تم نشر هذا المقال لأول مرة في نوفمبر 2006، وهو ذو أهمية خاصة لفهم عملية زعزعة الاستقرار والتفتيت السياسي الجارية في العراق.

كانت وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس أول من استخدم مصطلح “الشرق الأوسط الجديد” وذلك في تل أبيب، في يونيو 2006 ، بدلا من المصطلح القديم ” الشرق الأوسط الكبير “. ولقد قامت الوزيرة الأمريكية مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بالترويج لمصطلح ومفهوم “الشرق الأوسط الجديد”، أثناء الحصار الإسرائيلي للبنان الذي حظي برعاية أنجلو-أمريكية.

وكان هذا الإعلان بمثابة تأكيد ل”خارطة الطريق العسكرية” في الشرق الأوسط بالاتفاق بين الولايات المتحدة وبريطانيا وإسرائيل. ويهدف هذا المشروع، إلى خلق حالة من عدم الاستقرار والفوضى تمتد من لبنان وفلسطين وسوريا إلى العراق والخليج وإيران، وحتى أفغانستان.

وقد قدمت واشنطن وتل أبيب مشروع “الشرق الأوسط الجديد” علنا، مستخدمتين الوضع في لبنان كأداة ضغط لإعادة تنظيم المنطقة، وبالتالي إطلاق العنان لقوى “الفوضى البناءة” التي تؤدي إلى انتشار العنف في جميع أنحاء المنطقة لتمكن الولايات المتحدة وبريطانيا وإسرائيل من إعادة ترسيم خريطة الشرق الأوسط وفقا لأهدافها الجيوستراتيجية .

خريطة الشرق الأوسط الجديد

صرحت كوندوليزا رايس خلال المؤتمر الصحفي بأن  “ما نراه هنا (في إشارة إلى الاعتداءات الاسرائيلية على لبنان)، ما هو إلا آلام المخاض لولادة ‘الشرق الأوسط الجديد’ ويجب أن نكون على يقين من أننا ندفع نحو شرق أوسط جديد ولن نعود إلى القديم ”

وقد قوبلت تصريحات رايس بانتقادات واسعة، لعدم اكتراثها لمعاناة أمة كانت تتعرض للقصف العشوائي من قبل سلاح الجو الإسرائيلي.

خارطة الطريق العسكرية الأنجلو-أمريكية في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى

ويبدو أن العراق المحتل، وخاصة كردستان العراق، كان الأرض التحضيرية لبلقنة (تقسيم) الشرق الأوسط. وبالفعل يتم التخطيط لتقسيم العراق إلى ثلاثة أجزاء عن طريق مجلس النواب العراقي وباسم الفيدرالية العراقية. وعلاوة على ذلك، يبدو أن خارطة الطريق العسكرية الأنجلو أمريكية تتسابق على الدخول إلى آسيا الوسطى عبر الشرق الأوسط. ويعتبر الشرق الأوسط وأفغانستان وباكستان نقاط انطلاق لتوسيع نفوذ الولايات المتحدة في الجمهوريات السوفيتية السابقة في آسيا الوسطى.

لذلك، فإن العديد من علماء روسيا وآسيا الوسطى والخبراء العسكريين يعتبرون منطقة آسيا الوسطى نقطة ضعف الاتحاد الروسي. وتجدر الإشارة إلى أن زبيغنيو بريجنسكي، مستشار الأمن القومي الأمريكي الأسبق، أشار في كتابه رقعة الشطرنج الكبرى إلى استخدام الشرق الأوسط الجديد كأداة للسيطرة على المنطقة التي أسماها “البلقان الأورو-آسيوية والتي تتكون من القوقاز (جورجيا وجمهورية أذربيجان، وأرمينيا) وآسيا الوسطى (كازاخستان وأوزبكستان وقيرغيزستان وطاجيكستان وتركمانستان وأفغانستان) وإلى حد ما كل من إيران وتركيا.

خريطة “الشرق الأوسط الجديد”

على الرغم من أن الخريطة لا تعكس عقيدة البنتاغون رسميا، إلا أنها استخدمت في برنامج تدريبي في كلية الدفاع لحلف الناتو لكبار ضباط الجيش. ويبدو أن هذه الخريطة تستند على عدة خرائط أخرى، بما في ذلك الخرائط القديمة للحدود المحتملة في الشرق الأوسط والتي يرجع تاريخها إلى الحرب العالمية الأولى. عرضت هذه الخريطة على أنها من بنات أفكار اللفتنانت كولونيل المتقاعد رالف بيترز، الذي يؤمن أن إعادة ترسيم الحدود على النحو الوارد في الخريطة سوف يقدم حلا جذريا لمشاكل الشرق الأوسط المعاصر.

لقد كانت تلك الخريطة عنصرا رئيسيا في كتاب بيترز ” لا تترك المعركة”، الذي صدر في 2006، كما نشرت أيضا تحت عنوان “حدود الدم: كيف يبدو الشرق الأوسط أفضل حالا” مع تعليق بيترز، في مجلة القوات المسلحة الأمريكية.

شر لا بد منه

يعترف بيترز بأن أطروحاته وحشية، لكنه يصر على أنها شر لا بد منه لشعوب الشرق الأوسط، ويطرح تفكيك وإعادة تجميع الدول القومية في الشرق الأوسط كحل للنزاعات المسلحة في المنطقة، ولكن هذا كذب صراح. ما لا تعترف به وسائل الإعلام هو حقيقة أن الصراعات الكبرى التي يعاني منها الشرق الأوسط كلها تقريبا نتيجة لتداخل الأجندات الأمريكية والبريطانية والإسرائيلية.

إن العديد من المشكلات التي تؤثر في الشرق الأوسط المعاصر ما هي إلا نتيجة للتضخيم المتعمد للتوترات الإقليمية القائمة، فلطالما قامت الولايات المتحدة وبريطانيا باستغلال التقسيم الطائفي والتوتر العرقي في مختلف أنحاء العالم بما في ذلك الشرق الأوسط. وما العراق إلا أحد الأمثلة على هذه الاستراتيجية الأنجلو-أمريكية أي سياسة “فرق تسد”.

ويعد عدم وجود ديمقراطية حقيقية إحدى مشكلات الشرق الأوسط، وهو الأمر الذي تسعى السياسة الخارجية الأمريكية لعرقلته عن عمد. وكانت واشنطن تطالب ب “ديمقراطية” على النمط الغربي فقط في الدول الشرق أوسطية التي لا تذعن لمطالبها السياسية، بينما لا تنزعج الولايات المتحدة من انعدام الديمقراطية في السعودية ومصر والأردن، لأنها تدور في فلك السياسة الأنجلو-أمريكية.

بالإضافة إلى ذلك، فإن الولايات المتحدة قد عرقلت عن عمد حركات ديمقراطية حقيقية في الشرق الأوسط، من إيران في عام 1953 (حيث تم الانقلاب ضد حكومة مصدق برعاية أمريكية) إلى المملكة العربية السعودية ومصر وتركيا، ودول الخليج، والأردن، حيث يدعم التحالف الأنجلو-أمريكي السيطرة العسكرية والحكم المطلق.

الاحتجاجات التركية في الكلية العسكرية لحلف الناتو

أثارت خريطة كولونيل بيترز عن” الشرق الأوسط الجديد ” ردود أفعال غاضبة في تركيا، فقد عرضت خريطة “الشرق الأوسط الجديد” في الكلية العسكرية لحلف الناتو في روما، مما أثار غضب الجيش التركي، حيث أن الخريطة تقترح تقسيم تركيا. وقد حصلت الخريطة على شكل من أشكال الموافقة من أكاديمية الحرب الوطنية الأمريكية قبل كشف النقاب عنها أمام ضباط حلف شمال الأطلسي في روما.

وقد اتصل رئيس الأركان التركي الجنرال بويوكانيت برئيس هيئة الأركان المشتركة اﻷمريكي، الجنرال بيتر بيس، واحتج على هذا الحدث.

ما العلاقة بين مشروعي بريجنسكي “البلقان الأورو-أسيوي” و “الشرق الأوسط الجديد”؟

فيما يلي مقتطفات هامة ومقاطع من كتاب مستشار الأمن القومي الأمريكي السابق زبيغنيو بريجنسكي، رقعة الشطرنج الكبرى: يذكر بريجنسكي أن كلا من تركيا وإيران، “يحتمل أن تكونا عرضة لصراعات عرقية داخلية،” وأنه “إذا تم زعزعة الاستقرار في أي منهما أو كليهما، فإن المشاكل الداخلية في المنطقة لن يصبح بالإمكان السيطرة عليها “.

ويبدو أن تقسيم العراق و بلقنته سيكونان أفضل وسيلة لتحقيق هذا، فهناك اعتقاد في البيت الأبيض بأن “الفوضى الخلاقة” في الشرق الأوسط ستفيد في إعادة تشكيل الشرق الأوسط، وخلق “الشرق الأوسط الجديد”.

إن كلمة البلقان في أوروبا تستدعي إلى الذهن صورة الصراعات العرقية والتنافس بين القوى العظمى، بينما “البلقان الأورو-آسيوي” مكتظ بالسكان ومتنوع عرقيا وعقديا بصورة أكبر بكثير. وتعد تلك المنطقة من أكثر المناطق التي تشهد حالة من عدم الاستقرار على مستوى العالم، و تشمل مناطق جنوب شرق أوروبا، وآسيا الوسطى، وباكستان وكشمير وغرب الهند والخليج العربي والشرق الأوسط.

وتعتبر تلك المنطقة ذات أهمية جيوسياسية خاصة، و ذلك من ناحية الأمن والطموحات التاريخية لثلاثة على الأقل من جيرانها، روسيا وتركيا وإيران، بالإضافة إلى الصين التي تظهر اهتماما متزايدا بتلك المنطقة، بينما تعتبر الأهمية الاقتصادية للمنطقة هي الأكثر على الإطلاق، فهي تحتوي على احتياطيات هائلة من الغاز الطبيعي والنفط. وفي ظل التزايد المستمر لاستهلاك الطاقة في العالم، فإن الوصول إلى تلك الموارد والثروات يعتبر هدفا يثير الطموحات القومية والتطلعات الاستعمارية.

وتشمل منطقة “البلقان الأورو-آسيوي” تسعة بلدان، بالإضافة إلى اثنين آخرين كمرشحين محتملين. الدول التسع هي كازاخستان، قيرغيزستان، طاجيكستان، أوزبكستان، تركمانستان، أذربيجان، أرمينيا وجورجيا التي كانت تشكل جزءا من الاتحاد السوفياتي السابق، فضلا عن أفغانستان.

أما الدولتان المحتمل إضافتهما إلى القائمة فهما تركيا وإيران، فهما دولتان على قدر كبير من التقدم سياسيا واقتصاديا، وتتنافسان على النفوذ الإقليمي في المنطقة، وبالتالي فهما يلعبان دورا جيوستراتيجيا هاما، بالإضافة إلى أنهما عرضة لصراعات عرقية داخلية.

إعادة ترسيم منطقة الشرق الأوسط

إن الأسباب الكامنة وراء الحرب العالمية الأولى ليست ببساطة اغتيال وريث عرش الإمبراطورية النمساوية المجرية في سراييفو، فقد كانت العوامل الاقتصادية هي الدافع الحقيقي للحرب الموسعة في عام 1914.

أكد نورمان دود، وهو مصرفي سابق في وول ستريت ومحقق لدى الكونجرس الأمريكي، في مقابلة عام 1982 أن أولئك الذين تحكموا في اقتصاد الولايات المتحدة وسياساتها وحكومتها كانوا هم من خطط لتوريط الولايات المتحدة في الحرب لإحكام قبضتهم على السلطة.

وقد جاء في نص مقابلة نورمان دود مع ج. ادوارد غريفين:

“في عام 1908، وهي السنة التي بدأت فيها مؤسسة كارنيغي عملها، أثار اجتماع الأمناء سؤالا محددا، وهو: هل هناك أي وسيلة أكثر فعالية من الحرب يمكنها تغيير حياة شعب بأكمله؟ وقد استنتجوا أن الحرب هي أكثر الوسائل فعالية لتحقيق هذه الغاية.لذلك قاموا في عام 1909 بمناقشة كيفية إشراك الولايات المتحدة في الحرب، وكان الحل المطروح هو السيطرة على وزارة الخارجية.

وبعد أن قامت الحرب العالمية الأولى، أرسلوا إلى الرئيس ويلسون برقية يحذرونه فيها من مغبة انتهاء الحرب بسرعة. وأخيرا، وبعد أن وضعت الحرب أوزارها،
صبوا اهتمامهم على منع ارتداد الحياة في الولايات المتحدة إلى ما كانت عليه قبل الحرب.”

تخضع إعادة ترسيم الشرق الأوسط لأهداف اقتصادية واستراتيجية وعسكرية واسعة النطاق، والتي هي جزء من برنامج طويل الأمد للسياسة الأنجلو-أمريكية والإسرائيلية في المنطقة. فقد تم تحويل الشرق الأوسط من قبل قوى خارجية إلى قنبلة موقوتة قد تنفجر في حالة شن هجمات جوية أنجلو-أمريكية أو الإسرائيلية ضد إيران وسوريا. كما يمكن أن يؤدي قيام حرب أوسع نطاقا في الشرق الأوسط إلى إعادة ترسيم الحدود بما يخدم المصالح الاستراتيجية الأنجلوأمريكية والإسرائيلية.

لقد قاموا بزرع بذور العداء في بلاد الشام، وأشعلوا حربا أهلية فلسطينية وحركوا الانقسامات في لبنان، كما تستمر شيطنة سوريا وإيران من قبل وسائل الإعلام الغربية، وذلك بهدف تمرير خططهم العسكرية. كما غذت وسائل الإعلام الغربية مفاهيم مغلوطة عن استحالة التعايش بين أهل العراق الشيعة و السنة والاكراد.

لقد حاولوا خلق العداء بين مختلف المجموعات العرقية والدينية في الشرق الأوسط بصورة منهجية. والأسوأ من ذلك، أن العديد من حكومات الشرق الأوسط قامت بمساعدة واشنطن في إثارة الانقسامات لإضعاف حركة المقاومة ضد الاحتلال الأجنبي من خلال “استراتيجية فرق تسد” التي لا تخدم سوى المصالح الأنجلو-أمريكية والإسرائيلية في المنطقة.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد