القضية الفلسطينية الإنسانية العادلة، لا شيء يستطيع اجتثاثها من قلوب أهل الضمائر الحيَّة التي تؤمن بالحقوق، وأنها لا يمكن أن تسقط بالتقادم؛ هذه القضية التي لا يمكن أن تكون إلا في مقدمة القضايا العالمية، وهذا كله بفضل أهلنا الشُرفاء في فلسطين الذين ما فتئوا يقفون بالصف الأمامي في مواجهة الكيان الصهيوني المُحتل، رغم كل ما يعترضهم من نقصٍ في الإمكانيات المادية، والدعم العالمي الموجَّه من الدول العظمى إلى ذلك الكيان الغاصب، وفي ظل خذلان بعض بني جلدتنا لهذه القضية الإنسانية، فإنهم دفعوا الأرواح وكل غالٍ ونفيس دفاعًا عن الأرض والوجود، وهذا ليس مثيرًا للإعجاب وحسب؛ بل إنه يحمل رسالةً فحواها اليقين بأن الحق سيعود إلى أصحابه يومًا ما، شأنها شأن جميع الدول التي كانت ترزح تحت نير الاحتلال إما البريطاني أو الفرنسي أو الإيطالي.. إلخ.

وفي نهاية المطاف تحررت بعزم المناضلين الأشاوس، وكذلك يفعل الشجعان في فلسطين منذ أن بدأت تفوح رائحة المؤامرة لزرع ذلك الكيان في خاصرة الوطن العربي حتى اليوم.

أهلنا في فلسطين يحاربون في عدة جبهات؛ أولها وأعظمها دولة الاحتلال التي لا يختلف على ضرورة مقاومتها الأحرار، وثانيها السلطة الفلسطينية التي لها من يؤيدها في داخل فلسطين وخارجها، وكل المآخذ عليها هو التنسيق الأمني بينها وبين الأمن الإسرائيلي الذي يظهر على شكل مفاوضات؛ سواءً كانت علنية أم سرية أم ضلوعها في حصار غزة، أم حتى الذي كان آخره أن صحيفة Times of Israel بتاريخ 10 من الشهر الحالي تناقش تقريرًا عن موافقة سلطة التنسيق الأمني على التعاون مع الأمن الإسرائيلي لتتبع «الأسرى الفارين»!

بمناسبة خبر هروب المقاومين الأحرار الستة من سجن جلبوع الإسرائيلي الذي يوصف بأنه واحد من السجون الإسرائيلية التي تحظى بقوة الأمن والحراسة المشددة، ومع ذلك تمكن أولئك الأحرار من أولي العزم والشجاعة أن يحفروا نفقًا بواسطة ملعقة صدئة استغرق منهم هذا العمل الشاق مدة تُقدر بستة أشهر، وربما أكثر، وهذه الخطة المتقنة بإحكام لا يمكن أن تصدر ممن تملكه اليأس، بل من بواسل يؤمنون بقضيتهم العادلة وبقيمة الحرية العليا، وأنهم ليسوا مجرمين ولا إرهابين حتى يودعوا السجن، وإن كانوا أسرى حرب فأبسط حقوقهم هو البحث عن مخرج مهما كلف الأمر في استرداد حريتهم ومن ثم مواصلة طريق النضال. وهذا إن دل على شيء فهو يدل على أن قوة الحق يمكنها التصدي لأعتى جبار في العالم مهما كان محصنًا، وأن الإحراج الذي تسبب به أولئك الأحرار للكيان الصهيوني هو شكل آخر من الانتصار، وهذا بحد ذاته يدعو لقض مضاجعهم والتفكير مليًّا في قوة أهل الحق والأرض بأنها يمكنها أن تفعل المستحيل طالما أن السلاح هو العزيمة والإصرار والصمود وقوة الإرادة.

وما قاموا به ليس المرة الأولى؛ «بل إنه في عام 1987 أي قبل الانتفاضة تمكن ستة من رجال الجهاد الإسلامي من التسلل من أحد السجون الإسرائيلية التي كانت مقامة في قطاع غزة الذي كان يخضع للاحتلال حينها، واستغرق البحث عنهم مدة خمسة شهور وتمكنوا من شن هجمات على أهداف إسرائيلية واستشهد خمسة منهم، وتمكنوا في أحد الهجمات من قتل أحد ضباط المخابرات الإسرائيلية (الشين بيت) بينما فر المقاوم السادس إلى مصر، لكن العملية ذاتها – أي الهروب – حقن الجو وهيأ الأوضاع لاشتعال الانتفاضة الأولى».

الجبهة الثالثة التي يتصدى لها أهلنا في فلسطين، هي نعت بعض الجهلة لهم بأنهم هم من باع الأرض وتخلى عن قضيته، وهذه المسألة تخص من أطلقها لأنه إما جاهل أو مضلل مزيف للحقائق، وتقع على عاتقنا جميعًا مسؤولية الدفاع عن فلسطين ما استطعنا، وعن دحض كل تهمة باطلة تطال فلسطين وتاريخها وأهلها، بأمثال أولئك الشرفاء المناضلين الذين يقفون على كل ثغر بما استطاعوا، سينتصر الشعب الفلسطيني الأبيُّ وستعود فلسطين دون التنازل عن شبر من أراضيها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد