قبل يومين أمست العاصمة اللبنانية بيروت على وقع انفجار هائل في مينائها البحري المطل على البحر الأبيض المتوسط، في البداية تضاربت الأنباء عن سبب الانفجار هل هو عدوان جوي أم تفجير لعتاد عسكري، إلى أن تبين الأمر وهو انفجار 2700 طن من مادة نترات الأمونيوم كانت مخزونة في المرفأ منذ 2014 بعد مصادرتها من إحدى السفن.

فكوني متخصصًا في الكيمياء، في بادئ الأمر دعونا نتعرف عن مادة نترات الأمونيوم ومدى قابيلتها الانفجارية وهل تنفجر من تلقاء نفسها أم لا؟ وما الدليل على أنها نترات الأمونيوم، وليست مادة أخرى؟

مادة نترات الأمونيوم (Ammonium Nitrate) ذات الصيغة الجزيئية NH4NO3 هي مادة بيضاء بلورية يمكن تحضيرها من تمرير الأمونيا (غاز الأمونياك) على حامض النتريك المركز.

HNO3 + NH3 —–> NH4NO3

أو من تفاعل حامض النتريك مع هيدروكسيد الأمونيوم.

HNO3 + NH4OH —–> NH4NO3 + H2O

لو عدنا إلى ملابسات الانفجار، فكما صورت كاميرات الفيديو أن هنالك قوة انفجارية هائلة أعقبت الحادث مع تصاعد لهب وردي – برتقالي اللون، من هذا اللون نستطيع التأكد من أن المادة هي نترات الأمونيوم، وليست مادة C4 عالية الانفجار أو غيرها كما قيل؛ لأن نترات الأمونيوم عند تحللها تنتنج الأوكسجين والنيتروجين، وأن أوكسيد النايتروجين هو المسؤول عن السحابة وردية اللون.

NH4NO3 —–> N2O + 2H2O

أما قوة الانفجار ففي الأمور الطبيعية يمكن لنترات الأمونيوم الانفجار بالحرارة التدريجية لكن من دون قوة انفجارية هائلة كما حدث، لذلك هنالك سيناريوهات ثلاثة لهذا الانفجار:

الأول: ربما كان هنالك قصف جوي على المرفأ وهذا نوعًا ما مستبعد، والثاني بفعل فاعل من الداخل وإضرام النار في المرفأ، والثالث والأكثر احتمالًا، وهو وجود مواد قابلة للاشتعال بالقرب من قسم تخزين نترات الأمونيوم؛ لأن هذه المادة لا يمكنها أن تشتعل من تلقاء نفسها، فقط في حالة ارتفاع درجات الحرارة أو وجود مواد قابلة للاشتعال بالقرب منها وبما أنها مخزونة من عام 2014، ولم يحدث أي شيء فمن المستبعد أنها اشتعلت بدرجة حرارة الجو الاعتيادية وإلا لماذا لم تشتعل طوال تلك السنوات! لكن بما أن المرفأ مخصص لحزن الوقود أيضًا، بالإضافة للحبوب والحنطة، فكما نعلم أن الوقود سريع الاشتعال، وربما كان السبب الرئيس لوقوع الحادث بغض النظر عن طريقة التخزين غير الصحيحة في المكان غير الصحيح، وعدم نقلها لمستودعات خاصة لخزنها، فمع وجود مواد قابلة للاشتعال بالقرب منها تكون القوة الانفجارية قوية كما حدث بالضبط مصحوبا بسحابة وردية وحرارة هائلة تزيد عن 210 درجة سيليزية وبقوة انفجارية 2500 متر/ثانية، وهذا ما يؤكد أيضًا أن المادة المخزونة هي نترات الأمونيوم فعلًا لأنه حدثت حرائق أدت لانصهار وتفحم ما حولها من الأبنية والممتلكات وحتى البشر، وكذلك كمية الدمار التي قدرت بـ5 كيلو متر لنصف القطر.

أما مسألة سبب عدم حظر مادة خطرة كهذه كما أراه في الإعلام، ففي العموم أن مادة نترات الأمونيوم ليست خطرة جدًا، إذا ما تم تخزينها والتعامل معها بشكل جيد، حيث إنها تستخدم للأغراض المدنية بكميات كبيرة حول العالم، خاصة في صناعة الأسمدة الزراعية لاحتوائها على النيتروجين، لذلك لا تعد هذه المادة محظورة دوليًا، على الرغم من الكثير من الحوادث في الـ100 سنة الماضية كما حدث في عام 1921 في ألمانيا و1947 في الولايات المتحدة وفي فرنسا عام 2001 بمعامل الأسمدة، وأدت إلى حرائق هائلة ووفيات، لكن أغلبها كان في معامل الأسمدة، وعادة ما تكون خارج المدن، لذلك كمية الأضرار كانت أقل بكثير مما حدث في بيروت.

وفي الختام رحم الله ضحايا بيروت وشافى جرحاهم وكما قالت فيروز:

من قلبي سلامٌ لبيروت

ومن بغداد سلامٌ لبيروت

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد