«إن شاجال هو الرسام الوحيد الذي ما زال على قيد الحياة ويفهم المعنى الحقيقي للألوان» – بيكاسو

عالم شاجال عائم، كيانات اللوحة تسبح في تناغم موسيقى ناعم.. حتى في أكثر السياقات تكعيبية نجد عناصره عائمة في «رتم» محبب غير متكلف. الكل يطفو في السماء، الكيانات تتمرد على كل قوانين الجاذبية، تتحرك بحرية وكأنها تسمو فوق كل الماديات وتتحرر منها.

Title: I and the village /Year: 1911/ Medium: Oil on canvas/ Dimensions : 192.1 cm × 151.4 cm (75.6 in × 59.6 in) Location: Museum of Modern Art, NY

الضوء يحلق في أعمال شاجال شأنه كشأن كل ما يقع في اللوحة، فأعماله باقة رمزية ذات نغمات موحية موزعة على نوتة موسيقية جريئة، دون تجاهل للمسة شاجال الخارقة للطبيعة في أغلب الأحيان.

نماذج أولية ذات حس طفولي، أو كأنها رسوم واسكتشات غير كاملة، وخاصة في أواخر إنتاجه الفني. أشكال بسيطة تميل للتعبيرية أكثر من ميلها للتماسك والتحديد.

بجانب التحرر من الجاذبية، الكيانات في سياق غير معقول، أشخاص ذات أجنحة وحيوانات تطير فوق المنازل.. فاللوحة تجل لوحدة أخوية بين الإنسان والحيوان. كما لا يهتم شاجال بإظهار العمق، العناصر منكسة رأسًا على عقب ذات اختلافات متعمدة في نسبها وأبعادها.

يمثل شاجال تجليًا للعديد من التيارات الفنية المتنوعة، حيث جمعت أعماله بين معظم الرؤى والأساليب الفنية ببصمتة اللونية الفريدة. بطبيعة الحال وبعد تخطيه المرحلة الأكاديمية بدأ شاجال يميل بتشخيصاته وكياناته إلى كل ما هو ذو بصمة تكعيبية، ربما لأنه وجد في التكعيبية ملاذًا لأشكاله غير النمطية المتراكبة معًا في تجانس محبب. ولأن شاجال له بصمته الفريدة، كان لتكعيبيته أيضًا نكهة خاصة؛ فعلى الرغم من أنه لم يلتزم بمنهج التكعيبية الحاد، إلا أنه طور أشكالًا هندسية بطابع مرن ومنمق في نفس الوقت.

لكنه سرعان ما تمرد على التكعيبية عندما وجد في نفسه الحاجة إلى التحرر، حيث بدت له التكعيبية أكثر ارتباطًا بالعالم المادى بعيدًا عن تجسيداته ذات الطابع الحالم.

اعتبر السرياليون شاجال أحد رواد حركتهم، ولكن على الرغم من الحالة التي تشبه الحلم التي تتضح في أعمالهم، إلا أن شاجال رفض بعض مفاهيمهم. مطورًا أسلوبه الخاص الفريد.

نجد في اللوحات التي تمثل نضج شاجال الفني تحرر من أنماط التكعيبية بشكل انسيابي وتتجه بشغف نحو التعبيرية بنكهة خاصة، وحس تجريدي في أغلب الأوقات.

كان عالم شاجال ملونًا، فأول ما يلفت الانتباه إلى صنيع شاجال هو سيمفونياته اللونية التي تأسر المتذوق وتستحوذ عليه. استطاع شاجال أن يحرر اللون من التعامل معه كعنصر ثانوى ليصبح بطل لوحاته الحقيقي وسمة تتحدث بها أعماله.

قادر على إيصال كل مشاعره وأهدافه في قطعه الفنية عن طريق لونين أو ثلاثة لا أكثر، يعرف شاجال عن اللون أكثر مما يعرفه معظم فناني عصره.

تتجاوز ألوان شاجال حدود كل الأجسام الممتدة والأشكال المغلقة في لوحاته، الألوان تتمرد على كل ما هو محدود لتصل لحالة من التعبير الذاتي أكثر من وظيفتها النمطية في ملء فراغات الأشكال والعناصر.. اللون ينتصر في أعمال شاجال.

بالتة لونية شابة وجريئة، اللون في قطعه الفنية في أشد عنفوانه وسطوعه وتشبعه، درجات زاهية قادرة على إيصال جميع الحالات النفسية ورواية جميع قصص ومراحل حياة شاجال بداية من الواقع والقرية وطفولته وانتهاء بالحكايات المعلقة بين الحلم والخيال.

غالبية موضوعات شاجال مرتبطة بطفولته ونشأته في إحدى قرى بيلاروسيا، فللقرية والحياة الريفية وعناصرها نصيب في كل أعماله الفنية تقريبًا، حيث نجد رموزًا مثل الفلاح، كما أن الديوك على سبيل المثال تملأ معظم لوحاته أيًا كان موضوعها.

كانت هويَة شاجال اليهودية من أهم مكونات شخصيته، ویمكن وصف جزء كبیر من أعماله بأنها محاولة للتوفیق بین التقالید الیھودیة القدیمة وأسالیب الفن الحدیث. كما أنه رسم مجموعة من اللوحات التعبيرية التي تمثل حكايات العالم الروحي المسيحي والكتاب المقدس. بالإضافة إلى ذلك جسد شاجال روائع فن الباليه والفلكلور الروسي.

ويمكن القول إن حب شاجال لحبيبته بيلا من أكثر ما ألهمه، رسمها العديد من المرات ودفعه حبه لها وذكرياته الحميمية معها إلى خلق لوحات فنية فريدة.

Title: La promenade /Year: 1918 Style: Cubism Medium: oil on canvas /Dimensions: 169.6 x 163.4 cm

تحليل لوحة «النزهة»

في عالم من الصراعات السياسية والحروب، وسط القتلى على جميع الضفاف، يقف شاجال بصوت شجاع وفرشاة محترفة ليجسد أنبل الموضوعات. ليواجه الحرب بالحب.. في لوحة تحمل اسم النزهة/ الرحلة.. هي رحلة حبيبين معًا: شاجال وحبيبته بيلا.

المشهد أمامك هو فتاة جميلة تسبح فى السماء ويمسك بها رجل على الأرض هو شاجال ذاته. الحالة مختلفة، فعادة ما يتم تمثيل الحبيبين معًا في أوضاع أكثر حميمية أو تقارب. أراد شاجال أن نرى تفاصيل أخرى، أن نرى حبًا بنبرة مختلفة عن جميع اللوحات.

الرحلة أو نزهة شاجال مع حبيبته بيلا مختلفة عن جميع لقاءات الحب التقليدية؛ هي نزهة لا تنطبق عليها قوانين الجاذبية! نزهة في السماء تتخطى فيها بيلا كل قوانين الفيزياء والواقع. رحلة جوية في سماء المدينة هي كل ما يحتاجه حبيبان ليتحررا معًا.

لكن لماذا بيلا في السماء بينما قدما شاجال على الأرض؟

تطير بيلا في سماء المدينة تسعى أن ترفع بدورها شاجال معها.. هي من كسرت رتابة الواقع وماديته محاولة أن ترفع حبيبها شاجال إلى كل ما هو محرر. إنها نشوة الحب التي تؤلف بين الحبيبين في رحلة سماوية لا يشاركهما بها أحد. بيلا هي مخلص شاجال من مصاعب الحياة وألم الحرب.

ربما لأنها هي ملك منزل من السماء في نظر شاجال، ملك يمثل كل ما هو جميل وعال، لا يجب ان تمس قدماها الأرض.. تحاول أن ترفع شاجال معها إلى رحلتها وكأنها ترتقي بروحه وتسمو بها.

أو ربما لأنها قلبت حياة شاجال رأسا على عقب. حب بهذة العذوبة وفتاة بهذا القدر من الجمال كانت قادرة على تغير كل شيء، أن تسحب شاجال معها من كل ما هو نمطى لرحلة حب بلا أي قيود. حتى على الصعيد المهني كان تأثير بيلا في حياة شاجال لا ينسى، فبسببها وبسبب حبه لها أنتج أجمل قطعه الفنية وهو مدين لها بنجاحه.

يمسك بيديها بقوة وكأنه يخشى فقدانها. يمسكها بإحكام، فلا شيء له قيمة أن كانت بيلا بعيدة أو إن حلقت راحلة عنه.

عناصر العمل الأساسية ثلاثة: رحلة الحبيبين معًا فهي رحلة حب وعمر يمضيانه سويًا، ثم الإشارة إلى مدينة فيتبيسك مدينة نشأة شاجال وموطن ذكرياته، بالإضافة إلى بعض الرموز في اللوحة مثل الوشاح الأحمر والنبيذ والسماء والكنيسة والطائر في يد شاجال وفروع الاغصان المتدلية على اليسار.

شاجال في تواصل بصرى معنا، يبتسم لنا.. أسباب عديدة لنشوة شاجال في اللوحة؛ نزهة مع بيلا حبيبته ورفيقة عمره، أو النبيذ الأحمر في أسفل يسار اللوحة.. حتى تجسيده لمدينة نشأته يبث البهجة في نفسه أيضًا.

يحمل شاجال في يديه طائر، وهو أمر محير، إذ كيف يسعى إلى التحرر في نزهة السماء مع بيلا، وهو يمسك طيرًا في يديه ويأسر حريته؟

ربما الطائر هو رمز لكل ذكريات شاجال وآلامه، كل ما يجب أن يتركه يرحل ليصبح قادرًا على صحبة بيلا في الأعلى ويسعدا بنشوة هذا الحب، أو لعله رمز للتواصل مع الطبيعة.

السماء صافية على غير المعتاد، إنها المباركة الإلهية لهذا الحب، فلا غيوم أو عواصف تعكر صفو بيلا أثناء نزهتها السماوية. حتى الغصن في يسار اللوحة يرمز لدوام هذا الحب ومستقبله، حيث استمر زواج شاجال وبيلا 30 عامًا حتى وفاتها.

اختار الفنان إظهار الأرض والمباني في اللوحة لدلالة ما، فالمباني ليست على الطراز الباريسي، وإنما تشبه مدينة نشأة الزوجين «فيتبيسك» وموطن ذكرياتهما معًا، مكان نشأة حبهما. فعلى الرغم من أنهما أمضيا معًا بعض الوقت في باريس إلا أن شاجال أراد ان يجمع كل ما هو محبب إلى قلبه في اللوحة.

المبنى الوحيد ذو اللون المختلف عن باقي المدينة هو كنيسة على الأرجح. لون المبنى وردى كلون فستان بيلا. ربما يعني هذا أن إيمان شاجال ببيلا يوازي إيمانه بعقيدته، فكلاهما شكلا أكبر الدوافع في مسيرته الفنية. أو ربما كان يعني الإشارة إلى أن بيلا ملك مرسل من السماء أو هدية إلهية. الحب والدين يسموان بالروح إلى أعلى.

ألوان العمل زاهية ككل أعمال شاجال، بصمته اللونية واضحة حتى وإن كان العمل أقل من حيث التشابك اللوني مقارنة ببعض اللوحات الأخرى، خاصة في أواخر أعماله، ومع ذلك فهي محببة للعين متناسقة غير مزعجة رغم اختلافها. اللون الغالب على العمل هو الأخضر، وهو من أكثر الألوان المستخدمة في أعمال الفنان، وهو هنا يمثل التحرر والأمل.

مصدر الحركة في العمل هو طيات فستان بيلا، كما نشعر بحركة ضمنية من اليمين إلى اليسار، ونلاحظ أيضًا حركة شاجال التي نترقب حدوثها من الأسفل إلى الأعلى. وعلى الرغم من أنه عمل تكعيبي، إلا أننا نجد في أعمال شاجال خطوطًا لينة حرة، وهي سمة مميزة لأسلوبه.

مركز العمل في اللوحة هو يدا الحبيبين، يريد شاجال أن يركز محور عمله على لحظة اتحاد الحبيبين بحيث إن أغفل الناظر أية تفاصيل في اللوحة فلا ينسى لحظة اتحادهما معًا. حتى وإن كان شاجال ما زال على الأرض وبيلا في السماء، حتى وإن كانت ملكًا وهو بشري، فلن ينجح أي شيء في تفريقهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد