ليست المرة الأولى التي تواجه فيها البشرية انتشار الأوبئة، فالصراع بين الإنسان والطبيعة مجسدة في كائنات مجهرية لا ترى بالعين المجردة قديم قدم التاريخ، ولطالما قضت الأمراض الفيروسية والبكتيرية على أعداد بشرية هائلة تصل إلى الملايين في بعض الأحيان، والأمر ينطبق على العصر الحالي، حيث شهدت العشرين سنة الماضية من مطلع الألفية الثالثة، استمرار لتفشي أمراض وبائية معروفة وظهور لأمراض أخرى، والأمثلة على ذلك كثيرة.

ففي عام 2003 بينما كان الشرق الأوسط مشدودًا إلى الزلزال الذي أحدثه غزو العراق، كانت دول شرق وجنوب شرق آسيا تواجه وباء السارس أو الالتهاب الرئوي اللانمطي- الذي للمفارقة – يتسبب به فيروس كورونا ذاته الذي يصنع الحدث في مطلع العقد الجديد بعد تطوره وتحوله إلى فيروس مستجد يهدد بالتهام البشرية جمعاء بعد أن انتشر في أكثر من 200 دولة في كل أرجاء المعمورة.

غير أن السياق الدولي الذي يرافق جائحة (كوفيد-19) يبدو خاصًا، فالعالم يعيش تحولات كبرى تنبؤ بظهور نظام دولي جديد قائم على مفاهيم مغايرة لما هو سائد منذ ثلاثة عقود على الأقل، كما ان هذا الوباء كشف محدودية القدرة البشرية على تطويق المخاطر الكبرى التي تهدد الوجود الإنساني، بالرغم مما حققته الثورات التكنولوجية المتتابعة من تقدم غير مسبوق، جعلت الإنسان من جهة قاب قوسين او أدنى من الاعتقاد بأن الحياة على الكرة الأرضية باتت تحت سيطرته المطلقة، حتى أصبح يبحث عن توسيع هذه الهيمنة إلى الفضاء الخارجي.

ومن جهة أخرى أصبح العالم قرية صغيرة في ظل العولمة الشاملة، حيث اختصرت المسافات وزالت الحدود امام كل أنواع التبادل، إذ غدا مفهوم السيادة جزءًا من التاريخ  لدى الكثيرين، لا محل له في الحاضر أو المستقبل إلا في الجانب الشكلي أو الهامشي، وبعد أن وصل المنحى إلى ذروته، كان الانحدار أمرًا منطقيًا كمسار تأخذه كل الظواهر الإنسانية، ولقد ترجم على شكل موجات شعبوية ضربت كل أنحاء العالم الحر في أوروبا وأمريكا الشمالية منذ عام 2016، حيث أعلنت القوى العميقة التي تقود هذه الصرخات رغبتها في الانطواء الوطني واستعادة الحدود التي قضت عليها العولمة.

ودعونا نعترف أن الكثير من النخب العالمية فشلت في توقع وتأطير هذا الطوفان السيادي الذي يعمل على استعادة المفاهيم الواقعية في العلاقات الدولية وتحويل النظام الدولي إلى نظام متعدد أقطاب قائم على التنافس بين القوى الكبرى، حتى لا تنفرد قوة كونية واحدة بتحمل أضرار العولمة، فتتوزع المسؤولية بين جميع القوى، وعندما يصل هذا المسار الجديد إلى ذروته بعد 50 سنة، سينحسر مثل سابقه، وتعود الهيمنة المطلقة إلى القوة الأقدر على مواجهة التحديات وتعود القوى الفاشلة إلى المقاعد الخلفية، وليس خفيًا على أحد أن هذا المنطق الإستراتيجي هو الذي أوصل دونالد ترامب إلى السلطة في أمريكا وهو من يحرك السياسة الأمريكية حاليًا ومستقبلًا.

إن التعامل مع جائحة فيروس كورونا كشف للعام والخاص، بأن السبيل الأنجع للوقاية من الداء هو التباعد الدولي على المستوى الكلي بمنع السفر والانتقال بين الدول والتباعد الاجتماعي على المستوى الجزئي بالبقاء في المنازل،       وهذا ما يكرس حقيقة أن الانكفاء على الذات هو السبيل لتجنب الأخطار التي تحركها العولمة، والتي فشلت المنظمات الدولية، مثل منظمة الصحة الدولية، وأطر التكامل والاندماج في مواجهتها، حيث يعد الاتحاد الأوروبي مثلًا في حالة موت سريري، وهو غير قادر على تبني سياسة مشتركة لمواجهة تفشي الفيروس ومساعدة المتضررين، بل تكتفي كل دولة بإجراءاتها الخاصة لحماية مواطنيها، ولا نتحدث عن أطر أخرى غير موجودة تمامًا على أرض الواقع مثل الجامعة العربية، ولا حتى مجلس التعاون الخليجي.

ولقد كشف الوضع أيضًا أنه لا يمكن للولايات المتحدة أن تكون شرطيًا وطبيبًا العالم لمواجهة الأخطار بدليل أنها تكافح لحماية نفسها من انتشار الفيروس الذي حملته التبادلات الإنسانية مع العالم. وبالتالي ستترسخ القناعة الأمريكية بانها تحتاج إلى الانطواء على نفسها لتطوير قدراتها التنافسية والترويج لنموذجها وقوتها عبر علاقات مصلحية واقعية، فيما تتاح الفرصة للصين وغيرها أن يبادروا بلعب أدوار تساعد على حفظ التوازن الدولي، فالصين عندما تطور لقاحًا ضد كورونا، أو تقدم مساعدات لدول أخرى حتى تواجه الداء أو تروج لنفسها إعلاميًا بأنها نجحت في التحكم في الوضع، لا تهدد بالضرورة القوة الأمريكية، وإنما تساعدها على لعبة الانكفاء مع الإبقاء على الحياة البشرية بعيدة عن أي خطر وجودي، حيث لا معنى للتفوق الأمريكي إلا بوجود البشر ذاتهم، ولا قيمة للمنتج الأمريكي إلا في فضاء تنافسي، وتلك كلمة السر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد