الحاكم السيادي هو الذي يقرر في الحالات الاستثنائية. كارل شميت (اللاهوت السياسي ص23)

لقد مكّن الدستور الرئيس باعتباره الحاكم السيادي من تقرير الحالات الاستثنائية، وهي حالات تقع خارج نطاق القوانين المطبقة في الحالات الطبيعية. ولم يعطها للبرلمان لأنه غير فاعل، ويعتمد حلولًا وسطى مبنية على نقاشات طويلة وعقيمة لن تحقق بالضرورة الغاية من حالة الطوارئ المرتبطة بالخطر الداهم.

فالخطر الداهم يتطلب تدخلًا سريعًا. فالدستور يسمح للرئيس بإعلان ديكتاتورية دستورية مؤقتة ومحددة زمنيّا لتجاوز حالة الخطر في أسرع وقت ممكن. ولن يكون هناك اختصاص قضائي نهائيًا. فمن الواضح مَن هو الحاكم السيد. فهو الذي يقرر ما إذا كانت هناك حالة طوارئ قصوى وكذلك ما يجب القيام به للقضاء عليها (ص24). فالرئيس (يعبر عن السيادة) يمثل القوة الدائمة والمطلقة للجمهورية كما يقول بودون في تعريفه للسيادة. فالدولة (يمثلها الرئيس حسب الدستور) تعلق القانون في الحالات الاستثنائية على أساس حقها في المحافظة على الذات (ص29). ولن ندخل في جدال دستوري وقانوني حول مدى دستورية القرارات المتخذة، فهذا الأمر قد أخذ حظه من النقاش في الفضاء العام ولم يزل. وكل طرف له من الحجج ما يسقط حجج الطرف الثاني، ولأن المسألة مرتبطة بالممارسة السياسية وبالواقع السياسي الفعلي يصبح النقاش الأكاديمي لا طائل منه. فالسؤال الآن: متى تعود تونس للوضع الطبيعي؟ والسؤال الأهم: هل كانت تونس طيلة الفترة السابقة لأحداث 25 يوليو (تموز) 2021 في حالة طبيعية؟

يؤكد كارل شميت أنه ليس لدينا في تونس (النص الأصلي ألمانيا) أي دولة كلّية، بل مجموعة أحزاب كلّية يريد كل واحدٍ منها أن يفرض كلّيته على أفراده، وأن يُهيمن عليه منذ ولادته حتى دفنه، في مدرسته وفي ناديه الرياضي، وحتى في مكتب دفن الموتى. فالأحزاب هي التي تُسيّس حياة الشعب بشكل كامل إنها تُجزّء الوحدة السياسية للشعب. فالأحزاب تُقسّم المجتمع. فالمكاتب التنفيذية واللجان المركزية وقادة الأحزاب أو الائتلافات تقرر مصير المواطنين وراء أبواب مغلقة، حيث تخضع الأحزاب للانضباط الصارم، فيحرم الانضباط الحزبي النائب المنتخب من أن يُمثّل الشعب بشكل حقيقي، ويُمنع من تغيير رأيه وموقفه على ضوء النقاش العام. ويصبح النقاشُ العام مجرد مسرحيةً محضة، بل مجرد تهريج في الفضاء العام. وتصبح «توافقات المكاتب» مختطفة لإرادة الشعب ، ويبتعد البرلمان كثيرًا عن أن يكون حاضن النقاشات العامة الحقيقية. ويصبح مكان لتحقيق توافقات المصالح المتناقضة الموجودة بين الأحزاب والائتلافات، ويتم كل ذلك بعيدًا عن أعين الرأي العام. وهكذا تبدأ تزداد الهوة العميقة بين النواب والشعب ويصبح البرلمان معبرًا عن إحباط عام تجاه الطبقة السياسية. حينها ينتظر الشعب المخلص الذي سيعيد للدولة كلّيتها الحقيقية والتي تتمثل في اختفاء التمييز بين الدولة والمجتمع، حيث إن الدولة ليست إلا تنظيمًا ذاتيًا للمجتمع، فكل المشكلات الاجتماعية والاقتصادية مشاكل دولةٍ. ذلك أن مهمة الدولة الأساسية والمركزية حل تلك المشكلات وتحقيق أهداف وطموحات الشعب في الكرامة والحرية الحقيقيين. فتحرير العقد الاجتماعي (الدستور) من غلاف الديمقراطية الوهمية والصورية والشكلانية والمحافظة على نواته الأساسية المتمثلة في إرادة الشعب (الإرادة العامة) يعيد للدولة وجودها الحقيقي كمعبرة عن الشعب، فيتحقق تجانس الشعب الذي يمكن من تحقيق اتحاد أفكار ورؤى حول القضايا الأساسية للمجتمع. ففي الدولة الكلّية الحقيقية يجب أن يوجد حاكمٌ واحد هو الشعب، وهو الذي يفرض وجود هوية تشمل الكل. والنموذج السياسي الديمقراطي البرجوازي لا يمكن أن يكون معبرًا حقًا عن تلك الدولة لأنه تم سرقته من قبل الأحزاب والائتلافات التي حلت محل الشعب ونصبت نفسها ناطقًا رسميًّا باسمه في حين أن دولة الشعب تتأسس على مفهوم مساواة محدد وجوهري، أي الانتماء لشعبٍ لا الانتماء إلى الأحزاب والائتلافات.

لقد كان للبرلمان طيلة العشرية الأولى للثورة التونسية دورًا حاسمًا في ترذيل الحياة السياسية في تونس. فالبرلمان الذي تميز بجملة من المظاهر التي أفسدت الحياة السياسية وقدمت صورة سلبية عن الديمقراطية التمثيلية مثل السياحة الحزبية بحثًا عن الفائدة الشخصية للنائب السائح، وما ترتب عن ذلك من بيع للذمم لمجموعة من النافذين حتى أصبحت لهم كتل دون أن يفوزوا في الانتخابات.

ونشأت عن ذلك مجموعة من الأحزاب لا تمثل رؤية أو فكرة أو موقف، بل مجرد دكاكين سياسية بلا برامج تحقق أهداف الثورة والشعب. كما تحولت الإستراتيجية الوحيدة للأحزاب والائتلافات السياسية هي ترذيل بعضها البعض والتشهير المتبادل عبر تهم الفساد والمحسوبية حتى أصبح الانطباع العام لدى عموم التونسيين أن كل الطبقة السياسية فاسدة.

إضافة إلى بروز ظاهرة التهريج التي حولت البرلمان إلى سيرك وحولت النواب إلى مهرجين، وانتهى الأمر بحرب الكل ضد الكل من خلال العنف المادي واللفظي، وضاعت في كل ذلك المشاكل الحقيقية للشعب، ولم يعد بإمكان أية حكومة العمل في ظل عدم النضج السياسي، وغياب الحس الوطني لدى الموالاة والمعارضة على حد السواء. ونسي الجميع أن الشعب يشاهد ذلك مباشرة، وأنه يومًا ما سيخرج عن صمته خاصة مع غياب كل أفق لعودة الطبقة السياسية لوعيها. ولعل أكبر جرائم البرلمان هو الامتناع عن انتخاب المحكمة الدستورية.

إن الأخطاء الكارثية للبرلمان منذ 2014 ساهمت في ترذيل الحياة السياسية، وأدت لزهد عموم الناس في الديمقراطية مع الوطأة الشديدة للوضع الاقتصادي والاجتماعي والصحي المتردي جدًا على حياتهم اليومية.

كل هذه العوامل إلى جانب عجز حركة النهضة على الحكم بالشجاعة المطلوبة وتحمل المسؤولية الكاملة في ذلك. وقد تجلى هذا الأمر منذ الحكومة الأولى بعد الثورة، والتي تراخت في محاسبة حيتان نظام بن علي من الفاسدين الكبار حتى مكنتهم من العودة مجددًا بكل قوة من خلال قانون المصالحة بعد 2014، وفي إطار سياسة التوافق التي هندستها باريس. وتواصل هذا الهروب من المسؤولية والخشية أثناء وبعد انتخابات 2019 حيث ساهمت النهضة نفسها في عدم وصول مرشحها للدور الثاني من الانتخابات الرئاسية وأسقطت حكومة الجملي حتى تعود المبادرة للرئيس. كما واصلت سياسة حماية الحكومات الفاشلة والفاسدة مثل حكومة الشاهد وبعدها المشيشي، وكان خطأ حركة النهضة الأكبر التمسك ببقاء رئيسها على رأس البرلمان رغم كل البوادر التي تشير أنه سيكون مجال توتر شديد داخل المجلس وخارجه، وأن الحل الأفضل انسحابه وتعيين شخصية أخرى ذات مقبولية أفضل، أو تسليم الرئاسة لنائبة الرئيس حتى يعود البرلمان لوظيفته الحقيقية وتكف رئيسة الدستوري الحر عن ترذيله خاصة مع التحاق بقية الفاعلين السياسيين داخل البرلمان وخارجه في عملية الترذيل للحياة السياسية مستغلين وجود رئيسها على رأس البرلمان. كما أن التمسك بحكومة المشيشي بعد بروز الأزمة الدستورية مع رئيس الجمهورية كان أسوأ الخيارات وكانت نتيجته ما حصل يوم 25 يوليو 2021.

لقد كانت البلاد جاهزة لقبول ما حصل يوم 25 يوليو 2021 لأن الطبقة السياسية لم تترك لها من خيار غير البحث عمن ينقذها من الخراب الذي نتج عن غياب كل وعي سياسي حقيقي لدى النخب الحاكمة موالاة ومعارضة على حد السواء. ونعتقد أن الحكومة الجديدة لن يكون فيها أي دور للمنظومة الحزبية ككل ودون استثناء حتى لمن باركوا خطوة الرئيس. فالكل يعلم جيدًا أن رؤية الرئيس السياسية القائمة على الديمقراطية المباشرة تتعارض مع تمثلات الأحزاب للحياة السياسية. كما أن مشاركة أي طرف سياسي في الحكومة القادمة لن يساهم إلا في عرقلتها والإساءة إليها لدى الرأي العام الذي تحرك ضد كل القوى السياسية في البرلمان دون استثناء، وليس ضد طرف دون آخر كما يتوهم البعض.

لا أحد يعلم ما سيحدث في تونس في الأيام القادمة، ولكن الكل مقتنع بأنه حان الوقت لتغيير قانون الانتخابات (سيكون على الأفراد حسب رؤية الرئيس) ولإدخال تعديلات على النصوص الدستورية الخاصة بالسلطة التنفيذية حتى تعود لتوازنها عبر رأس واحد لها والتخلص من النظام الهجين الذي تبين أنه لا يتسبب، إلا في الأزمات وقد تجلى ذلك مرتين في عهد المرحوم الباجي قايد السبسي والشاهد واليوم بين الرئيس قيس سعيد والمشيشي. حان الوقت لوضع نظام سياسي واضح، إما برلماني كليّا، أو رئاسي كليّا يخضع للرقابة البرلمانية والدستورية. وحان وقت انتخاب المحكمة الدستورية وكافة الهيئات الدستورية التي دونها لا يمكن الحديث عن ديمومة للديمقراطية تمثيلية كانت أم مباشرة.

إن حرية الإنسان هي القيمة الأعلى (ص169) ولذلك فإن أي اجراء استثنائي يجب ألا يمس أو يهدد بأي شكل من الأشكال تلك القيمة العليا خاصة إذا ما قبلنا أن ما تم تصحيح لمسار الثورة التونسية. فالثورة التونسية قامت على قيمتين جوهريتين هما: الحرية والكرامة. ولا يمكن للكرامة أن تكون على حساب الحرية، ولا الحرية على حساب الكرامة. فالحرية والكرامة متلازمتان، ولا غنى لإحداهما عن الأخرى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد