الآن فقط أدركت مغزى تلك اللعبة التي تختلف كليا عن تلك الألعاب التي كنا نلعبها ونحن صغار حين نكون أحرارا، خارج قيد المؤسسات التي أوهمونا أن حرمها شيء مقدس. المدرسة والأسرة وغيرهما… هي اللعبة الوحيدة مع قلة ألعاب أخرى أصرّت تلك المؤسسات أن تسمح بتعلم طريقة لعبها وممارستها دوريا.

لنكتشف بعد عقدين أن الحياة ليست سوى استنساخ لتلك اللعبة، وإن كان استنساخا مشوها ببعض التعديلات: التغيير الأول أن حركة المشاركين في اللعبة ليست فقط دائرية، بل حركة تشبه تقريبا حركات ورقصات الديك المذبوح، والتغيير الثاني أن ما يصاحب حركة المشاركين في اللعبة ليس الموسيقى الجملية، بل هي بكاء ونحيب وأصوات قصف، يتخلل كل هذا ضحك لا يستمر لمدة طويلة. وبين توقف الأصوات وعودتها يسقط ديك من الديوك أرضا وقد خارت قواه، وفقد آخر نفس له على هذه الحياة لتستمر اللعبة وأحد المشاركين قد غادرها.

استطاعت الأنظمة التي تشبه أنظمتنا أن توهم شعوبها أن سقوط الديك لا يعني الفشل وحسب بل يمتد ليشمل حتى الموت. الموت بجميع مفاهيمه، بيولوجيا ووجوديا وحتى فكريا، لا حياة و قد فقدت آخر أنفاسك في هذا الصراع غير المتكافئ، الوحيد الذي يموت ويولد من جديد هو طائر العنقاء، وعنقاء اليوم ليس عنقاء أثينيا وفينيقيا، عنقاء اليوم يشبه إلى حد ما طائر النعامة، إلا أن فكره كفكر الضباع التي ارتضت لنفسها تملق فتات الأسود وإن كانت الأسود هي نفسها تقتات على فتات ديناصورات أبت الانقراض.

الديكتاتوريات لا تموت يبدو أن ماركس كان مخطئا، ولا بد أن التشي غيفارا قد أدرك ذلك وهو يقابل منفذ حكم الإعدام فيه قبل ثوان قليلة من موته، الظلم لا ينتهي والمتسلطون يولدون يوميا، أما من بدؤوا يختفون من الوجود هم الخيّرون، الخيّرون الذين لا يرتدون أقنعة النفاق والتملق يوشكون على الاندثار. ويبدون أن صراع الجيد-السيئ سينتهي قريبا، ليتحول إلى صراع السيئ- والأكثر سوءا، يجب أن تبنى الدراما هذا الأساس بالأمس صورت الصراع عموديا، الأرضي الواقعي والغيبي السماوي، ثم جاء يوربيدس ليحول الصراع إلى أفقي أرضي -أرضي، الخير والشر؛ مبادئ وقيم في مواجهة وحشية وظلم، واليوم أصبحنا بالضبط مثلما وصفوه لنا قبل سنوات بأنه قانون الغاب، فحتى للغاب قوانينه، ولكن بعد سنوات سيصبح الغاب يوتوبيا بالنسبة لما سنعيشه من وحشية الإنسان، ويصبح السباق نحو الأكثر وحشية شيئا طبيعيًا، والمنطق سيصبح تساؤلًا: من سيحظى بأنه سيكون آخر موجود على هذه الأرض؟ من الأخير الذي سيتجرع دم كل الإنسانية ويختم المسلسل الطويل الذي افتتحه قابيل؟

هل بعد كل هذه الفظاعة من مزيد؟ لا تبحث طويلا عن الإجابة فالتجربة والزمن والتاريخ كلها ستقول نعم، القتل ليس قمة الشر الذي وصلت له الذات الإنسانية، لو كان كذلك، لما كان هو أو الشرور التي بدأ بها الإنسان وجوده على هذه الأرض. إذن ليس القتل أو إنهاء حياة أحدهم بالأمر الغريب، فقانون اللعبة التي تحدثنا عنها في البداية أساسه السقوط من المسار العشوائي أثناء حركة اللاعبين.
ولكن في اللعبة عنصر ثالث آثرت أن أتجنب الحديث عنه حتى هذه اللحظة، ثالث الأثافي هذا إضافة للاعبين والموسيقى: هي الكراسي.

أظن أن الصورة اكتملت في أذهانكم الآن، هي بالذات: لعبة الكراسي الموسيقية، ومع تغيير الحركة الدورانية لحركة عشوائية، والموسيقى بأصوات الحياة وتقلباتها، عندها تصبح الكراسي وجودك في هذه الحياة، الوجود بكل ما تحمله الكلمة من معنى؛ معنويا وماديا وحتى فكريا وفلسفيا،حينها يتحول كوجيتو ديكارت: إلى أنا أرقص إذا أنا موجود.
الخوض مع الخائضين هو الطريق الوحيد في دنيا الماديات التي نعيشها، هو وحده الذي سيسمح لك بالبقاء في اللعبة أطول وقت ممكن.

ولهذا سيبدو الذي يحدث للإنسانية اليوم أمرا عاديا، ولن ندرك غرابة الأمر إلا بعد أن تصبح أكوام الجثث تضاهي أكوام البنيات المحطمة، حينها فحتى من نجا من الكوارث سيموت اختناقا برائحة الجثث المتعفنة. فالأمر مطابق لتعبير أحد الكتاب العرب في قوله:

عرفنا المشي والنوم والقفز والزحف والسباحة والرقص ثم امتلكنا حواس التذكر والشم واللمس والرغبة والخوف والألم ثم عبرنا عنها بأصوات متعددة ولغات متعددة وأحاسيس متداخلة. كنا مهيئين منذ البدء للصدام والخلاف والاختلاف وحتى للقتل والابتذال. كلما عرفنا أكثر، توغلنا أكثر في الصدام والانفصال والتمرد. قادتنا المعرفة إلى المحرقة في أكثر من بلد عبر أكثر من دين، ولم يكن الله في عون أحد حين أراد كل واحد أن يستحوذ على الآخر، وعبر حقب طويلة ومذابح فظيعة قمنا بجمع خلاصات الآلام البشرية، ومع ذلك فلا أبيقور الإغريقي ولا مهدي عبد الرزاق العراقي، استطاعا أن يتخطيا الآلهة أو الموت أو يتخلصا من المعاناة والرذيلة أو يحققا النصر والسعادة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد