شاهدت فيديو على منصة اليوتيوب للدكتورة سهير السكري المتخصصة في علم اللغويات بجامعة جورج تاون، الولايات المتحدة الأمريكية حول موضوع الإبداع وعلاقته باللغة، ولقد خطفني وشدني هذا الموضوع لثلاثة أسباب:

السبب الأول: بحكم مهنتي وهي أنني مدرس للغة العربية، السبب الثاني: موضوع تخرجي في الجامعة كان حول الإبداع والتفكير الإبداعي، السبب الثالث: هو عشقي للغة العربية وكوني كاتبًا أسعى دائمًا لتطوير نفسي وإثراء لغتي لأحاول أن أوفق بين عمق النص وجماله، وليكون النص حديثًا لا يمل بين يدي القارئ العزيز.

على الرغم من أن علوم اللغة واللسانيات ليست من تخصصي، إلا أنني أردت أن أخوض هذه المغامرة وأسبح في هذا البحر بالرغم من عدم إجادتي للسباحة، لكن لعل عشقي وحبي للغة الضاد قد يكون هو طوق نجاتي وسبيل وصولي لبر الأمان.

كيف يتحقق الإبداع من خلال اللغة؟

قبل الخوض في الحديث عن اللغة ودورها في خلق الإبداع لدى الفرد يجب أن نتطرق أولًا لكل من الإبداع واللغة من الناحية اللغوية وأن نعطي تعريفًا جامعًا للإبداع واللغة ونحاول أن نحيط من كل جوانب هذين المصطلحين.

تعريف ومعنى بدع في معجم المعاني الجامع: بَدَعَ: (فعل)، بدَعَ يَبدَع، بَدْعًا، فهو بَديع، والمفعول بَديع. بَدَعَ عادَاتٍ لَمْ تَكُنْ شائِعَةً: أَنْشأَها عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ، بَدَعَ أُسْلُوبًا جَدِيدًا: خَلَقَهُ، اِبْتَكَرَهُ عَلى غَيْرِ مِثَالٍ. بَدَعَهُ بَدَعَهُ بَدْعًا: أنشأهُ على غير مثال سابق، فهو بديع (للفاعل والمفعول)، فالمعنى اللغوي للإبداع مأخوذ من الفعل أبدع، وأبدع الشيء: أي أنشأه وبدأه على غير مثال سابق، أي صياغة غير مسبوق لها.

أما معنى اللغة؛ فتعريف ومعنى لغة في معجم المعاني الجامع: لُغة: (اسم)، والجمع: لُغًى، ولُغاتٌ، اللُّغَةُ: أصَواتٌ يُعَبِّر بها كل قوم عن أغراضهم؛ سِمعتُ لُغاتِهم: اختلافَ كلامهم. لُغَة الضَّاد: اللُّغَة العربيَّة. أُحاديّ اللُّغَة: معبَّر عنه بلغة واحدة فقط، أو مَنْ يعرف أو يستخدم لغة واحدة فقط. اللُّغة الأُمّ: اللُّغة الأولى التي يمتلكها الفردُ، اللُّغة الأصل التي تتفرَّع إلى لغات.

مرض ازدواجية اللغة

تقول الدكتورة سهير السكري أن هناك مرضًا قد أصاب العرب ككل، وهو مرض ازدواجية اللغة وأصبح من النادر التحدث باللغة العربية الفصحى بطلاقة فإما يتم خلط اللغة العربية بلغة أجنبية أو يتم تطعيمها بكلمات من اللهجة العامية أو ارتكاب أخطاء نحوية وصرفية.

بل وحتى الطبقة المثقفة، التي كان من المفترض أن تتصدر المشهد وأن تكون في صدر المدافعين عن اللغة العربية والهوية العربية، وهي من ستقود الشعوب العربية لتحافظ على لغتها.

أصبحت هذه الطبقة بعيدة كل البعد عن لغتها الأم، بل هناك من المثقفين من يحارب اللغة العربية ويحقد عليها ويعتبرها سببًا في تخلفنا، وأضحى التكلم بلغة أجنبية مظهرًا من مظاهر التحضر والثقافة والعصرنة.

لماذا أصبحنا نعاني من مرض ازدواجيه اللغة؟

عندما يولد أطفالنا وقبل الالتحاق بالمدرسة خلال هذه السنوات الستة التي يقضيها الطفل في المنزل، لا يتكلم إلا باللهجة العامية، فينشأ الطفل في المنزل وقد تعلم العامية فقط. عند دخول الطفل إلى المدرسة يكون في مواجهه اللغة العربية الفصحى، وكأنها بمثابه لغة أجنبية وليست هي اللغة الأم.

ما الذي حدث بعد الفتوحات الإسلامية؟

بعد الفتوحات الإسلامية توسعت رقعة البلاد الإسلامية، ونتج عن هذا التوسع تنوع كبير من ناحية البنية الديمغرافية، فلقد أصبح المسلمون يعيشون مع الكثير من الشعوب غير العربية، ونتج عن هذا الاختلاط وسيؤدي هذا بالتأكيد إلى علاقات إنسانية، ومنها الزواج.

وقد تزوج العرب من نساء أعاجم وكانت هؤلاء النسوة لا يتكلمن اللغة العربية بل يتكلمن لغتهم الأم، فخشي المسلمون اندثار اللغة العربية بالتدريج، لذلك قرروا في هذه الفترة الحرص على تعليم الصغار في الكتاتيب لتعلم اللغة العربية الفصحى.

وكان أول ما يتعلمونه هو دراسة القران الكريم وكان الطفل من ثلاث إلى ست سنوات يحفظ ويختم القرآن كاملًا، ليس فقط حفظ القران لكنه ترتيله بالأحكام، ثم يتعلم الطفل ألفية ابن مالك، وهي ألف بيت من الشعر تلخص قواعد اللغة العربية.

فيصبح الطفل الذي عمره سبع سنوات يتحكم في اللغة العربية الفصحى ويتقنها إتقانًا كاملًا ويحفظ القرآن الكريم وفق الأحكام.

بعد سقوط الدولة العثمانية

إذًا، بعد سقوط الدولة العثمانية وبعد تقسيم الوطن العربي إلى دويلات بعد معاهدة سايكس بيكو، كان أول ما قام به الاستعمار الفرنسي والبريطاني هو تدمير الهوية العربية الإسلامية، وذلك بمنع الكتاتيب ومنع تدريس اللغة العربية ومنع تحفيظ القرآن الكريم.

ما علاقة اللغة بالإبداع؟

يقول أينشتاين أن الخيال أهم من المعرفة، فلو طلبت منك أن تتخيل أي شيء فأنت ستقوم بعملية ذهنية داخل دماغك ثم ستقوم بالتعبير عن هذا باللغة بالكلمة بالمفردة، إذن أول الطريق للمعرفة هو اللغة القوية.

فالطفل العربي حسب الدكتورة سهير السكري قبل ست سنوات لا يعرف سوى 3 آلاف كلمة وبالمقارنة مع الطفل الغربي الذي يعرف حوالي 16 ألف كلمة.

إذن مستوى الطفل العربي محدود جدًا بالمقارنة مع الطفل الغربي، ولن يكون هناك إبداع أو ابتكار دون لغة قوية.

كيف نحل المشكلة؟

عندما واجه المسلمون القدامى مشكلة زواج العرب من الأعاجم وخوفهم على فقدان اللغة العربية، واجهوا هذه المشكلة بتدريس الصغار وتحفيظهم القرآن أولًا وبأحكامه ثم تدريس قواعد اللغة العربية.

نحن نواجه مشكلة مشابهة، وهي طغيان اللهجات العامية واللغات الأجنبية، والحل بسيط وسهل، المشكلة نفسها تستلزم الحل نفسه، لكن مع مراعاة العصر والتطورات التي حدثت يجب تحفيظ الصغار قبل ست سنوات القرآن بالأحكام وقواعد اللغة العربية.

لن تستطيع أن تنهض أي أمة إلا بلغتها الأم، فتجربة اليابان والصين ليست ببعيدة عنا، ونحن نرى ما وصلوا إليه من تقدم وتطور تكنولوجي مذهل باستخدام لغتهم الأم، بالرغم من تعقيدها وصعوبتها.

نحن نملك أجمل وأقوى لغة، نملك أكثر من 12 مليون مفردة ونملك القرآن الكريم بـ50 ألف كلمة، نحن نملك كنزًا حقيقيًا بين أيدينا يجب أن نحافظ عليه ولا نجاة لنا إلا بلغتنا العربية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد