مع ازدياد أعداد وكثافة سكان العالم، وبروز طقوس مناخية قاسية بسبب الاحتباس الحراري، وتقلبات في درجات الحرارة التي تؤدي إلى فشل الزراعة، وانتشار الحروب داخل الدول وخارجها، أصبحت سلاسل الفقر اليوم أثقل على الإنسان أكثر من أي وقت مضى، ودُفنت العدالة الاجتماعية والتوزيع العادل للمصادر ومساعدة الناس لبعضهم البعض تحت غطاء التسابق بين الأُمم والانشغال بإيجاد حلولٍ لمشاكل تافهة داخل دول المتطورة. الغذاء – واحدة من ركائز الحياة الضرورية – تتوزع الآن بشكلٍ غير عادل بين الدول المتطورة وغير المتطورة، حيث تتواجد بوفرة وتُستهلك بكميات هائلة من قبل ذلك المجتمع المتطور من أجل التلذُذ بها فقط، بينما تندر وجودها في الدول الغير المتطورة ويموت الملايين بسببها ويعاني الآخرون فقط للحصول عليها من أجل البقاء. والماء الصالحة أيضًا باتت نادرة بسبب تلوثها بالإشعاعات النووية، والنفايات البشرية، وانتشار الحشرات ناقلة للأمراض فيها أدت إلى عديد من الوفيات في المجتمع البشري وهجرة الآلاف للبحث عن مكان مياه قابل للشرب.

تعريف الفقر المطلق

يُعرف الفقر المطلق: كحالة افتقار إلى الحاجات المادية لاستمرار حياة الإنسان كالماء والغذاء (Ravallion, 2008). وسُمي بالمطلق لتمييزهِ عن الفقر النسبي. وهو عادة يتم قياسه عن طريق مقدار الدخل الذي يتقاضه الفرد يوميًا (حاليًا، خط الفقر المتفق عليه هو أن يكون دخل الفرد اقل من 1.90$ باليوم).

تحديد ما هو ضروري لحياة الإنسان وما هو غير ضروري أشعل كثيرًا من الخلافات بين العلماء، فتنوعت قائمة الحاجات الإنسانية بين منظمة وأخرى. لكنهم جميعًا يقرون بأن الماء والغذاء هما حاجاتان أساسيتان لا بد عنهما للحفاظ على حياة الفرد. تُعد الماء واحدة من المتطلبات الرئيسة لبقاء الإنسان على قيد الحياة، حيث أي تغيير في كميتها ونوعيتها تؤدي إلى حافز عظيم عند الإنسان للبحث عنها والهجرة إلى مكان تواجدها وترك أرضه وأهله والمقاتلة من أجلها. وكذلك الأغذية الأساسية من البروتينات والكاربوهيدرات والفيتامينات والأملاح والمعادن. تحتاجه الجسم ليس فقط للحفاظ على توازنه، بل للنمو والتكاثر أيضًا (Richard Jolly, 1976).

كمية الماء والغذاء هي التي تحدد نسبة الفقر المطلق عند مجتمع بشري ما. فإذا كانت كميتهما أقل من حاجة الجسم للحفاظ على توازنه، فهذا يسمى بالفقر المطلق من الدرجة الاولى. وأما إذا كانت الكمية مساوية لحاجة الجسم للبقاء فقط، وليس النمو فيسمى بالفقر المطلق من الدرجة الثانية، وإذا كانت كمية الماء والغذاء تكفي لنمو جسم الإنسان ولكن ببطء شديد (مثلًا، يزداد وزنه كيلوغرام واحد كل سنة) فيسمى هذا الفقر من الدرجة الثالثة، وهذا النوع من الفقر قد يمنع الإنسان من التكاثر.

يختلف حاجة جسم الإنسان لكمية الماء والغذاء حسب وزنه الوراثي وعمره وجنسه. فكل فرد من العائلة يورث ميلًا جينيًا نحو وزن معين (ربما لكبر معدته وأمعائه أو تحفيز إضافي للإشارات في دماغه للغذاء). لذلك يجب علينا أن نأخذ تغيرات الجينية بين السكان كمؤشر لوجود الفقر المطلق. وكذلك الأمر بالنسبة للعمر، الأطفال هُم أقل حاجة من البالغين إلى الماء والغذاء، وكذلك الأمر لكبار العمر. والجنس لا يلعب دورًا مهمًا في تحديد الفقر، ما عدا عندما تحبل الأنثى، هنا يجب عليهن أكل كمية إضافية من الشراب والطعام للتكاثر.

عدم توافر الأدوية والمعدات الأساسية والمؤسسات الصحية للقيام بعمليات جراحية طارئة منقذة للحياة تعد أيضًا من العوامل القياسية لوجود الفقر المطلق داخل مدينة أو دولة ما (Beauchamp, 2014). ترياق للسموم، إنسولين للسكري، جهاز صدمات الكهربائية لتوقف القلب، وجود كوادر ومستلزمات للقيام بعملية جراحية لاستئصال الزائدة الدودية والأورام والأجسام الغريبة، هذه فقط القليل من الأساسيات التي يجب أن تتواجد داخل المؤسسة الصحية العائدة للمدينة لرفعها من مستوى الفقر المطلق. وهي حاجة أساسية وليست اختيارية لا يمكن للمجتمع اجتنابها، وهذه الحاجة قد تتغير شكلها وقد تضاف إليها أو تستبدل بعضًا منها مع تطور تقنيات الصحية، وهي على عكس الماء والغذاء التي تبقى وجودها وكميتها ونوعيتها ثابتًا لتؤشر على نسبة الفقر المطلق، فقد تستبدل كوادر الصحية من الجراحين والممرضين مثلًا بروبوتات جراحية التي يمكن أن يتحكم بها الجراح من مكان آخر، فبالتالي يُستغنى عن وجود الأطباء والجراحين في ذلك المكان، ولا تُصنف ضمن قائمة الفقر المطلق، أو قد يتغير دواءٌ أساسي بدواءٍ آخر أفضل وأسرع تأثيرًا من سابقه.

نقاطٌ زائدة في حدود الفقر المطلق

بعض الأساسيات التي وضعها منظمات الصحية والحكومية لقياس الفقر المطلق لا تمت بصلة لبقاء الإنسان. المسكن مثلًا لا يعد ضروريًا لبقائنا، يمكن للإنسان العيش من دون مسكن حتى لو كان ذلك يؤدي إلى غرابة من نوع ما مقارنةً مع ما نراه في جميع المجتمعات البشرية من امتلاك المنازل ووجود البنايات. النوم والاستراحة داخل المسكن قد يكون مريحًا نفسيًا، وقد يقينا من حر الشمس وقسوة الرياح أو رطوبة الأمطار، لكن هذه الأشياء هي فقط من أجل تقليل من العواطف المزعجة وهي ثانوية لا غير، فلا أحد يموت من الشمس أو من الريح والمطر.

ويليها أيضًا الملبس الذي يوضع مجتمع إلى قائمة الفقر المطلق عند عدمه داخله، بالرغم من أنه ليس حاجة أساسية. ما عدا في الأماكن أو الحالات التي لا بد عنها من مسكن وملبس، كالبرد القارص والحر شديد، هنا وجود هذه الأشياء تكون ضرورية لبقاء الإنسان (لكن هذه الأماكن والحالات قليلة جدًا يمكن تجاهلها). بعضهم يضعون التعليم أيضًا كمؤشر للفقر المطلق، والتعليم ربما يكون بابًا للخروج من الفقر، ولكننا لا نرى فردًا يموت من الجهل. هذه الحاجات من المسكن والملبس والتعليم تكون ثانوية كما قلنا حيث بغيابهم يعاني الإنسان من ألم وإزعاج ورداءة في العيش، لكن ربما يمكن أن تُحفز هذه المشاعر المؤذية الإنسان على الخروج من مستوى فقره إلى مستوى أعلى منه.

مؤسسات الصرف الصحي وماء نظيف ومعقم للشرب هي بدورها ليست ضرورية لنمو وتكاثر المجتمعات. لو كانت تلك الأمراض التي يكتسبها الإنسان من شرب ماء معكر غير معقم لديها علاج يتعالج به من المرض كليًا، فما الغرض من وضع هذه القياسات في قائمة الفقر المطلق. بل ربما ينحفز الإنسان باكتساب مشاعر مؤذية وتجارب سيئة من شرب ماء غير معقم ويحفز المجتمع بأكمله للقيام بتنظيف المياه وتوفير صرف صحي للقرية والمدينة والدولة. هذه المعاناة تخلق هدفًا لهم ويدعهم يقومون ببعض الأعمال الاجتماعية العامة.

تعريف الفقر النسبي

الفقر النسبي من طرف آخر يٌعرف: كافتقار الفرد للمنتجات والخدمات نسبةً إلى مجتمعه الذين يتمتعون بتلك الممتلكات (Jonathan Bradshaw, 2012). أغلب هذه المنتجات تستهدف عاطفة الإنسان وأحاسيسه وراحته مثل مكيف الهواء وكرسي المساج بدلًا عن إشباع حاجاته كالماء والغذاء. يمكنك مثلًا التفكير في فرد لا يملك هاتفًا ذكيًا حديثًا من بين أصدقائه، أو بمنزل لا يتمتع بسخان ماء بينما يمتلكه جميع المنازل حوله في الحي. يقاس الفقر النسبي عن طريق دخل الفرد أيضًا، ويقارن مع ما يتقاضاه أفراد مجتمعه من الأموال.

هناك نوعان من المنتجات الشهوانية التي من الممكن أن تفتقره الفقير النسبي: أولًا، المنتجات ذات الشهوة الخالصة، وهي صنعت خصيصًا للّذات الأخرى غير الحسية، وليست ضرورية في حياة الإنسان، ولا يحتاجه الجسم ولا الدماغ للبقاء. مثل الموسيقى، والسجائر، وعيدان الأسنان، وإلى غيرها من الأغراض. ثانيًا، المنتجات ذات الشهوة المختلطة، وهي منتجات تضيف إلى اللذات الحسية البقائية وتحسن من جودتها، بل قد تحولها إلى رغبات بالكامل. هذه المنتجات تخلط بين الأشياء البقائية كالماء والغذاء وبين لذات التي تُستخرج منها. فنجد مثلًا الكعكة تمزج بين البقاء (كمصدر غذائي) وبين الملذة (كمصدر للشهوة التذوقية)، ونجد العصير تمزج بين الماء وبين الملذة التذوقية، وكذلك الهاتف عندما يستخدم للتواصل يمزج بين تحقيق اجتماعية البشرية (ضرورة التواصل) وبين الملذات الأخرى.

تحولات غير متوقعة من الفقر النسبي إلى المطلق

بعض الأحيان تتلاشى الفروقات بين الفقر النسبي والفقر المطلق، فيتحول عندها الفقر النسبي إلى فقر المطلق أو قد يساهم الفقر النسبي في تفقير شخص من الحاجات الضرورية الذي يحتاجها. وهذا يحدث عندما يقوم التقنيات الحديثة بوضع متطلبات الأساسية في خطر، فيضطر الفرد إلى تبني تلك التقنيات حرصًا على تلبية حاجاته، وقد يبدو افتقار الفرد للتقنيات الحديثة كفقر نسبي، ولكنه في الحقيقة تحول حياة الفرد، أو المجتمع، أو الدولة إلى فقر مطلق بسبب تبني مجتمعه لتلك التقنيات الحديثة.

تخيل لو كان التقديم للوظائف جميعها عن طريق الإنترنت، وتواجد فرد فقير وحيد داخل المجتمع لا يملك هاتفًا ذكيًا؛ يمكننا اعتبار هذا الفقر في البداية نسبيًا، إلا أننا نرى عبر سلسلة من الأحداث سوف يؤدي هذا الفقر النسبي إلى هلاك الفرد وتحريمه من أساسيات الحياة. فبدون الهاتف يعني ذلك أنه لا يستطيع الاشتراك في الإنترنت، وبدون الاشتراك في الإنترنت لا يمكنه التقديم للوظيفة، وبدون الوظيفة يعني أنه لا يتقاضى مالًا، وبدون المال يعني أنه لا يقدر على شراء المأكل والمشرب الذي يحتاجه جسمه. إذًا أدى الفقر النسبي إلى فقر مطلق بسبب تبني مجتمع ذلك الفرد لهذه التكنولوجيات والاعتماد عليها في ديناميتها بالكامل، وعدم قدرة الفرد على مواكبة هذه تكنلوجيات قاده إلى هلاكه.

الشيء نفسه يحدث في الأعمال والشركات، مثلًا لو أفترضنا ظهور جهاز جديد في الأسواق يقوم بتخييط الملابس آليًا، وأسرع من الأجهزة السابقة، اقتناه جميع الشركات المصنعة للنسيج عدا شركةٍ واحدة. بما إن هذه الشركة لم تتبناها، وهي (الشركة) لا تزال داخل مجموعة من الشركات التي تقوم بحياكة نفس نوعية من الملابس وبنفس الجودة، إذًا سيخسر الشركة سوقها بسبب عدم شراء الناس منها، وذلك لوجود كمية كبير من تلك المنتجات وبسعر أرخص مقدمة من الشركات الآخرى، وهذه ستؤدي بالتسلسل إلى إفلاس الشركة وتفقير صاحبها.

وللأسف، في يومنا هذا، يقع امتلاك الملابس والتعليم تحت تصنيف هذه العملية. أي أن عدم امتلاك ملابس لائقة يؤدي مباشرةً إلى زيادة من حدة الفقر الفرد، ويمكن حتى أن يحوله إلى فقر مطلق كون الملابس مهم في العمل والاجتماع والارتباط. وكذلك الأمر للتعليم، الشخص الذي لم يكمل دراسته الثانوية أو الجامعية قد ينتهي به المطاف في الشارع، بالكاد يقدر على استخراج قوت يومه بسبب اعتماد الوظائف بأسرها على الدرجات العلمية.

موقف العالم من الفقر

تبقى معرفة ما تفعله الدول والمجتمعات لقطع دابر الفقر، ومن يتكفل بذلك ماديًا؟ التخلص من الفقر المطلق هو أسهل من القضاء على الفقر النسبي (نظريًا على الأقل)؛ لأن الفقر المطلق هو كيان محدد، وأخف ماديًا، وأكبر تأثيرًا على الناس الذين يعانون منه من الفقر النسبي الذي يكون غير واضح، ومتغير الهيئة بين مجتمع وآخر، وباهظ ماديًا ليقضى عليه، فوجود الفقر النسبي قد يبقى للأبد، ويفصل الطبقات المجتمع بين الغني الذي يمكنه اقتناء تلك المنتجات مباشرةً وفور صدوره، وبين الفقير الذي يتطلب منه وقتًا أطول لشرائهم.

حسب أحدث الدراسات، هناك 763 مليون شخصًا يعيشون تحت فقر المطلق، أغلبهم من أفريقيا، وسوريا، واليمن. قامت الأمم المتحدة بوضع تحدي بنصب أعينها في عام 2012 للقضاء على الفقر المطلق حول العالم نهائيًا بحلول عام 2030 (The World Bank, 2015). ومع ذلك فهم يظنون بأن قضية التكفل يجب أن تقع على عاتق الحكومة المحلية بدلًا عن البنوك العالمية والدول الأخرى والجمعيات الخيرية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد