ما الذي نحاوِلُ إثباتَه؟ وإلى ماذا تحديدًا نسعى؟ ومتى صارَ الأمر كُلُّه أشبه بالمُنافسة؟ والأهم.. لماذا صارَ الأمرُ أشبهُ بالمُنافسة؟ وكيف أننا في خِضَمِّ كل ذلك نَسِينا أن نُحبّ؟

«لأ طبعًا ما فيش حاجة اسمها نتجوّز على قد اللي معاك، أنا مش هرخَّص نفسي ومش هتجوّز ببلاش».

هذا ما اعتقدتُ أنا أنها رؤيةٌ فرديّةٌ، سطحيةٌ، وساذَجة لصاحبةِ الجملةِ حينَ سَمِعتَها مصادفةً في محادثةٍ بين شابٍّ وفتاةٍ في مكانٍ عام، وبعدَ ذلك الحديث بفترةٍ طويلة لفتَ نظري منشورٌ على موقع التواصل الاجتماعيّ «فيسبوك» تتحدث فيه فتاةٌ عن أنَّ تساهُل الفتياتِ في الزواجِ والتخفيف من أعبائِهِ المادية على الشاب قد تعني خيانة الشباب لهن، أو عدم معرفة الشباب لقيمة هؤلاء الفتياتِ بعد ذلك، وأنَّ الشاب إذا لم يبذل كل ما يستطيع وما لا يستطيع من أجلِ الظَفْر بالفتاة فذلك يعني أنه قد يُفرِّطُ فيها فيما بعد. وكأنَّ قدرَ الأموال التي سيقومُ بإنفاقِها هي الضمانُ الحقيقيّ لإخلاصِه، وكأنَّ إحداهُنَّ قد تأمن على نفسها مع رجلٍ ما لمجرد أنه قد دفعَ كل ما يملك واستدانَ من أجلِ الظفرِ بها.

بعد قراءتي لهذا المنشورِ، قمتُ بتجاهلهِ في بدايةِ الأمر، إلا أنَّ ما استرعى انتباهي، أنَّ آلاف الفتياتِ قمن بإعادةِ نشرِهِ مهللات لعبقريّته ولقراءتِهِ الفذّة لعقلية الشباب وطبيعتهم! كيف وصلنا إلى تلك النقطة؟ وكيف أنَّ العادات الاجتماعية المشوَّهَةِ تلك استطاعت التمكُّن من عقولِ هؤلاءِ الفتياتِ إلى ذلك الحد؟ إلا أنني وبعدَ ملاحظةٍ دقيقة لكل ما يدور حولَ الحديثِ عن العلاقات، وجدتُ من التراكُماتِ ما يكفي لأن نصل إلى تلك النقطةِ من التفكيرِ فعلًا، لنصلَ إلى هذا الوضع من الترصُّدِ والتخوين. على آيةِ حال سنقومُ بعرضِ تعليقِنا على كل تلك الوقائع بعد أن نستعرضها بشكلٍ متتالٍ.

«الشرع بيقولك هات خدامة لمراتك ومش فرض عليها إنها تقوم بشُغل البيت».

يُخبرنا الشيخ فلان في منشورٍ له صباحَ يومٍ ما أنِّ خدمة الزوجة لزوجها ليست فريضة، بل إنَّ الدينَ قد فرضَ على الزوج أن يأتي بخادمةٍ لزوجتِه. فأتساءل حينَ أقرأ المنشور: ما الداعي من تبيانِ أن خدمة الزوجة لزوجها غير واجبة؟ مَن فينا يعتقد أن (خدمة) الزوج بمفهومِ (الخدمةِ) ذلك هي واجبٌ، أو فريضة، أو التزام، أو أيّ من ذلك؟ لماذا نحاول توضيح الأمور الواضحة؟ وأُفاجأ بعدَ ذلك أن آلافَ الفتيات قد قمن بإعادةِ نشرِ هذا المنشور مع تهليلٍ كبيرٍ للفكرة وللشيخِ نصير المرأة، ومع شحنٍ غريبٍ تجاهَ الرجال جميعهم بجميعِ أفكارهم وتوجهاتِهِم. أستغربُ الشيخ وأستغربُ النساءَ اللاتي يهللنَ بذلك الحماس المُرعِب لأمورٍ – أراها – على قدرٍ بديهيّتها لا تحتاجُ إلى كل ذلك الحماس. إلا أنني أتجاهلُ الأمرَ برمَّتِه.

«الشرع حلل إنّه يتجوِّز أربعة! مش من حقك ترفضي ده».

يخرج علينا شيخٌ آخر بعدَ العصرِ في ذاتِ اليوم ليُحقِّقَ انتصارًا للرجال بعدَ ذلك الانتصارِ الذي حققته النساء بالمنشورِ الصباحيّ للشيخ الأول. فينبهنا هذا الشيخ إلى ضرورةِ التعدد، وإلى أنه شرعٌ من الله وله فضلٌ مُجتمعيّ، بل يذهب إلى ضرورة أن يتزوج الشاب أكثر من واحدة إن كانَ يستطيعُ ذلك، لأُفاجأ أيضًا أن آلافًا من الشبابِ يقومونَ بإعادةِ النشر، ويهللون للشيخ ولجرأتِهِ، ولمحاولتِه الحفاظ على التراث الدينيّ من الانقراض، ويسعدون لأنهم استطاعوا ردَّ هزيمةَ الصباحِ.

لا أستطيعُ حينها تجاهل الظاهرة، لأراقبَ هؤلاء الشيوخ بعد ذلك فأجد أنَّ أحدهَم قد سخَّر منشوراته وفتاواه لتحقيقِ انتصارٍ لجيش الرجالِ على النساءِ، والآخر قد فعلَ ذلك لتحقيقِ انتصارٍ لجيش النساء على الرجال! وكأنَّه لا يمكن لأحدهِم أن يتحدَّث عن حقوقِ الآخر غير الذي قد تبنَّاهُ لأنه سيفقدُ حينها مُتابعيه، فصارَ لكل منهما تخصص، أحدهما يتخصص في حقوق الرجال والآخر في حقوقِ النساء، ليتأجَّج الوضع التنافسيّ القائم بين الرجالِ والنساءِ والمتأجِّج أصلًا. فصِرنا في معسكريْن، أحدهما يؤمن بأنَّ الله قد خلقَ النساء دون حقوق، والآخر يؤمن بأنَّ الله قد خلقَ الرجالَ دون حقوق، وكلاهما لا يتفقان إلا في شيءٍ واحد. أنهما لا يعرفانَ أنَّ الله قد خلقَ الحُبّ.

ما الذي يحدث هنا؟ أو يمكننا أن نقولَها بالعامية الدراجة حتى تكونَ أكثر سهولة لإدراكِها لأنه من الواضح أن الأمر معقد بالنسبةِ للجميعِ ما عداي: «هو في إيه؟» ماذا يا شيخ لو أنَّ زوجتي تقومُ بالأعمالِ المنزليةِ لأنها تُحبُّني، لا لأنها تعتقد بأنَّ ذلك من أركانِ الإسلام الخمسة؟ تقومُ بفعلِ ذلك لأنني مرهق من عملٍ شاقٍ، وهي لا تُجيد الإمساكَ دومًا بالورقةِ والقلم لتُثبت إن كانَ ما تفعله من أجلي هو حقٌّ لي أم لا؟ وحينَ تكونُ هي في العمل مثلًا أقومُ أنا بخدمتِها قدرَ ما أستطيع. ما رأيُك في تلك الفَرَضية الغريبة يا شيخ؟

ماذا لو أنَّ الشرع قد حلَّلَ لي أربع زوجات إلا أنني لا أحبُّ سوى واحدة وأرى أن الزواج من أُخرى يُفسدُ ذلك الحب؟ ماذا لو أُفاجئك يا شيخ بأننا جميعًا نعلمُ أنَّ الشرع قد حلل أربع زوجات وأنه حقٌّ جميعنا يعرفه من دونِ أن تقومَ بتسجيلِه كانتصارٍ ضخمٍ لرجالِ العالم؟ حقٌّ لا نُريده، لأننا نحب، ولا نُجيد الحسابات الدقيقة للحقوقِ والواجبات التي يجب أن نضع كل الحب والود والتفاهُم جانبًا حتى نتأكَّد من أننا نحققها؟

من الطبيعيّ أنَّ كل تلك التراكماتِ من فَتاوى الشيوخِ ومن غيرِ الشيوخِ أن تصلَ بنا إلى كل ذلك الشحنِ والترصُّد حتَّى من دونِ أن نشعر. من الطبيعيّ أن تصل بنا إلى هُنا. إلى أنَّني لو أحببتُ امرأةً، ولكنّي لا أملكُ المال الوفير ستفشلُ الصفقة. إلى ذلك الحدّ من التخوين والريبة في اختيارِ الشريكِ وتلك المعايير الغريبة التي يضعها الفتيات في اختيارِ شركائهِن. إلى غيابِ الحُبِّ في مقابلِ المادّة، والعقلِ في مُقابلِ التعصُّب. من الطبيعيّ أن تصلَ بنا إلى هُنا، إلى أنني لو أحببتُ امرأةً «قادرة عَ التحدي وعَ المواجهة»، وقمتُ بطلبِ شيء ما منها من أجلِ مشاعري مثلًا، سأكونُ شرقيًّا أحاولُ التحكُّمَ في حياتِها وطموحِها، ولا يمكنُها في وسطِ كل ذلك الشحنِ أن تعتقد أنَّ شيئًا ما يحدثُ بدافعِ الحُبّ.

كيفَ صارت العلاقاتُ حربًا؟ متى صارَ الأمر أشبه بالمُنافسة؟ وكيفَ أصبحنا فريقين يحاول كل منهما تحقيق أكبر قدر ممكن من الانتصارات؟ ما الذي نحاوِلُ إثباتَه دائمًا للطرفِ الآخر حينَ يكونُ حديثنا دومًا عن حقوقِ كُلٍّ منا وواجباته؟ وأنا بالطبعِ لا أرفض الحديثَ عن الحقوقِ والواجبات، ولكنّي أتساءَل: ما الذي نحاول إثباتَه حينما يصيرُ حديُثنا لا يحتوي إلَّا على ذلك فقط؟ حديثٌ حقوقيٌّ جاف يخلو تمامًا من الحُبّ؟ حديثٌ يصلحُ بين جدرانِ المحاكمِ لا بينَ جُدرانِ بيتٍ واحد.

متي صارَ هناك معسكران يحاول كل منهما تدميرَ الآخر وإثباتَ قُبحِه؟ لماذا لا نسمِّي الأمورَ بأسمائِها؟ في كُلِّ طرفٍ هناك القبيح وهناك النبيل، والأمرُ يتعلَّق باختيارِك، لكنك حينَ تختار، حاول أن تحب، وأن تتخلّى عن كشكولِ الحقوقِ والواجبات وما قالَ الشيخ وما لم يَقُل، لأنَّ الحياةَ لا يمكنُ أن تستقيمَ أو تُحتَمَل هكذا. حاول أن تُحبّ، لئلَّا يكون سعي الشيوخِ وغير الشيوخِ لزيادة متابعيهم على حسابِنا نحن.. على حسابِ مشاعرنا التي صارت تُستهلَكُ في كُلِّ تلك المناوشات الهامشيّة. حاول أن تُحبّ وأن تتنازَلَ أحيانًا إذا لزمَ الأمر، ولكن إيَّاك أن تُخبر أحدًا عن ذلك، لأنَّهم سيصوِّرونَ تنازُلَك ذلك كأنَّه من أجلِ دولةٍ عدوّ، لا من أجلِ إنسانٍ تُحبّه.

متى صارَ كُلُّ طرفٍ قادرًا على تذكُّر كل الأحاديث والآيات التي تُعضِّد موقفَهُ في هذه الحرب الضارية، كل القصص التي تُساند رؤيته لبشاعة الطرف الآخر، كل المواقف المؤسفة، كل الحوادث السيئة، وكل اللحظاتِ المُشينة.. لماذا نتذكَّرُ دائمًا ما يقولُه الشيخ.. وننسى أن نُحبّ؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

نحب
عرض التعليقات
تحميل المزيد