يستخدم الكثيرون لفظ «فاشية» للإشارة إلى أي نمط سلطوي مستبد يبطش بمعارضيه، ولكن في الحقيقة المعني المعياري المعاصر للفاشية مختلف، فهو نوع خاص من الاستبداد ووجب فهم ما هي الفاشية؛ لأنه نمط حكم خطير يشيع فيه الظلم والقهر والاستغلال. نمط الحكم الفاشي هو السائد في العالم الآن لذا وجب نشر الوعي عن بنيته من أجل مقاومته والعمل على تغييره قبل أن يلتهم ما تبقى من إنسانيتنا.

الفاشية هو نمط من الحكم ينحاز بشكل صارخ للأغنياء والمتنفذين ضد الطبقات المقهورة والفئات المستضعفة والمهمشة في المجتمع، هو نظام يحرض الخاضعين له على عبادة القوي وازدراء الضعيف، يكافئ الغني والمتنفذ وذوي القدرة بتعظيم فرصهم في البقاء ويعاقب الفقير والمقهور بمحاربتهم في كل سبل عيشهم. في طوره المتطرف قد يقرر ارتكاب إبادات جماعية ضد أقليات عرقية أو دينية أو طبقات وفئات اجتماعية بعينها كما حدث ولا يزال يحدث في المستعمرات الأوروبية في نصف الكرة الغربي وأوشينيا وضد السكان الأصليين، وكما حدث في أفريقيا تحت الاستعمار الفرنسي والبلجيكي، وفي ألمانيا النازية، الذي هو النظام الوحيد الذي عوقب على فاشيته، بينما استمر الآخرون في الحكم الفاشي بنفوذه العالمي إلى اليوم.

الحكم السائد في العالم الآن بقيادة الولايات المتحدة هو الحكم الفاشي المتحالف مع الأغنياء والمتنفذين، يحميهم وثرواتهم ويساعدهم على مراكمتها عن طريق المشاركة السياسية في طحن واستغلال طبقة العمل. دور الحكم في هذا التحالف هو تيسير أعمال الأغنياء، منحهم امتيازات خاصة بهم كحقوق احتكارية أو بيع موارد عامة لهم بأسعار زهيدة نسبيًا، تخفيف الأعباء الضريبية عليهم، تقليص الرقابة الحكومية على أنشطتهم ، والتجاوز عن مخالفاتهم. وقمع الصحافة التي تفضح فساد أعمالهم، وعلى المستوى العالمي تشن الحروب من قبل مركز الفاشية العالمية وتدمر الدول، وتعذب الشعوب لفرض شراكات اقتصادية توسع من الرقعة الجغرافية لاستغلالهم، وتجاه طبقة العمل نرى الوجه الآخر. نجد هذا الحكم يباشر في تقليص الاستثمار الاجتماعي في التعليم والصحة والبنية التحتية في مناطق الفقراء، تعمد إهمال وضع قوانين عمل تحفظ حقوق وكرامة الأجير، اضطهاد التكتلات السياسية التي تدافع عن حقوق طبقة العمل كالأحزاب اليسارية ونقابات المهن واتحادات الطلبة ذات الطابع اليساري، وتجريم الإضرابات، والمظاهرات الفئوية، وغيره من أي نشاط شعبي معارض لهذا النمط من الحكم. نجد أيضًا في الحكم تعمد إهانة الفقراء والتضييق عليهم من قبل الشرطة بشكل ممنهج لكسر كبريائهم وإخضاعهم لكي يقع في أذهانهم تكافؤ بين صورتهم الذاتية، ووضعهم الاجتماعي المنحط، فتهدأ نفوسهم وتتقلص احتمالات ثورتهم على وضعهم.

النظام الفاشي هو في حالة حرب مستمرة مع الطبقات الشعبية، الذين هم أغلب السكان، ويعطي لهم بأشكال ظاهرة ومبطنة رسالة مستمرة مفادها أن هناك خيارين لهذه الطبقات الشعبية، إما الوجود العدمي والموت البطيء، وإما الموت السريع في حالة المقاومة.

الحكم الفاشي يعمل كـ«مفرق طبقي»، أي يعمل على زيادة الفوارق بين الطبقات الاجتماعية. المحصلة هي تمايز طبقي حاد، ثراء فوق ثراء في الأعلى، وخراب مؤبد في الأسفل. النظام الفاشي يحول تدريجيًا السكان تحت حكمه إلى أقلية صغيرة من المتنعمين وأغلبية ساحقة من النفايات البشرية، وتتوحش المجموعة الأولي وتفرط في البطش بالثانية لدعم استمرار هذا الفارق الذي تعودوا الآن عليه. بسبب الديناميكية الداروينية للنظام الفاشي ومبدأه في البقاء للأقوى، مع مرور الوقت تتقلص نسبة الأثرياء وتزداد مساحة الفقر، فيتنامي الشعور بالخطر لدي الأثرياء والمتنفذين ويزداد توحشهم من أجل الحاجة لحماية الفارق الاجتماعي الاقتصادي المستمر في الزيادة، والذي يزيد معه غيرة وتطلع الطبقات الشعبية المقهورة.

هذا النظام السائد في عالمنا لم يكتف بقهر أجهزة الدولة للفقراء والمهمشين، بل خلق جوًا تحريضيًا عليهم يؤثر على الجميع. تجد نفسك تحت تأثير ضغط غير مركزي لا تعرف مصدره يدفعك لكي تحتقر وتستقوي على من تشعر أنه أقل منك في المنظومة.

هذا النظام يضرب الطبقة المتوسطة بالطبقة الفقيرة عن طريق ألاعيب نفسية، كالتهديد المبطن بالإقصاء، إن صادق أفرادًا من طبقة أعلى لأفراد من طبقة أدنى، أو بالمكافأة المعنوية.

ويضرب المتوسط بالمتوسط بخلق جو تنافسي محموم ووضع مصالحهم معاكسة لبعضهم البعض، وبتحفيزهم في التظاهر على بعضهم البعض بالاستهلاكية المتطرفة محاولة للتشبه بالأغنياء لنيل امتيازاتهم وللتبرؤ من الفقراء للهروب من الاضطهاد الواقع عليهم.. إنه نظام حكم خبيث يحول المجتمع إلى الفاشية معه في عبادة الأغنياء والمتنفذين واحتقار الضعفاء والمقهورين، نظام يستخدم وسائل معقدة للتحكم في العلاقات الاجتماعية حتى أدق تفاصيلها لكي يمنع تشكل أي تحالفات ضده فيقلص من المقاومة له ويضمن استمراره أطول وقت ممكن.

عكس الفاشية هي الاشتراكية، أو حكم ينحاز للطبقات الشعبية ويتحالف معهم ويعتبر تطويرهم اجتماعيًا واقتصاديًا وسياسيًا هو الأولولية في حكمه. يسخر موارد البلاد في عملية تنمية تشمل كل طبقات وفئات المجتمع، الحكومة في الاشتراكية، عكس الفاشية، تعمل كـ«مساوي طبقي»، أو نشاطها يعمل على تقليص الفوارق بين الطبقات، كما هو الحال في الصين وفيتنام، وكوبا، وفنزويلا منذ عقود. في الصين مثلًا ماو زي دونج مؤسس جمهورية الصين الشعبية ركز على طبقة الفلاحين كأضعف حلقة في المنظومة وقرر أنه يجب إعطاؤها الأولوية في عملية التنمية، فالتنمية في الاشتراكية تكون من الأسفل إلى الأعلى من الطبقة الأضعف، ثم أعلاها وصولًا إلى أعلى هرم المجتمع، وليس عكسًا كما في الحكم الفاشي الذي يدعي زورًا بأن إثراء الأثرياء يزيد من الاستثمار وإتاحة فرص العمل للفقراء، وفي الحقيقة الفاشية تصادر مواردهم العامة، تقهرهم، تهمشهم، وتفقرهم، ثم تلقي لهم الفتات في صورة وظائف وضيعة لا مستقبل لمعظمها. وحتى هذه الوظايف الهزيلة لا تكفي الجميع، فالبطالة دائمًا متفشية في النظام الفاشي بسبب طبيعته الحصرية والاقصائية، فالثروة تتركز في يد القلة، ولا اهتمام لهم باستخدام كافة القوى البشرية المتاحة، فهم ينتقون منهم ما يريدون، يفرضون عليهم شروط العمل المستغلة والمهينة، ويتركون الباقي قابعين في ضياع دائم.

في وقتنا الحاجة إلى وعالمنا المترابط، المنظومة الفاشية هي منظومة عالمية متشابكة مركزها الولايات المتحدة، التي تعمل على الحفاظ على النظام الفاشي في كل مكان العالم، وتشعر بالخطر الفوري إن نشأ حكم مغاير للتوجه الفاشي أو حتى إن نشطت حركات سياسية ضد الفاشية في مكان بعيد عن الولايات المتحدة، نجدها باستخباراتها وجيشها وأموالها تعين الحكومات الفاشية العاملة تحت امرتها ضد هذه الحركات للقضاء عليها فورًا. شهدنا مسلسل الآن قلابات العسكرية والاغتيالات في أمريكا الوسطي والجنوبية منذ الحرب العالمية الثانية، وحرب فيتنام، وانقلاب 1953 في إيران، وكما رأينا دورها في القضاء على ثورة 2010 / 2011 في المنطقة العربية وغيره من التدخل المباشر والفوري للحفاظ على المنظومة الفاشية العالمية والتأكد من القضاء على كل مقاومة لها. فالطبيعة العالمية للنظام الفاشي تجعلنا ندرك أنه حتى إن أسقطت حركة سياسية الحكم الفاشي في بلدها، فستجد نفسها في مواجهة الفاشية العالمية بقيادة الولايات المتحدة، كما هو الحال مع كوبا، وفيتنام، والصين، وفنزويلا، وأي كيان سياسي لا يستسلم لشروط الفاشية العالمية.

أتمنى أن تساعدك هذا المقالة في تحديد أي نظام حكم سائد في بلدك، وتجعلك مدركًا لبنيته السياسية ومؤثراته الاجتماعية وطبيعته العالمية المترابطة وأهدافه وضغوطه وتأثيره عليك وعلى سلوكياتك تجاه نفسك، وتجاه الناس من حولك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد