ذاع صيت صناعة التفاهة وسخرية الأشخاص من بعضهم البعض وتعدى الأمر إلى تسطيح المواضيع والمفاهيم كذلك، وتجريدها من الجدية ومن المنطق الذي لطالما رست عنده الحضارات والعلم، كل ذلك في الوقت الذي كان من المفروض أن يصل فيه الانسان إلى أعلى مراتب التقدم والتطور الفكري والحضاري بالنظر إلى التطور التكنولوجي والعلمي الذي شهدته البشرية.

هذه التجارة التي أضحت اليوم من بين أهم مصادر الدخل والشهرة بالنسبة للعديد من الأشخاص عبر العالم، حرفة مربحة جدًا لا تكلفك سوى صناعة محتوى تافه وساخر تقدمه للجمهور على طبق مقزز ليتناولوه بشراهة، ما يكسبك في المقابل شهرة واسعة تساعدك في ذلك أدوات التكنولوجيا والإعلام بكل أنواعه.

إن إدمان العالم على صناعة محتوى تافه لم يأت من العدم، لكن دعم وترقب واحتضان الجمهور لمثل هذه المحتويات الساخرة هو ما يعتبره هؤلاء «البلوجر» و«اليوتيوبرز» قوتهم الحقيقية، فكلما زاد عدد المتابعين والمترقبين لمثل هذه المحتويات التافهة زاد حماس وجهد هؤلاء لصناعة محتوى أتفه من الذي قبله، وهذا ما خلق منافسة شديدة بين رواد هذه الصناعة حيث أصبح أتفه محتوى يصنع قاعدة جماهيرية وشعبية كبيرة من خلال حجم المشاركات والمشاهدات المليونية.

إن الخلل لا يكمن في قدرة هؤلاء على تقديم أنفسهم باعتبارهم مسخرة وروحًا تافهة تهوى التفاهة وتقدمها باحترافية، بل إن الخلل يكمن في الجمهور الذي يشجع ويدعم هذا النوع من الصناعة، يحتضنها ويؤيد المروجين لها، وبذلك يصبح له اليد الكبرى والحصة الأعظم في انتشارها بين الأوساط، هذا فيما يلاقي صنف آخر من الناس صعوبة بالغة في جذب الجمهور إليه رغم أن المحتويات العلمية والعملية التي يقدمونها أنفع وأهم بكثير مما يتابعونه على غير هذه القنوات مثلا.

ليس هذا فقط، بل إننا نلاحظ عدم اكتراث رواد وزوار مواقع التواصل الاجتماعي بمتابعة هذا الصنف خصيصًا، ويهتمون بما يقدمونه من نصائح وكلام فارغ وتصرفات غبية على الاستماع إلى نفس النصائح والمعلومات من شخصيات جدية وثابتة وذات أصل علمي ومعرفي، هذا إن دلّ على شيء فإنما يدل على أن الناس تتجه إلى محتويات تكون فيها نسبة التفاهة أكبر، ويتقبلون النقد والنصح في حال ما كانت طريقة المقدّم مختلفة وساخرة في نفس الوقت.

قد تجد نفس المحتوى، ولكنه مقدم بطريقتين مختلفتين، تكون الأولى هزلية أما الثانية فجدّية هنا يتجه الجمهور لمتابعة المحتوى الهزلي أكثر من الجاد، ويتابعون الشخصيات الساخرة والهزلية أكثر من الشخصيات الجادة والفاعلة، بعيدًا عن المحتويات الطويلة عبر قنوات اليوتيوب أو الانستغرام، فإننا نجد نفس الحالة عبر جدران «فيسبوك»، حيث يلقى الناشرون للأمور الساخرة والتفاهة إقبالًا كبيرًا جدًا على حساباتهم ومشاركات واسعة لها عبر مختلف مواقع التواصل الاجتماعي بينما تجد أن الشخصيات التي تحرص على تقديم مقالات هادفة أو التحدث أو معالجة حالات ومواضيع الساعة بالصورة الجدية يملكون قاعدة جماهيرية ضيقة جدًا ومعينة.

هذا التشجيع أو التغني بصناعة التفاهة والمواضيع الساخرة زاد عن حده وخرج عن إطار السخرية من مواضيع الساعة إلى السخرية من الشخصيات والدراسات العلمية، وآخر ما توصل إليه العلم والعلماء وتبني نظرية السخرية والاستهزاء لتفنيده، هذا الوضع الذي خرج عن السيطرة سبب انهيارًا في مصداقية القول والفعل وارتفاع نسبة التقليد الأعمى للغرب، إضافة إلى محق تام للأخلاق وأساسيات الدين الإسلامي، هذا الدين الذي دخل حيز الاستهزاء به وبتعاليمه وتحريفه وهو الأمر الذي سعى إليه الغرب طويلًا، أما اليوم فإننا نرى بأن أبناء الدين الإسلامي هم أنفسهم من يقومون بتشويهه وبتأويل أحاديثه وآياته إلى ما يخدم صناعتهم القذرة.

إننا نتجه نحو نهاية الحضارات الإسلامية، وإلى تهديم دعائم أخلاقية ما إن تنهار بنا سنجرف جميعًا إلى عقر جحيم الرذيلة والفسق، ذلك أننا أصبحنا نشيد بالأعمال الساخرة والتافهة ونتجاهل المحتويات التي تفيدنا، نستمع إلى ما يضحكنا وما يسيل لعابنا وينقر شهواتنا ونتفادى ما يعلمنا ويقودنا إلى الطريق الصحيحة، كل ذلك ناتج عن التربية وتمكن الأطفال حتى من الدخول إلى العوالم الإلكترونية وإتقان استعمالها دونما رقابة من الأهل، الأمر الذي سهل وساهم بشكل كبير في انتشار هذه الصناعة بين المراهقين الشباب خاصة.

قد لا نوجد الحلول لمثل هذه الظواهر الغريبة التي غزت عالمنا العربي وكشفت المستور عن مدى تمسكنا بديننا وبأخلاقنا وبأننا قوم تهزهم الريح وتسير بهم كما تشاء، وبأننا ننجرف نحو حياة مريضة كثر فيها المرضى النفسانيون والمكتئبون والباحثون عن الحقيقة لكن بطريقة تجعلهم يتيهون في أنفسهم أكثر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد