انهزامية الشخصية الإسلامية

إن الناظر لتاريخ الدول ونشأتها، وما ترتكز عليه من دين ومبادئ وقيم، وما تُبنى عليه من أخلاق وسلوكيات ما هي إلا امتداد لديانات وحضارات سابقة اتكأت عليها، ونشاطات توارثتها الأجيال جيلًا بعد جيل تعتز بالانتماء لها، وتصير جزءًا من حياتها، وسلوكًا تروي به أفكار أبنائها، لذلك لا تجد من يتنكر لتلك السلوكيات وتلك المبادئ كونها تمثل ماضيهم الحضاري، وتراثهم الثقافي، وحاضرهم المتميز.

فالمسيحي يظل متشبثًا بانتمائه مؤديًا لشعائره، مقيمًا لأعياده، محتفلًا بمناسباته وأعياده، يحادد من ينتقص من رموزه الروحية، وتوجهاته الفكرية، وإسلوب معيشته اليومية فلا يحبذ التقليد، ولا يذوب في ماديات الآخرين بسهوله، وتجد اليهودي ملتزمًا بديانته، متعبدًا لربه حتى إنه ليضع قطعة قماشية على فروة رأسه، مسبلًا ظفائره على جوانبه، مؤديًا لطقوسه وشعائره حركةً وتلاوتةً.

وتجد الهندي والبوذي والسيخي وغيرهم مؤمنين بآلهتم، مقدسين لطريقتهم، متفاخرين بالإذعان لها، والدعوة بين يديها، رغم التحريف والتبديل التي طرأت على دياناتهم، وصحفهم، والأكاذيب التي أضافوها، والضلالات التي اختلقوها في الاتباع والمعتقد، إلا أنه يضل ملتزمًا بها، محتجبًا وراءها، غير خجول بالانتماء إليها.

كمال الإسلام

إن المسلم لديه من القيم النبيلة، والمبادئ السامية، والعقيدة الصافية، والإيمان الحق.

لديه رسالة خالده، ونبي خاتم، وقرآن محكم، وسنة صحيحة وضحت له طريق الحق، وأرشدته لأفضل السلوك، وسلّحته بسلاح العزة، ووسام الكرامة.

إن ديننا الإسلامي الحنيف شامل لكل جوانب الحياة، في الدولة والبيت، في السياسة والزهد، في العلم والأحكام، في العقيدة والرفاه، في الأخلاق والاقتصاد، في السلوك والعدل في الحرب والسلام في الحب والبغض.

هو الدين الخاتم الذي أكمله الله، وتمم قواعده، وثبت دعائمه، وجعله ظاهرًا للعالمين دينًا خالدًا لا يُقبل غيره، ولا يُعذر من عرفه ولم يتبعه.

دين إنساني كرّم بني آدم، وقدسه كبشر، ربّاني متوهج من مشكاة النور الإلهية الذي يعلم ما يصلح العباد في دنياهم وآخراهم، دين أخلاقي يحافظ على المسلم اعتقادًا وسياسة اقتصادًا وسلوكًا عملًا وممارسة.

دين يدعو للسلام، قائم على الحب، ظاهره العدل، وقوامه العزة، ومبتغاه حفظ كرامة الإنسان بتعبيده لله وحده لا يبتغي عبادة سواه، أو يرتدي عباءة غيره، ينافي الأهواء، ويجافي المزاجية.

إذًا فهو دين قد ارتضاه الله لخلقه؛ ما يجعل المرء يعتز بالانتماء إليه، والتضحية من أجله، ومتابعة شرعه ومنهاجه، يسلّم بأوامره ويجتنب نواهيه.

واقع بعض الشخصيات المسلمة

لم يتوقع يومًا ما أن تجد بعضًا من الشباب المسلم يخرج عن دينه، ذامًّا لمعتقده، ولم يتوقع يومًا أن يتشبه المسلم بالكفار في لبسه وحلاقته وتسريحته وأكله وشربه حتى صار في شكله في كثير من الحالات أضحوكة جاعلًا إياهم قدوة له، وأمثالًا يحتذى بهم، يفرح لفرحهم ويحزن لحزنهم، يتأسى بأفعالهم، ويطبق حركاتهم، ولم يتوقع يومًا أن تجد مسلمًا يقدح في الدين، ويسب المصلحين، ويطعن في سنة سيد المرسلين، ويتزمت من المفاهيم.

بل لم يتوقع يومًا ما أن يخرج المسلم مجاهرًا لله بالمعاصي، داعيًا للكفر، محللًا للحرام، مخلخلًا للأخلاق، مخالفًا للفطرة، جاحدًا نعمة الإسلام ومثاليته، وتكريمه للإنسان وواقعيته.

ولم يتوقع يومًا أن تجد المرأة تستحي من حجابها فتخلعه، وتستحي من حشمتها فتنزعها، وتستحي من أنوثتها فتترجل.

لم يتوقع أن ترى امرأة مسلمة قد أبدت مفاتنها، ولبست زينتها في الشوارع، وتعطرت في الأسواق، وتبنطلت في المحافل والجامعات، وتجملّت بين الشباب، وصخبت في الحدائق والمنتزهات.

لم يتوقع يومًا أن تجد رقة المرأة تحولت لبوق ضد شرع ربها، وليونة لسانها ضد أحكام خالقها، ونعومة وجهها مكبًّا للدعاية، وجسمها معرضًا لكل من هب ودب.

كيف يحصل لامرأة كرم الله أنوثتها، ورفع شأنها، وأعلى من قيمتها، وقدس روحها، وحفظ حقوقها وميراثها، وجعلها جزءًا منه من قطعها قطعه الله، ومن أهانها لعنه الله.

لا شك أنها أحداث مؤلمة، وواقع مرير، وحالات غريبة، ومجتمع مأزوم، وسبل متعرّجة مظلمة، طفت على مجتمعنا الإسلامي.

لقد تلبد الجوء بأخلاق لا تمت للإسلام بصلة، وأفعال لا تمت بالعزة بفتيل، ولا إلى الكرامة سبيل.

مظاهر مخجلة

من المظاهر المخجلة أن تجد المسلم يتوارى عن مظاهر الالتزام، ويحجم عن الدعوة للدين والنصح للمسلمين، ويخجل من الرد على ما يُحاك ضد الإسلام من تشويه وقدح وتضليل في الوقت الذي يتجرأ أهل الباطل في نشر باطلهم باختلاق الشبهات، وبث الشائعات، والشبهات، والخجل من عرض فكرته والدعوة لدينه، وضعف شخصيته أمام أعداء ملته، والتألّي على الله في كل وادٍ ومحفل، بل ومن المظاهر المخزية أن ينصّب المسلم نفسه بدلًا عن أعداء الملّة والأخلاق فيكون بوقًا لهم ناطقًا باسمهم طعنًا في الدين، وقذفًا في المسلمين، ومن المظاهر أيضًا أن تجد شابًا يعير أخيه بلحيته ويعيبه، وينفر منه، ويهينه بلبسه وعمامته، ويقبحه لصلواته، ويذمه لصدقه وأمانته، ويهجره لحيائه من ربه وعدم جرأته، وينتقص منه لذكره ومداومة نوافله، وتلاوته وحفظه لكتاب ربه، يوصمه بالإرهاب لارتياده مسجده، واعتلائه منبره، ومداومته لسنة نبية وتعليمها لأمته ومجتمعه.

ومن العجائب كذلك أن الشابة تتذمر من أختها لعباءتها، وتشمت بها لأدبها وعدم اختلاطها، وتكيد لها لعدم تسوقها وكثرة خروجها، وتستهين بها لعدم تزينها وتجملها، وتنُم وتشتم لالتزامها ومداومة فرائض ربها، وتحقرها لعدم جعل نفسها ألعوبة بيديها، وتنفر منها لعدم استجابتها لمغريات العصر، وتمكينها كفريسة بين أيدي الذئاب.

إنه واقع يحير العقول، ويجلب الكثير من التساؤلات حول أسباب هذا الانجرار، وهذا التمهاهي العجيب، والخنوع غير المبرر، والبعد عن مبادئ الإسلام السامية، والرسالة الخالدة، والأخلاق العظيمة التي جعلت من أمتنا عظماء خالدين، وقادة ملهمين، وحضارات تفاخر بها العرب، وأشاد بها العجم.

لا شك إن ما يدفع المرء المسلم المنتمي لهذا الدين، والمنضوي تحت لوائه لهذا التصرف لا ينبئ إلا عن تفسير واحد، وحقيقة واحدة، وأصل أوحد، ألا وهي الانهزامية.

الانهزامية ونتائجها

لقد جعلت من المسلم لا يثق بنفسه، ولا يؤمن بقدراته، يرى نفسه أقل من الآخرين، يشعر بالنقص في كيانه الشخصي، ومظهره الجسدي، فينضوي على ذاته محاولًا إكمال هذا النقص بأساليب وعادات تقدح في شخصه، وتهين معتقده، ويتصرف بأعمال تجعله محل سخرية، ومجرد ألعوبة في أيدي الغرب، وصنّاع الموضة.

فتراه يقلدهم في حركاته وسكناته في أسلوبه وتصرفاته وللأسف أصبح نسخة للآخرين، ومكبًا لأفكارهم، ونموذجًا لرذائلهم، ولو أنه وثق بما لديه لكان أعلى مما يأمل، وأعز مما يمارس، وأقدر مما يهدف، وأكمل مما يفكر، فمن يقلد من أجل الكمال يضل ناقصًا نفسيًا ومجتمعيًا، ولا كمال لمن ضَلّ يستنسخ من نفسه أشخاصًا متعددة فمرة لفنان، وأخرى لرياضي، وتارة لمصارع، وأخرى لممثل، وكذلك المرأه تضل باحثةً عن ما يكمل شعورها بالنقص، وأحساسها بالغبن فتكشف، وتخلع، وتتزين، فيصير جمالها الرباني معرضًا للصور، وقدسيتها الأخلاقية موضعًا للتفكه والتسلية.

إنه الانهزام النفسي، فمتى كان الدين حجر عثرة أمام الإبداع، ومتى كان مانعًا للعلم رافضًا للرفاه، ومتى كان الإسلام مجرد مسجد أو لحية، أو ثوب وعمامة، أو سواك وعطر، ومتى كان الإسلام يدعو للعنصرية، ويكبت أبناءه، ويهين المرأة، ويقمع الحرية.

فالإسلام برئ من كل ما يلطخ بسمعته، ويشوه صورته، ويخدش مبادئه، ويقلل من سموه وعلّو مكانته، ومن جعل نفسه نموذج سوء، فأعماله تعود لشخصه، وأفكاره تعود لقلة علمه، واستفحال جهله، وسذاجة فهمه، وقلّة وعيه، والإسلام بريء من تصرفاته العمياء، وأساليبه الحمقاء.

إذًا فنحن أمام أزمة حقيقة تجتاح الشباب المسلم، ربما تغيبت عنه الكثير من معاني الإسلام والثقة بالمنهج، وربما ذهبت عنه معاني الشخصية الاعتبارية، والثقة بالنفس وأُبدلت بالانبطاح، وربما ذهبت معاني الكرامة وأبدلت بالذل والصغار أمام الأعداء والكفار، فحلت الانهزامية في قلوب الكثير، وتمكنت من نفوسهم شرّ ممكن.

ولا شك أنها سلاح قد فتك بالمجتمع المسلم، والشخصية الإسلامية لذلك يجب على المسلم أن يراجع هذا الانحدار ويزنها بمعتقداته السامية، ويراجع ممارساته ويزنها بسلوك الإسلام وأخلاقه، وأن يعتز بشكله ومظهره ودينه وقيَمه ومبادئه، فنحن لسنا أقل من هؤلاء الأعداء عقلًا حتى نقلدهم، ولا أحوج منهم دينًا حتى نتبعهم، ولا أتعس منهم حياة حتى نأخذ سعادتنا عنهم، ولسنا مكبًا للنفايات حتى نستهلك رذائلهم، ولسنا ناقصين خلقة حتى نكمل أنفسنا بموضاتهم، ولا أحوج منهم فكرًا حتى نبتهر بقيمهم، فكل ما لدينا محل فخر، وقواعد عزة، ومشاريع كمال، يكفي أن نعمل ونأخذ الحسن، ونستلهم ما يضفي على بلداننا تطورًا في التكنولوجيا والصناعات والمهن، لا التماهي والذوبان فكرًا وسلوكًا ومعتقدًا فنحن في غناء عنها.

قال الله سبحانه:

«وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ»، وقال سبحانه: «وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ».

فانفث عنك غبار الانهزامية، وثق بنفسك ومعتقدك، وكنْ نموذج قدوة، ومصدر إلهام يمثل الحضارة الإسلامية وقيمها الخالدة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد