يعد النزاع السياسي حول الصحراء من أطول النزاعات السياسية، والذي ما يزال قائما إلى اليوم، حيث يعود تاريخه إلى مرحلة ما بعد الاستعمار الإسباني للصحراء وبالضبط سنة 1976، بعد إعلان إسبانيا إنهاء احتلالها للصحراء، وانسحابها من كل أراضيها، وإعلان البوليساريو تأسيس جمهورية مستقلة على الأراضي الصحراوية، لتبدأ فصول الصراع بين المغرب وجبهة البوليساريو، وتندلع حرب طاحنة ودامية بين الطرفين، إلى حدود بداية التسعينيات من القرن الماضي، بعد أن نجح المغرب في بسط سيطرته وسيادته على أجزاء واسعة من أراضي الصحراء، وتمكن من تطهير الصحراء من عناصر جبهة البوليساريو، عن طريق تشييد وبناء جدار رملي بطول يزيد على 2500 كيلومتر، الذي بفضله جرى إيقاف وصد الهجمات العسكرية التي كانت تشنها جبهة البوليساريو، ودفعها إلى الاستقرار والتمركز في تندوف، حيث مقامها ومقرها إلى اليوم، والتفاوض مع المغرب لحل الأزمة السياسية القائمة بينهما. كانت الجزائر الدولة المحتضنة لجبهة البوليساريو والداعمة لها، الدولة التي أعلن منها قيام ما تسميه عناصر الجبهة بالجمهورية العربية الصحراوية سنة 1976، لم تكتف الجزائر بإيواء عناصر الجبهة على أراضيها، بعد أن اعترفت بدولتهم الوهمية، دعمتهم بالمال والسلاح والعتاد، خاصة في حرب العصابات التي خاضتها الجبهة ضد المغرب، والتي استمرت طويلًا، قبل أن ينهيها المغرب ببناء جدار دفاعي رملي، وإبرام اتفاق وقف إطلاق النار بين الطرفين برعاية الأمم المتحدة سنة 1991، إلى جانب ذلك خاضت الجزائر حربًا دبلوماسية ضروسًا ضد المغرب، لانتزاع الشرعية والاعتراف الدولي بكيان البوليساريو دولةً مستقلة، عن طريق شراء الذمم وتقديم الرشاوي للأنظمة خاصة في أفريقيا، قصد انتزاع موقف الاعتراف منها بالبوليساريو.

تحركات الجزائر وموالاتها ودعمها للجبهة الانفصالية، كانت من منطلق العداء الذي تكنه للمغرب، عداء يستمد جذوره من حرب الرمال التي نشبت بين المغرب والجزائر سنة 1963، تبعات هذه الحرب ولدت لدى القيادة الجزائرية العقدة تجاه المغرب، حتى توارثتها القيادات في الجزائر جيلًا عن جيل، وأصبحت معاداة المغرب عقيدة راسخة وثابتة في وجدان المنظومة الحاكمة في الجزائر، كانت الجزائر تتحين الفرص لتجاوز هذه العقدة بالنيل من المغرب وإنهاكه وإضعافه، لذلك وجدت في جبهة البوليساريو ضالتها، وظفتها لعقود ورقة ضغط على المغرب لابتزازه، ووسيلة لتحقيق طموحاتها وأمنياتها وتجاوز عقدتها.

في الوقت الذي كانت فيه المنظومة الحاكمة في الجزائر، تنفق بسخاء وكرم من أموال الجزائريين ومقدراتهم، وعلى مدار أكثر من أربعين سنة، لقيام دولة وهمية في الصحراء، واصل المغرب تحركاته الرصينة وبخطى ثابتة، في قضية الصحراء، وحقق اختراقات وانتصارات دبلوماسية مهمة، أسقط بها بعض القلاع الداعمة والموالية للبوليساريو وللجزائر، حول حوالي 80% من الأراضي الصحراوية، إلى أوراش كبرى للتنمية، وجعلها من الأقطاب الاقتصادية الكبرى في المملكة، حولها إلى منارة تسيل لعاب المستثمرين الكبار وتجذب أنظارهم في كل أنحاء العالم من جهة، ومن جهة أخرى جعلها غصة في حلق الجبهة الانفصالية ومعها القيادة الجزائرية، خاصة بعد تحويل بعض مدن الصحراء، خاصة مدينتي الداخلة والعيون، إلى مقر لكثير من القنصليات ومزار للبعثات الدبلوماسية الأجنبية، من بينها الولايات المتحدة الأمريكية التي اعترفت للمغرب بسيادته على الصحراء، وترجمت هذا الاعتراف، بافتتاح قنصلية عامة لها في مدينة الداخلة بالصحراء المتنازع عليها.

كانت الصحراء المغربية صلة وصل بين المغرب وعمقه الأفريقي، وكان هاجس الجزائر وطموحها فصل المغرب عن عمقه الأفريقي هذا، عمق يستمد قوته وشرعيته من التاريخ والجغرافيا.

إن هاجس فصل المغرب عن أفريقيا الذي يراود قيادات الجزائر، يقابله حلم الجزائر وهوسها بمنفذ على المحيط الأطلسي، هذا الحلم الذي كان يراود الجزائر منذ مرحلة هواري بومدين، أدى بجزائر اليوم إلى الدفع قبل أشهر قليلة، بجبهة البوليساريو لاستغلال المنطقة العازلة، بعد أن نجحت بعض عناصرها في التسلل إلى الكركرات، والسيطرة عليها وإغلاق المعبر الحدودي الرابط بين المغرب وموريتانيا، قبل أن يتدخل الجيش المغربي ويحرر المعبر ويطرد عناصر الجبهة الانفصالية، ويعيدها إلى تندوف حيث معقلها ومستقرًّا ومتكأ لها، والشروع في بناء جدار رملي عازل، لمنع عناصر البوليساريو من التسلل مرة أخرى من جهة، ومن جهة أخرى جعل حلم الجزائر في الحصول على منفذ بحري على المحيط الأطلسي يتبخر، ويختفي إلى الأبد بين كثبان رمال الجدار العازل المشيد هناك في الصحراء المغربية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد