغير سقف، لإحكام قبضة الدولة.

جاء الخليفة الجديد سليمان بن عبد الملك بأجندةٍ سياسية مختلفة تمامًا، فقد كان العدو الأكبر للحجّاج بغير مواربة، وكان يهدّدُ علانيةً بأن أولَ ما يفعله في ولايته هو نكبة الحجاج وكل رجالات عصره. وكان للحجاج أعداء كُثرٌ بين العامة والخاصة، يتلهّفون للانتقام منه، ويترقبونَ أوان انتهاء دولة الوليد بن عبد الملك.

دفعَ هذا الحجاج لاستغلال نفوذه لدى الوليد لصرف ولاية العهد عن أخيه سليمان، إلى أحد أبناء الوليد، لتبقى حظوظ الحجاج رائجة، لكن على أرض الواقع لم ينَلْ الحجاج من تلك الحظوظ سوى واحدٍ، تمثّل في وفاتِهِ قبل ولاية سليمان بعام.

بمجرد إتمام البيعة للخليفة الجديد عام 96هـ، أصدرَ أوامره بعزل محمد بن القاسم من ولاية السند. وولى على كلٍّ من العراق والسند أعداءً للحجاج، وعلى رأسهم يزيد بن المهلب، الذي سجنه الحجاج، وتزوجَ أخته هندًا على غيرِ إرادتِها.

اعتقلَ والي السند الجديد، يزيد بن أبي كبشة، محمدًا بن القاسم، وأرسل مقيدًا إلى واسط، حيث انتظره صالح بن عبد الرحمن، عامل خراج العراق الجديد، والذي كان الحجاج الثقفي قد قتلَ أخاه لخروجه عليه. لم يكتفِ صالح بن عبد الرحمن بسجنِ محمد بن القاسم، إنما أمعن في تعذيبه، حتى توفُيَ في محبسِه وهو ابن 20 عامًا.

فلئن ثَويْتُ بواسطٍ وبأرضها … رهنَ الحديد مُكبّلا مغلولا

فلرب فتية فارس قَدْ رعتها … ولَرُبَّ قِرْنٍ قَدْ تركتُ قتيلا

*محمد بن القاسم يرثي نفسَه

نزلت أخبار وفاة محمد بن القاسم كالصاعقة على أهل السند مسلمين وغير مسلمين، حتى تتحدث بعضُ الروايات عن بكائهم عليه فى الشوارع أيامًا. في العقود التالية اضطربت الأحوال في السند لتمرد بعض أبناء الملك داهر، لكن مع بداية العصر العباسي، كانت السيطرة الإسلامية هناك قد استقرّت، وإن لم ينجح المسلمون مبكرًا في التوغل شرقًا وجنوبًا تجاه الهند، بضراوة المقاومة، حتى قرونٍ تالية، ولكن لهذا قصة أخرى.

تاريخ وفلسفة

منذ شهرين
قصة الشاب المسلم الذي علم الملكة فيكتوريا لغة الإسلام في الهند

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد