أخي القارئ مرحبًا بك!

الإنسان مزيجٌ من المشاعر والأحاسيس، فَفَنُّ إدارة البشر تَكْمُن في كَيْفية إدارة هذه المشاعر والأحاسيس، لكن دائمًا هناك شعور يَطْغى على الإنسان، إِنَّه شعور الأنانية وحب الذات، يُجْبر هذا الشعور العقل على أنْ يسأل الإنسان نفسه، قَبل أَن يُصْدِر الأَمْر للجسد بفعل أَيّ حركة، ما مردود ذلك علي؟ وَلِذلك نجد أن الإسلام عَظَّم مِن أَجْر الإيثار، يقول الله في كتابه الكريم (لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونْ)، يُدْرك الشارع الحكيم طبيعة الإنسان المادية، فَلِكَيْ يَتَخلى عَنْ هذا الشعور لابد عن جائزة كبرى تقاوم هذا الشعور المسيطر على العقل والقلب.

لا يَخْفُت هذا الشعور داخل الإنسان إلا إذا تَوَحد مع غيره في مجموعهْ تؤمن وتقدس فكرةْ أيًا كانت.

حينما يجتمع عدد من البشر في مجموعة، وتربطهم فكرة يؤمنون بها، يخفت الشعور بالأنانية، فيرى الفرد الواحد أَنَّ نَجَاح الفكرة تعود نتائج نجاحها على المجموعة، ونجاح المجموعة تعود نتائج نجاحها عليه، فحينما ينشغل الفرد بالتفكير في مجموعته أكثرْ ينشغل بالتفكير في أموره أقل، ولهذا كانت الجيوش ذات الأقل عددًا تنتصر على الجيوش ذات الأكثر عددًا، يقول نابليون وهو من أعظم مَنْ تَفَنن في إدارة الإنسان «الروح المعنوية تساوي ثلاثة أضعاف القدرة الجسدية»، إذًا تَعْتَمد المجموعة على ثلاثة عناصر لكي تنجح وهي على النحو التالي بِتَرْتِيبيها: الفكرة ثم الجنود المؤمنون بالفكرة، ثم القائد الذي يُشْعِل ضَوْء الفكرة في قلوب الجنود كلما خَفُتَ ضَوؤها.

القائد الماهر هو الذي يَعْزف على أوتار المشاعر صعودًا أو هبوطًا بما يناسب الحالة النفسية للجُند.

يُذْكر أن القائد الكبير هنيبعل القرطاجي وهو في طريقه لغزو الرومان ماتَ كثيرٌ مِن جُنْده أَثناء عبورهم جِبال الألب، ولم يتبق إلا القليل من جنده، وأثناء اصطفاف الجنود اللذين كانوا في حالة من الرعب بسبب قلة عددهم وكثرة جند الرومانْ، خرج جندي اسمه جيسغو ووقف أمام هنيبعل وبصوت يملأه الخوف والحسرة عَبَّرَ عن خِشيته من الهزيمة بسبب قلة العدد، إلا أن هنيبعل رد عليه بصوت يملأه الثبات قائلًا لقد فاتك شيء يا جيسغو، وهو أنه ليس في جند الأعداء جيسغو، فانفجر ضاحكًا جيسغو وانفجر الجنود معه ضَحِكًا، في هذه اللحظه بعد أن كان الجنود يَرْتَعِدون من الخوف، عادت إليهم ثِقَتَهم بِأنفسهم، وقاتلو قتالًا عظيمًا، وَسحق القرطاجيون الرومان، ما فعله هنيبعل هو أنه عَزف على أوتار مَشاعر جنوده، فجعل الرجل بعشرة.

كانت فكرةْ «لبقاء القرطاجيين لابد عن سحق الرومان»، فآمن بها مجموعة من الجنود، وخرج من بينهم قائد أدار الجنود بالفكرة.

حينما يكون القائد في وقت الشدائد في مقدمة الصفوف، يزداد إيمان الجنود بالفكرة والثبات من أجل نصرتها، وَتَنْغَرِس في قلوب الجندْ الثقةُ في القائد، فَيُذْكر أنَّ خالد بن الوليد «وهو من أعظم منْ تفنَّن في إدارة المعارك» تولى قيادة معركة مُؤتة بَعد أن اسْتُشهد ثلاثةٌ من قادتها، فقاتل قتالًا عظيمًا حتى أنه تَكَسَّر في يده تسعةٌ من السيوف، لكنَّ خالد بن الوليد أيقن بدهائه أن صمود الجند في المعركة لن يستمر طويلًا، فابتكر حيلة أدت لكسر الروح المعنوية لدى جند الروم وهي الإيحاء بأنَّ  مَددًا من الجند مثل هؤلاء الجندْ أصحابُ البأس قادمون، فتراجع جند الروم وَأيْقن قادتهم أنَّ الإنسحاب أفضل لهم من استمرارية المعركه.

لو أن خالد بعد هذه المعركه أمر جنده أن يخوضو البحر لخاضوه لإيمانهم ولثقتهم في قراراته بعد أن خاض بِنَفسه أَمام أعينهم تجربة حقيقية ناجحة.

الإنسان ليس كالآلة يعمل فقط من أجل غيره، فَحَتَّى لو عمل في مجموعةْ، لن يستمر في هذه المجموعةْ إلا إذا أَيقن أن هناك مَرْدودًا قد يعود عليه في وقت ما، وهنا يَتَفنن القائد الماهر في العزف على وتر الثواب والعقابْ، فلا يكون ثوابًا مُفْرطا فَيفسد جند المجموعة، ولا عقابًا قاسيًا فينفر منه جند المجموعة، فَيُذكر أَنَّ نابليون بعد حملة قاسية مع النمساوين، طلب من قائد فرقة المشاة أَن يأتي بأجشع الجنود وأفضلهم أداءً، فاختار قائد الفرقه قارع الطبول، فاستدعاه نابليون، فأتى وهو يَرْتَعد مِن الخوف، ثم قال له نابليون على الملأْ: يقولون إنك أجشع جندي في الكتيبهْ، «فَإِني أُعَينك فارسًا في فيلق الشرف وأمنحك رتبة بارونًا في الإمبراطورية الفرنسية وأربعة آلاف فرنك» شهق جميع الجنودْ، فَمِنْ جُنْدي إلى بَارُونًا بعد أنْ كان أقصى ما يتمناه الجندي أن يصعد رتبةً فوق رتْبته.

لو أن نابليون أمر جنده بالقتال ليل نهار لقاتلو دون توقف لأن انتصار المجموعه له مردود عظيم على فرد هذه المجموعة

حينما يصل للجند شعورًا أن القائد قد يضحي بنفسه إذا تعرض أحد أفراد المجموعة لسوء، تكون المجموعة أكثر ترابطًا وتتحول مع مرور الوقت إلى عُقْدة خيط يَصْعب فَكَّها، فَيُذكر أن حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان المسلمين «وهو مِن أعظم من نجح في إدارة المجموعة» قد اِعْتُقِل وبعض من أفراد جماعته، فخرجت مظاهرات واسعه تطالب بالإفراج عن القائد وزملائه، فرضخت حكومة حسين سري، وأرسلت من يتفاوض معه، على أن يخرج وَيَبْقى صاحِباه كحلٍ وسط، إلا أنه رفض وأصر أن يخرج أصحابه قبله، وذكر قصة الحمامة المُطَوقه التي أَبَت عرض الفأر بأن تخرج من القفص قبل زميلاتها لئلا تفتر قوت الفأر بعد أن تخرج هي، فَأَصر على مبادئه.

سرت هذه القصة وسط مجموعته، فازداد إيمانها بِحسن البنا، وبالفكرة التي يسعى مِنْ أجلها. 

فَنُّ إدارة الإنسان بَحْرُه واسع، فَالإِنسان مهما بلغ من الذكاء، إلا أن مَشاعره أقوى مِن ذكائه، والأقوى من ذلك كُلِّهْ، مَن يَستطيع التحكم في إدارة هذه المشاعر، وما ظهر أفضل مِن النبي محمد فِي إدارته للمشاعر؛ لِأَنَّه تَعلم إِدارة المَشاعر مِمن خَلق المشاعر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد