يا صديقي، كان ابن تيمية، رحمه الله يقول: «مثل الأخوة في الله كمثل العين واليد، إذا أدمعت العين مسحت اليد دمعها، وإذا تألمت اليد بكت العين لأجلها»، وقال الإمام علي بن أبي طالب، رضي الله عنه: «الرَّجل بلا أخٍ كشمالٍ بلا يمينٍ»، والمقصود بالأخ هنا هو الصديق.

لذا، تتعدد المواقف التي يأتي فيها الصديق قبل الأخوة والأخوات، على الرغم من اختلاف قدر الحب وصلات الدم، وبالرغم من تباين المسافات ببعد الصديق وقرب الأخوة.

لذلك حرص العرب على تفصيل منازل الصداقة بصورة رائعة، ولا يمكن أن نختصر التعريف بمن نعرف بمفردة أو مفردتين، فقد تواردت في كل منزلة منها الأشعار وتعددت في إظهارها الحكم والأمثال، وحث الحكماء بدورهم في الأزمان المختلفة كل إنسان على التحلي بصفات الصديق السوي، لأنها السبيل لمجتمع مترابط يسوده الحب والوفاء.

وقبل كل هذا كانت اللغة العربية في ذلك هي حجر الزاوية، إذ وفرت السُبل اللازمة للتعبير، وأقامت صروح البلاغة، وأثْرت ميادين الفكر بمفرداتها، وأبانت ملكة الألسن لكل مستمع وقارئ، وعرضت كل ذلك للقاصي والداني في أبهى حُلة، وأعذب لفظ، وأبلغ معنى.

فكما عبرت اللغة العربية عن الحب الذي لا يعرف له اسم أو وصف في اللغات الأخرى سوى بمفردة أو مفردتين، بأكثر من أربعة عشر اسمًا طبقًا لتعدد المنازل وقرب العلاقة، أثرتنا أيضًا بكم هائل من المفردات التي تحدد درجات الصداقة طبقًا لقدرها في قلب من تربطهم تلك الصلة، ومدى قوتها، وزمن التعارف أيضًا، لتأتي منازل الصداقة على ثلاثة عشر منزلة هي كالتالي:

1- التِرب: وهو المماثل في العُمر. لأن تماثل الحقبه العمرية يعطي الفرصة الملائمة لتكوين شخصية مماثلة لكل منهما، بالإضافة لإثرائها بصورة مشابهة من العادات والتقاليد التي تقرب درجات الفكر والتفاهم بينهما.

2- الزميل: وهو الشخص الموجود معك بمكان العمل أو الدراسة. ولكونه موجودًا بمكان العمل والدراسة فإن تشابه المعلومات التي يجري تحصيلها لدى كل منكما يعزز فرص التواصل وخلق مجال لتكوين تلك العلاقة، لكنها لا تتعمق بقدر المنازل نفسها التي تليها.

3- الجليس: من يجالسك بصورة منتظمه في مجلس معين، كمجلس العلم أو مجلس الحُكم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنَّما مَثَلُ الجَلِيسِ الصَّالِحِ، والْجَلِيسِ السَّوْءِ، كَحامِلِ المِسْكِ، ونافِخِ الكِيرِ، فَحامِلُ المِسْكِ: إمَّا أنْ يُحْذِيَكَ، وإمَّا أنْ تَبْتاعَ منه، وإمَّا أنْ تَجِدَ منه رِيحًا طَيِّبَةً، ونافِخُ الكِيرِ: إمَّا أنْ يُحْرِقَ ثِيابَكَ، وإمَّا أنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً». [٨]

4- السمير: ذاك الشخص الذي لا تحدثه إلا في الليل يسمى السمير من المسامرة؛ ففي الليل تصفو القلوب، وتتحسن الطباع، وتكثر أوقات السمر المليئة بفيض الكلام ومصداقيته.

5- النديم: وهو الشخص الذي تشاركه مجالس الشراب. حيث كانت عادة العرب تخصيص أماكن ومجالس للشرب، وبالطبع أصدقاء للشرب فقط لا يجتمعون بهم إلا في تلك المجالس.

6- الصاحب: ومعناها الملازم لك، من كثرة مرافقته لك. فمن يخرج معك يوميًّا ويشاركك المجالس والنزهات هو صاحبك. ومنه قول الحسن البصري رحمه الله «تواصلوا مع أصحابكم، فالصاحب الوفي مصباح مضيء، قد لا تدرك نوره إلا إذا أظلمت بك الدُنيا».

7- الرفيق: هو الصاحب المرافق في الأسفار والترحال، ومنه قول العرب: اختر الرفيق قبل الطريق.

8- الصديق: من الصدق وهو الصاحب صادق الود. دائم الصدق في المعاملة والعشرة والألفة والوفاء. ومنه قول الحكيم لما سئل: أيهما أحب إليك: صديقك أم أخيك؟ فقال بل أخي إن كان لي صديقًا.

9- الخِل/ الخليل: وهو من تخللت محبتك في قلبه فيشتاق لك وقت الغياب، حتى وإن قصر أمده، قال تعالى: «الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ».[٦]

10- الأنيس: من تأنس بوجوده فلا تصيبك وحشة ولا تعرف لك الوحدة طريقًا.

11- النجي: هو من يعرفك من نظراتك، فيصبح الكلام بينكما بالهمهمة كشفرة مخفية.

12- الصفي: هو الصديق المختار، صفوة الصفوة من الصحبة. من تحدثه أولًا دون الجمع، ومن تسأل عنه أولًا قبل البقية.

13- القرين: الرفيق الدائم في الحل والترحال، لا يفارق صاحبة إلا مع خروج الروح، وهو القرين الروحي.

وكما أن للصديق على صديقه حقوق فعلى كل منهما تجاه الآخر واجبات، ومنها:

– أن يصارحه بخطأه وأن ينبهه له قبل وقوعه إن رآه. ومنه قول النضل بن عياض«من رأى من أخ له منكرًا فضحك في وجهه فقد خانه».

– العفو عنه وقت السهو والهفو وتقبل عذره، فما أجمل أن نمحو الهفوة من أجل الأخوة، لا أن نمحو الأخوة من أجل هفوة،  وكما قال الشاعر: [من مجزوء الكامل]

سامِحْ أخاك إذا خَلَطْ ….. مِنْهُ الإصابة والغَلَطْ
وتَجَافَ عن تعنيفهِ …. إن زاغ يوماً أو قَسَطْ
واعلمْ بأنّك إِنْ طَلَبْتَ …. مُهَذَّبَاً رُمْتَ الشَّطَطْ
مَنْ ذا الذي ما سَاء قَطْ …. ومَنْ لَه الحُسنى فَقَطْ
مُحمّد الهادِي الذي ….عَلَيه جبريلُ هَبَطْ .

– حسن الظن به والنصح له وكتمان سره والاستماع إليه.

– أن تدعوه بالاسم أو اللقب المحبب إليه. فقد قال عمرُ بن الخَطّاب، رضي الله عَنه: «ثلاثٌ تُثْبِتُ لك الوُدَّ في صَدْرِ أخيكَ: أنْ تَبدَأهُ بالسَّلامِ، وتُوْسِعَ له في المَجْلسِ، وتَدْعُوَه بأحَبّ الأسماءِ إليهِ».
مؤازرته وقت الشدة والوقوف معه وقت الفرح، مناصرته على أعدائه، والأخذ على يديه إن كان مخطئًًا. ودعوته للخير بدليل أن في الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة، رضي الله عنه، عن النبي، صلى الله عليه وسلم، أن من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، رجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه. لذا فوجبت دعوة الصديق لفعل الخير.

– لا تقلل من شأنه أو تعايره بذنب، فقد كان ابن القيم، رحمه الله تعالى، يقول: «مَنْ عَيَّر أَخَاه بذنبٍ لَم يَمُتْ حتى يَفْعَله».

– الدعاء له بظهر الغيب. قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «مَثَلُ المُؤْمِنِينَ في تَوادِّهِمْ، وتَراحُمِهِمْ، وتَعاطُفِهِمْ مَثَلُ الجَسَدِ إذا اشْتَكَى منه عُضْوٌ تَداعَى له سائِرُ الجَسَدِ بالسَّهَرِ والْحُمَّى». ومن يدعو لأخيه بظهر الغيب يرد عليه ملَك قائلًا ولك بمثل ذلك.

كم من المواقف الصعبة والمحرجة وغير المتوقعة، دائمًا ما يعرف الأصدقاء بها دون الأهل؛ لأن الأصدقاء هم من يأتون في المقدمة للمساندة دون اللوم. كما أن لنا من الذكريات مع الأصدقاء ما يفوق حد الذكريات مع الأهل والأخوة. فكم من ضحكات وآهات ومواقف لا يعرف عنها الأهل شيئًا بعد كل تلك السنوات. وكم من أصدقاء كانوا لنا في أوقات معينة أقرب للقلب من ربطة العنق، منهم من بقي حتى الآن، ومنهم من بدلتهم الأيام أو اضطرتهم الظروف أو أظهرتهم على حقيقتهم، لكن هناك مقوله تقول «من ليس بصديقك الآن، لم يكن يومًا صديقًا».

تعقيب: لا تسمع لكل تلك الأقاويل التي تقلل من شأن الصديق، أو كم الأغنيات الهابطة والإسفاف الموجود على شاشات التلفاز التي كل همها هو الكسب المادي والترويج لعادات سيئة من شأنها تمزيق المجتمع، وتقليص الثقة بين أفراده.

ولأن الصداقة لا تتولد إلا بالقول الحسن والوجه الطلِق، فالانطباع الأول هو أساس كل شيء، ولو قررنا أن كل ما عدانا سيئ فمن أين سيأتي الخير! ما زالت الكلمات المعتادة ابدأ بنفسك هي الحل الأمثل. فمن أراد أن يرى الخير فعليه أن يقدمه أولًا. ومنه القاعدة العامة في السلوك «عامل الناس بما تحب أن يعاملوك به».

وقد قال الأدباء في طريقة كسب القلوب: «إذا ابتسمتَ في وَجْهِ أحدهم، فاعلم بأنَّكَ طَرَقْتَ بابَ قلبه، أما إذا ابتسم، فاعلم بأنَّك قد دَخَلْت». فلا تروج مقولات قد تراها سهلة من شأنها أن تفقد الآخرين الثقة في بعضهم البعض، ولنا في رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وصحابته الأخيار، رضوان الله عليهم، الأسوة الحسنة، فمُعاملتك السَوية للكُل بمحبة وطيبة وإنسانيه لم ولن تكون أبدًا عيبًا يحتاج للإصلاح، كما لا يُمكن أن تُرى ضعفًا في الشخصية، وأي شخص يراها بتلك الطريقة ما هو إلا إنسان تَنعدم ثقتُه بالآخرين ويَفتقد لتلك السِمة الحسنة في نفسه.

دعك من كل المنشورات الموجودة مؤخرًا على وسائل التواصل، والتي بدورها تقلل من قدر المحبة والمساعدة وفعل الخير. ولو أردنا حقًّا أن نرى الخير في الناس فلا بد أن نصبح نحن مصدرًا للفعل الطيب في المقام الأول، وإلا فما معنى العفو، والصفح، والتكافل، والسماحة، والمساندة!

لو أصبحنا مثل البقية التي لا نرضى عنها فلن نلمس الخير في الآخرين أبدًا مهما طال الأمد! فاترك أثرًا طيبًا أينما كُنت، ويكفيك الذكرى الطيبة التي تتركها في نفوس الآخرين، وأنك تعاملت على سَجيتك، وتذكر أن رحمة ربِّك خيرٌ مما يجمَعُون. كن أنت المثل والقدوة ليزهر بداخلنا الجمال ويسود الحب.

دمتم بخير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد