في ذكرى سيطرة بعض ضباط الجيش المصري على الحكم في 23 يوليو (تموز) 1952 هناك مجموعة من الأكاذيب التي تم ترديدها وتعليمها لنا في المدارس، ومن كثرة ترديدها ظنها البعض حقائق، وهذه خمس منها:

1 – إن ما حدث في 23 يوليو كان ثورة شعبية

 لم تكن هناك ثورة حدثت، ولا تحرك الشعب ضد نظام الحكم، وإنما كانت تحركًا خالصًا من مجموعة صغيرة من ضباط الجيش، حتى أن الضباط أنفسهم أسموها حركة الجيش في البداية، ثم الحركة المباركة، ولم يطلق عليها ثورة إلا بعد شهور من حدوثها.

وكان تحرك الضباط استباقًا لما بلغهم عن وجود نية للقبض على الضباط المنتمين لتنظيم الضباط الأحرار، ولما سيطروا على الحكم شكلوا «مجلس قيادة حركة الجيش»، وبعد ذلك تغير الاسم إلى «مجلس قيادة الثورة».

كما أن الثورة تكون دائمًا استجابة لمطالب جماهيرية معروفة، وحراكًا شعبيًا في الشارع يضغط على السلطة الحاكمة للرحيل أو التغيير، ولم تكن هناك ضغوط شعبية، أو أهداف لحركة الضباط قبل قيامها، أو عند قيامها، ولكن بعد نجاح حركة الجيش ثم إطلاق اسم الثورة عليها فكروا أنه لا بد للثورة من مبادئ؛ فوضعوا مبادئ الثورة عام 1956، وهي الأهداف التي قاموا بحركتهم من أجلها بعد قيام حركتهم بأربع سنوات كاملة من قيامهم بالاستيلاء على الحكم.

وكانت تلك الأهداف أو المبادئ تشمل القضاء على الإقطاع، والقضاء على الاستعمار، والقضاء على سيطرة رأس المال على الحكم، وإقامة جيش وطني قوي، وإقامة عدالة اجتماعية، وإقامة حياة ديمقراطية سليمة، ورغم سيطرتهم على الحكم 70 عامًا حتى اليوم لم يحققوا أيًا من أهدافهم.

فبدلًا عن القضاء على الإقطاع استبدلوا طبقة الضباط بطبقة الإقطاعيين، وبدلًا عن القضاء على سيطرة رأس المال على الحكم قضوا تمامًا على رأس المال الوطني، وتحول إلى رأس مال الدولة والجيش، وبالطبع وضعوا بند القضاء على الاستعمار، ومصر وقتها كانت دولة ذات سيادة كما سيتبين في البند الثالث.

2 – إن ما حدث هو ثورة ضد الحكم الملكي

لم تكن ثورة ضد الحكم الملكي لأنهم بعد أن أجبروا الملك على الرحيل لم يلغوا الملكية، بل تم تعيين الطفل أحمد فؤاد ملكًا لمصر خلفًا لوالده بوصاية أحد المقربين من الملك، واستمر نظام الحكم الملكي عامًا كاملً،ا ولم يتم إلغاء الملكية إلا في 18 يونيو (حزيران) 1953 أي بعد 11 شهرًا من حركتهم.

ولو كانت ثورة ضد الملكية لجرى تغيير النظام الملكي فورًا بعد تنازل الملك فاروق، والذي اكتشفنا بعد ذلك أنه كان محبوبًا من كثير من الشعب، بعكس سلفه الملك فؤاد.

3 – قامت الثورة ضد الاستعمار الأجنبي

لم تكن ثورة ضد الاستعمار الإنجليزي، وكان أول ما فعله الضباط هو التواصل مع السفير الأمريكي ليبلغ رسالة طمأنة للبريطانيين بأن حركتهم شأن داخلي، وليست ضد الإنحليز.

كما أن مصر كانت دولة مستقلة ذات سيادة، معترفًا بها، وعضوًا أصيلًا في منظمة الأمم المتحدة منذ 1945 وعضوًا مؤسسًا في جامعة الدول العربية، ولم يكن هناك وجود للجيش الإنجليزي إلا على ضفاف قناة السويس نتيجة معاهدة 1936.

وقد نتج عن اتفاقية 1936 التي وقعها مصطفى النحاس استقلال مصر، وجلاء القوات الإنجليزية عن ثكناتها بالقاهرة في 31 مارس (آذار) 1947، ورفع الملك فاروق علم مصر على الثكنات الإنجليزية في القاهرة معلنًا انتهاء الاحتلال في القاهرة والإسكندرية.

وبعد مماطلات الإنجليز في المفاوضات للجلاء عن القناة وإصرارهم على شرط فصل السودان عن مصر كشرط للجلاء عن القناة جرى إعلان إلغاء اتفاقية 36 في 8 أكتوبر (تشرين الأول) 1951، وذهب مصطفى النحاس باشا للبرلمان، وقال قولته الشهيرة: كما طالبتكم بالمصادقة على اتفاقية 36، أطالبكم اليوم بالموافقة على إلغائها من طرف واحد.

وجرى إعلان الملك فاروق ملكًا لمصر والسودان، والإعلان عن بدء المقاومة الشعبية العسكرية للاحتلال الإنجليزي، ومهاجمة القواعد الإنجليزية على شواطئ القناة، ومقاطعة التجار للتوريدات الغذائية لهذه القواعد، ومهاجمة القطارات التي تحمل المؤن والسلاح لهذه القواعد.

واستمرت المقاومة الشعبية بإشراف الجيش المصري حتى قيام حركة الضباط، ورغبة منهم في التهدئة مع إنجلترا فاوضوا إنجلترا على الجلاء عن قناة السويس؛ فاشترط الإنجليز تخلي مصر تمامًا عن السودان، وهو ما وافق عليه الضباط فورًا، ونتج عنه اتفاقية الجلاء التي حددت 1956 موعدًا لجلاء القوات الإنجليزية، وهو نفس الموعد المحدد في اتفاقية 1936، ونتج عنه انفصال السودان النهائي عن مصر، وهو ما كانت ترفضه دومًا الحكومات في عهد الملكية.

4– حققت ثورة يوليو مجانية التعليم

كانت مصر تتجه تدريجيًا إلى مجانية التعليم في العصر الملكي، وكانت هناك مقولة طه حسين الشهيرة حين كان وزيرًا للتعليم في العصر الملكي، بأن التعليم يجب أن يكون مجانيًا كالماء والهواء.

وأغلب الضباط في حركة الجيش من الطبقات المتوسطة والفقيرة، ومع ذلك حصلوا على تعليم مجاني؛ حتى وصلوا إلى لكلية الحربية، وتخرجوا منها في العهد الملكي.

5 – قامت ثورة يوليو بالإصلاح الزراعي وتوزيع الأراضي على صغار المزارعين

ولكنهم تناسوا أنه كان هناك مشروعًا للملك فاروق لتوزيع الملكيات على صغار الفلاحين، وهو مشروع الإكثار من الملكيات الصغيرة في عام 1948، وصدرت عملة تذكارية في عهد الملك تخلد تلك المناسبة.

وأخيرًا لم يكن ما حدث في 23 يوليو ثورة، بل كان مجموعة من الانقلابات العسكرية المتتالية:

الانقلاب الأول ضد الملك فاروق وتعيين ابنه أحمد فؤاد ملكًا. والانقلاب الثاني بعد عام تقريبًا ضد الملك أحمد فؤاد وإعلان الجمهورية بقيادة الرئيس محمد نجيب في عام 1953. والانقلاب الثالث قام به عبد الناصر ضد محمد نجيب ليتولى عبد الناصر رئاسة الجمهورية، ثم جرى محو اسم الرئيس محمد نجيب من كتب التاريخ ليكون عبد الناصر أول رئيس لمصر رغم توليه الرئاسة 1954.

وبعدها انقلب عبد الناصر على مجلس قيادة الثورة لينفرد تمامًا بالحكم، إلا قليلًا، لمنافسة صديقه عبد الحكيم عامر الذي كانت له السيطرة على الجيش حتى هزيمة يونيو 1967، وبعدها انتحر المشير عامر، أو تم استنحاره.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد