مقدمة

لقد «لا حظ علماء النفس أن هناك أنواعًا من السلوك تصدر عن الفرد البشري بدون شعور منه، وهي تختلف عن ردود الفعل الآلية في كونها هادفة، تلبي حاجات معينة وتنزع إلى تحقيق رغبات خاصة ومع ذلك فهي لا تخضع لمراقبة «الأنا». وبما أن الأفعال الإرادية الخاضعة للمراقبة الشعورية، يقال عنها إنها تصدر عن «الشعور»، فإن الأفعال الهادفة التي لا تخضع لمثل هذه المراقبة قد نسبت إلى منطقة أخرى من الجهاز النفسي، أطلق عليها اسم «اللاشعور». ومعلوم أن عالم التحليل النفسي الشهير «سيجموند فرويد» قد أولى أهمية خاصة لـ«اللاشعور»؛ إذ جعل منه منطقة واسعة من الجهاز النفسي تضم الدوافع الغريزية والرغبات المكبوتة، واعتبره مسؤولًا عن قسم كبير من سلوك الفرد البشري وهو يكشف عن نفسه من خلال الأحكام وفلتات اللسان وغيرها من الأفعال غير الإرادية، وهكذا صار السلوك البشري يصنف إلى سلوك صادر عن «الشعور»، عن وعي وقرار وتصميم، وسلوك صادر عن «اللاشعور» لا تتحكم فيه إرادة المرء، بل يفلت من الرقابة الشعورية، رقابة «الأنا»، ليلبي حاجات غريزية دفينة أو رغبات مكبوتة منذ الطفولة».

ما الذنب الذي اقترفه «الإنسان» العربي حتى ينطوي هذا الانطواء المفرط على نفسه؟ ماذا يقع في صميم «لاشعور» الإنسان العربي؟ وهل لم يعد هناك أطباء وعلماء تحليل نفسي مؤهلين لاستدراج هذا الإنسان حتى يعبر بوضوح عما يعتريه من مشاعر مكبوتة؟ مَن وكيف سيقضى على هذا الخوف من البوح؟

1- الصراعات الأيديولوجية العربية وقضية الوحدة والهوية

يقول الدكتور هاشم صالح إن الكارثة وحدها، أو الزلزال، قادران على زحزحة السؤال. «الكارثة وحدها قادرة على فضح بداهة السؤال، على إماطة اللثام عن وجه السؤال». لهذا السبب، يضيف الدكتور صالح، يبدو الفكر – في أوله – بمثابة «فضيحة». «كل فكر لا يفضح، لا ينبش، لا يعري، ليس فكرًا». لذلك فإن «الفكر الذي قد يظهر في الساحة العربية الإسلامية عما قريب، سوف يبدو فضائحيًّا بامتياز»، وربما «راح يشتغل تحت العنوان العريض: الحفر «الأركيولوجي» في الأعماق». ويجيب هاشم صالح عن سبب هذا الهوس بالحفر والتعرية، قائلًا: «إن الأرض العربية الإسلامية عطشى للحقيقة».

والحال إن الدعوة إلى جمع شمل العرب المسلمين تبدو في أول الأمر واجبًا أخلاقيًّا وإنسانيًّا، وذلك دون الخروج عن تعاليم الدين الإسلامي والتي تضمن كل السبل لتحقيق الوحدة، ليس فقط في مجتمع أو قبيلة، بل بين كل شعوب وثقافات العالم باختلاف أجناسها ولغاتها. ولعل هذا ما يغيب في المجتمعات العربية الإسلامية: هذه الغيرة عن الوطن والأمة والقومية العربية. حتى إن «الجابري» صرح قائلًا بأن «العقل العربي قد قدم استقالته استنادًا إلى المشروعية الدينية» ودعا بالمقابل إلى «تحويل القبيلة إلى مجتمع منظم مدنيًّا واجتماعيًّا وسياسيًّا»، في إشارة إلى أن المجتمع العربي يعيش أزمة على مستوى التنظيم الاجتماعي، وتغذيه الطائفية والنزاعات المدنية التي تنطلق من الأسرة وتتجلى في العنف المدرسي، والشارع العربي بصفة عامة. الشيء الذي دفع «مصطفى حجازي» في سياق آخر، وضمن ندوة فلسفية أقيمت في «تونس» سنة 1988، إلى تأكيد ضرورة:

«تحول الذهنية الانفصالية التجزيئية» إلى «ذهنية وحدوية تأليفية»، وتحول عقلية النفوذ إلى العقلية المؤسسة، والتحول من التوجه الذهني الاستبدادي إلى العقلية «الديمقراطية»، والتحول من «القطيعة الذهنية» إلى العقلية العلمية والإبداع.

والقول بأن الأمة العربية تعيش أزمة وحدة، يدعونا إلى طرح سؤال: ما العلة؟

ما دام «لكل فعل «محددات» وتجليات، بحيث «إن المحددات قد تكون دوافع داخلية بيولوجية أو سيكولوجية، شعورية أو لا شعورية، وقد تكون تنبيهات أو تأثيرات خارجية» ،أما التجليات فهي المظاهر والكيفيات التي يتحقق الفكر فيها أو من خلالها أو بواسطتها. فإننا نتساءل عن محددات هذه الأزمة الشعورية، اعتبارًا لكون المجتمع يتكون من أفراد، ولا يمكن معرفة أسراره إلا من خلال «الأوعية» الفردية.

ويقول في هذا الصدد، «الدكتور محمد حسن أبو يحيى»، في كتابه «التجديد في الفكر الإسلامي: مفهومه، أهميته، ضوابطه»:

«إن الإسلام هو الدين الوحيد الذي يدعو الأمة الإسلامية أفرادًا وأسرًا وجماعات إلى الوحدة، لأن عقيدتهم واحدة وكذا عباداتهم ونظمهم الإسلامية الأخرى، كالنظام الأخلاقي والسياسي والاجتماعي والتربوي والتعليمي والجهادي ونظام العقوبات والمعاملات والاقتصاد. والفكر الإسلامي جزء لا يتجزأ من الإسلام، ولهذا فإنه يكون أداة طيعة لوحدة الأمة فكريًّا وفي المجالات كافة. والأمة الإسلامية اليوم أحوج ما تكون إلى الوحدة الشاملة، ومن مهام تجديد الفكر، العمل على تنقية الأفكار القومية التي تدعو إلى التفرقة بين الشعوب الإسلامية وعدم وحدتها، لأنها أفكار غير إسلامية».

 في المقابل، نبه المفكر المسلم الكبير، «جمال الدين الأفغاني» إلى أن«تخلص الأمة الإسلامية من الجهل والتخلف الاقتصادي، لا يمكن أن يتحقق بمجرد التقليد ومحاكاة ما فعله الأوروبيون، لأن التجربة الأوروبية جاءت ثمرة لنظام اجتماعي له إطاره الفكري وقيمه وضوابطه القانونية، فلا يمكن للمسلمين أن يحققوا التقدم العلمي والنهوض الاقتصادي إلا بإصلاح المجتمع وتخليصه من الفساد»، كما قال «الحامدي» في تعريف العقل، والذي يسميه بـ«العقل النافي»؛ أي الذي ينفي واقعًا فاسدًا، ليحل محله واقع مشرق – وهذا الإصلاح الاجتماعي لا يتحقق – في رأي الأفغاني- إلا بتحقيق الرفاهية الاجتماعية عن طريق توفير العدالة الاجتماعية بمفهومها الإسلامي، وتنمية مواهب الفرد ووعيه وفكره من خلال نظام تعليم سوي. فهو يدعو إلى «قطف ثمار الغرب وإعادة بناء وحدة الأمة الإسلامية… وتجاوز الخلافات العقيدية، الخصومات التقليدية والاختلافات الطائفية».

2- المادية الغربية ووقعها على «الشعور» العربي

و لعل الأزمة «الشعورية»، «الذاتية» التي يعيشها «الإنسان» العربي اليوم، مردها إلى ذلك الحوار غير المؤسس له، وذلك الصراع الأيديولوجي، الذي نشأ بين الغرب والشرق الإسلامي، والذي لم ينته، بل تحول ومسخ، فغدا شيئًا آخر. إن المجتمعات العربية الإسلامية لاهية عن الفكر. وهي بذلك لاهية عما أوصى به المولى عز وجل، في العديد من آيات الكتاب الكريم. آيات تدعو إلى التفكر في الكون والمخلوقات، حتى ينجو المتأمل من دوامات الدمار النفسي والحزن، الناتج من البعد عن الله وطريق الصواب، ويعمل على المساواة بين الجانبين الطبيعي- المادي والإنساني-الروحي في الإنسان.

مما يقتضي ويحتم على الأنظمة التعليمة والفاعلين السياسيين والحكوميين، والمسئولين وأصحاب القرار من أولي الألباب والمؤمنين الصالحين الذين يخافون الله ويحبون الخير، والعلماء والعارفين، وكذلك الشباب العربي، الذي يعول عليه كثيرًا في إعادة إحياء العقل العربي الإسلامي، عن طريق إحياء الجانب «الثقافي» و«الفكري» الذي لا يمكن عزله عن الممارسة العقائدية الصحيحة والنابعة لا محال من حسن تأويل الكتاب والحديث، وحسن تعليم وتنشئة المواطن العربي، باحترام حقوق المرأة التي منحها الدين الإسلامي مكانة راقية، واحترام حقوق الفقراء والمحتاجين والأقليات الاجتماعية التي، وإن كانت مطالبها غير معقولة وغير منطقية، فالعقل قادر على استيعابها وفض الجدل الذي تثيره.

إن الأزمة الشعورية التي يعيشها العالم العربي الإسلامي اليوم، لا تكاد تكون نابعة إلا من شيء واحد: «التأثر بالمادية الغربية وتوابع النظام الرأسمالي، وماضي الكنيسة بأوروبا». في المقابل، نجد «العقل العربي» منهمكًا في التقليد، ونجد أعظم مفكريه ومثقفيه، يعيشون في الضفة الأخرى، في معقل الغرب: «بنيويورك» و«برلين» و«باريس». تجد، لسوء الحظ، في مدرجات الجامعات العربية، كتبًا ونظريات غربية، لا يكاد الدرس الجامعي بمختبر بكلية للعلوم، في معقل جامعة أو معهد عربي، أن يتم لولاها، لولا نظرية «أينشتاين» أو «نيوتن». ولا يكاد الطالب الجامعي يعرف الفن والموسيقى إلا عن طريق مجموعات «الروك» الأمريكية والإنجليزية»، بل لا يكاد القارئ العربي اليوم يقرأ لولا كتب «دستويفسكي» و«كونديرا»، و«كامو»، أو«فولتير» الذي يدرس في الثانويات العربية، وكأن «الخبز الحافي»، لا يتناسب مضمونه مع الواقع العربي التقليدي ذي العيوب.

إننا على حافة فقدان هويتنا العربية، بفقداننا أسس التكوين الداخلي – العربي الإسلامي- مهرولين تجاه الثقافة الغربية، ممجدين منجزات حضاراتها المادية، مهملين تراثنا والأكثر من ذلك، مستقبلنا الذي يجب أن نبنيه اعتمادًا على ذلك النقد الإيجابي للتراث وتلك القراءة التحليلية العقلانية للبنيات الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية والأخلاقية المحلية، متجاوزين كل الصراعات الأيديولوجية ذات الوقع الخطير على أملنا وأمل الأجيال التي ناضلت قبلنا، أمل عودة فصل الربيع إلى الأرض العربية الإسلامية العطشى للمجد!

وفي سياق آخر، قام الرئيس والمفكر البوسني السابق، الدكتور «علي عزت بيجوفتش» بتفسير هذه الهيمنة المادية داخل الحضارة الغربية. معتبرًا أن «الحضارة» والثقافة شيئين مختلفين. ويذهب إلى اعتبار أن الثقافة ذات أصل ديني إثر ما سماه المؤلف بـ«التمهيد السماوي». وبالتالي فالثقافة هي «تأثير الدين على الإنسان وتأثير الإنسان على الإنسان… الثقافة شعور دائم الحضور بالاختيار وتعبير عن الحرية الإنسانية»… في حين أن الحضارة تعمل عكس ما جاءت به الشريعة الإسلامية الداعية إلى كبح الشهوات، فالحضارة تعمل تحت شعار «اخلق شهوات جديدة دائمًا وأبدًا»، والحضارة «فن يتعلق بالوظيفة والسيطرة وصناعة الأشياء، تامة الكمال… إنها استمرارية التقدم التقني وليس التقدم الروحي. كما أن التطور «الدارويني» هو استمرارية للتقدم البيولوجي وليس الإنساني».

خاتمة

لذلك، يبدو من الضروري إعادة الأمور إلى نصابها، والعمل فعليًّا على إعادة النظر في طرائق التنظيم المجتمعي العربي الإسلامي، عن طريق الاهتمام بمؤسسات التنئشة الاجتماعية، حتى يتسنى لنا اللحاق بالمجتمعات المتقدمة على طريقتنا، أي دون الحاجة إلى التقليد والمحاكاة العمياء، التي تهدد هويتنا العربية، وتطمس تدريجيًّا معالم التنوير في العالم العربي. نحن في حاجة إلى تكوين مواطن عربي قادر على الوقوف وقفة الرجل الغيور، المعتدل والعادل.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد