لطالما أرهقني التأمُّلُ في الواقع الجزائري بكافة حيثياته ومآسيه، حيثُ رغبتُ وَلم أزل أرغبُ في القليل من الهدوء ضمن هذا المحيط الغريب، والذي أطلقُ عليه عنوان: العالَم الجزائري، رغبة في أن يبتسم له الحظ يومًا، فيتجاوز ما هو فيه، نحو ضفَّة زمنية أنقى، وأكثر وضوحًا وبهاء.

أنْ تتمنَّى لحظة ابتسامة لهذا الواقع البائس، والذي يسمّيها البعض منَّا بلدًا، البعض الآخر وطنًا، منهم مَن يسمِّيه تجاوزًا وجزافًا بالمجتمع، أو بصيغة مجازية بالجزائر، يُعتبَر أمرًا عسيرًا حتى على الذاكرة والمخيِّلَة؛ لأنَّ الأحداث تسير في اتجاه آخر تمامًا، إن لم يكن معكوسًا قلبًا وقالبًا مِن جهة، ولأنَّ المسجون في أماني الرخاء لوَسَطٍ كهذا، سيعتبره الجميع بكافَّة الأطياف خَرِفًا بكلِّ المقاييس والموازين الجزائرية – إن وُجدت أصلًا – ومصيره سيكون بشكل حتمي إلى الوحدة القاتلة أو الجنون غير المبرَّر أبدًا مِن جهات أخرى.

مِثْلَ متأمِّلٍ وحيدٍ رغم كثافة مَن هُم حولي بِعددهم الكبير، أحاول عبثًا أن أتمنى المصير الجليل لهذه الأرض التي نسميها بالجزائر؛ لكنَّها عمدت إلى إرسالي إلى منفايَ الاختياري عندما جعلت منِّي إنسانًا وحيدًا.

هذه الحالة النفسية التي ترهقني في كثير مِن المرات، هي رفيقتي غالبًا، لكنَّها تتبدَّدُ كلَّما التقيتُ بشخص يقاسمني الهموم ذاتها، فنحاول أن نرثي الجزائر قبل الأوان معًا، وتتماهى ولو تدريجيًا مع واقعي، عندما أقرأ أسطرًا، سواء في كتاب أو جريدة، أو على مساحاتنا الافتراضية، تلك التي تتحدَّثُ بلساني – أو هكذا يبدو لي – فأكون سعيدًا للغاية، كوني لستُ وحيدًا، ما دام هناك مَن يشاركني تلك الأفكار، أو بعبارة أكثر دقة: تلك الهواجس.

لكن أن تلتقي بكاتب برتبة الزميل: رفيق طيبي «جمَّل الله حضوره»، ليوقِّع لي روايته «ليل الغواية»، فهذا كان حدثًا استدعى بداخلي أجمل الذكريات وأكثرها روعة، خاصَّة عندما قرأتُها، ووجدتها تتقاسم معي الرؤيا العريقة لتجمُّع بشري جزائري، يخاف من رؤية ذاته العميقة في المرآة، لكنَّ الزميل رفيق، قد نجح في وضعه أمام هذه المرآة بالفعل، تلك التي لطالما فرَّ منها، في مساءلة غريبة للذات الجزائرية بأنامل الحكايات الشعبية وأدوات النقد الذاتي، مِن أجل الوصول إلى هدف: «التجلِّي» الذي يحتاجه كلُّ جزائري، تلك الخطوة التي تنطلق مِن الاعتراف.

جاءت رواية الزميل رفيق مِن الناحية التقنية على امتداد أكثر مِن 189 صفحة، حاول فيها الكاتب مِن خلال هذه الخارطَة الفكرية، إدخال القارئ في مواجهة مع الحقائق العارية كما هي، مُستهِلًا هذا العمل بمقولات لكلٍّ مِن «تشارلز بوكوفسكي»، و«غابريال غارسيا ماركيز» وَ«جوزيه ساراماغو» في الصفحة رقم: 09، ليَنقر ذاكرتي، فأتذكَّر أغنية بعنوان: (when I was your man) للمتألِّق: (Bruno Mars)، حيث تردُ ضمن كلماتها العبارات التالية:

My pride, my ego, my needs and my selfish ways,

Caused a good strong woman like you to walk out my life

لقد أزالت «ليل الغواية» الستار عَن مسرحية سيِّئة الإخراج، الخاسر الأكبر فيها هو المرأة، الرابح الأعظم فيها هو المرأة والراعي لكلِّ هذا هو عادات بالية وتقاليد مثقوبة تحرسها النساء بكل قواهن.

لقد حاولت هذه الرواية التمرُّد على ما صنعته المرأة عينها، عبر تنبيهها إلى خطورة ما تزاوله، عبر سردها لأحداثٍ مِن وحي قصص كلٍّ مِن: شخصية صبيرة، مديحة وَ شخصية هيام، وهنَّ نساء غرَّدن خارج السرب، وقاومن بعيدًا عن القطيع، دفعن الأثمان الاجتماعية بشكل خرافي، عبر استماتة ذكية، مِن أجل الخروج مِن هذا المستنقَع الجزائري، فكان لكلِّ واحدة منهنَّ نموذجها الخاص، وأسلوبها الأصيل في تحديد وُجهتها الاجتماعية المستقلَّة، وهُنا يتقاطَع الزميل رفيق مع أمير نيويورك جبران خليل جبران حين قال:

«إذا أشارت المحبَّة إليكم فاتَّبعوها

وإن كانت مسالكها صعبة منحدرة

وإن ضمَّتكم بجناحيْها فأطيعوها

وإن جرحكم السَّيفُ المستور بيْن ريشها

وإن خاطبتكم المحبَّة فصدِّقوها»

(جبران خليل جبران، النبيّ، ص: 22).

كما تعود رواية «ليل الغواية» إلى مسألة هامَّة، ألا وهي محاصرة الحب في الوسط الجزائري، وهذا ما حدث مع شخصية «التايه» الذي يقول «لم يُغفر لي ما كتبته قبل سنين مِن قصائد غزليَّة لقيت رواجًا عند المارقين مِن شباب المدينة لم يكفروا بالعشق ولم يعتبروه فسقًا، رغم أنَّهم حوصروا» (رفيق طيبي، ليل الغواية.. ص: 16)، وهي مسألة حسَّاسة لكونها تضع يد الفرد الجزائري على قلبه، إذ ينشطِر العالَم الجزائري أمام هذا الموضوع إلى قسميْن: أحدهم يغلِّف رفضه للحب – العشق بالتديُّن ليعتبره كفرًا أو معصية، والثاني يرتدي ثوب الأخلاق الذي لا يليق به، مُعتبرا العشق عملًا مبتذلًا «خاصَّة بعدما اكتشفوا أنَّ فتيات المدينة، وتحديدا ثلَّة مِن بنات أثريائها وقعن في سحر هؤلاء المارقين!» (رفيق طيبي. ليل الغواية. ص: 16).

بعدها تتملَّصُ رواية «ليل الغواية» مِن مواضيع العواطِف لتفتح مواضيع أكثر جديَّةً، حينما تطرق باب الثقافة الجزائرية، وتدفع بالمؤسسات – الساهرة عليها – أو كما يُفترض أن تكون إلى الواجهة التفكيرية، مصوِّرَة المشهد الثقافي بطريقة كاريكاتورية حيث تقول: «نساء مجنونات، واحدة مستشارة في الثقافة تكره الكتب، وأخرى لا تقرأ؛ لأنَّ القراءة لا توقف الحكَّة، وأخرى غابت ثلاثة أشهر، وحين عادت قالت جئتُ مِن أجل العطلة… وأخرى تزور مشعوذًا كلَّ شهر ليبدد سعادة زوجة شقيقها! كلّ هذا في مؤسسة تدَّعي بأنَّها ثقافية». (رفيق طيبي. ليل الغواية. ص: 61).

لا تكتف رواية ليل الغواية بهذا القدْرِ مِن العمق، بل تغوص أكثر، لتوجِّه الثور الجزائري باتِّجاه قضية «المومسات» الحمراء، حيث تجعل من قضية الشخصية صبيرة مثالًا على نوع قديم – جديد مِن القهر والمعاناة، مأساةُ مَن رفضهنَّ التجمُّع الجزائري، ليجدن أنفسهنَّ فرائس سهلة لذئاب بشرية وأنيابها مِن ناحية، وأمواج الاقصاء والخطر مِن نواحي أخرى، حيث تقول: «عشرات عملن في البارات كانت نهايتهنّ مؤلمة، طعنة أو ضربة قاضية، رصاصة أو جوع في مدن تعتبر موت عاهرة حادثة طبيعية، يُحقَّق فيها شكليًا، ويُغلق الملف في ظرف قياسي دون البحث عن المجرم، عملًا بقول (تهنينا منها)» (رفيق طيبي، ليل الغواية، ص: 61).

كما أنَّ رواية ليل الغواية تعرض قضية خفية عن عقول المتأمِّلين، حيث تضع ملف «تصحيح الزواج» تحت المجهر، لتسرد قصة الشخصية هيام، التي تزوَّجت اتقاء لألسنة الناس وخوفًا مِن المجهول، فوجدت نفسها تحبُّ أحد طلاّبها في الجامعة، وقد عرضت رواية ليل الغواية التراجيديا التي عاشتها هذه الشخصية، ملخِّصة إيّاها في عبارة «فلا أحد يفرِّق بين الحياة الخاصة والعامَّة، وقد يصبح الحب تهمة حقيرة في ظلِّ ارتباطي برجُل آخر، فلن يفهم أحد رغبات القلب إذا انفتح على حبٍّ جديد أو عاطف». (رفيق طيبي، ليل الغواية، ص: 90).

كما أنَّ هذه الرواية لم تنسَ لفت الانتباه والوجدان إلى العشرية السوداء، التي أتت على الأخضر واليابس، والتي أحالت ما بقي مِن بلدٍ جميل كالجزائر إلى خراب، تحت تسميات كثيرة، أبرزها التديُّن، والحفاظ على الجمهورية، وقد ظهر ذلك في موت شخصية زوليخة بنت المداني، «التي حكمت عليها جماعة متطرِّفة بالموت، وقامت بقطع رأسها، ووضع علامة شطب على باب بيتها، وكتابة: لا يفلح الساحر حيث أتى بطلاء أحمر» (رفيق طيبي، ليل الغواية، ص: 139). وهذا ما دفع بالزميل رفيق للدخول على لسان شخصية فؤاد إلى نواة النظرة الجزائرية للتديُّن بالقول: «لم أطلب تشريع قوانين تحميني. فاحترامي لعُرف الناس واتفاقهم على رفضي قبلته، وأنا مطَّلع على التشريعات، وشعار الإسلام دين الدولة الذي لا يُطبَّقُ سوى في صغائر الأمور والشّعبويات» (رفيق طيبي، ليل الغواية، ص: 158).

فعلًا يا زميلي رفيق!

لقد جعل الجزائريون التديُّن مطية، لا يخوضون به سوى المعارك المحسومة سلفا، مِن صغائر الأمور والشعبويات المهترئة، متناسين عظمة هذا الدِّين ذا الرسالة العالمية بامتياز، تلك التي تخدم الإنسان أينما كان.

وكما كانت البداية مع المرأة في ليل الغواية، جاءت النهاية مع الجزائري الإنسان، الذي يملُّ كلَّ هذه الحمولة الثقافية الضائعة، فيقرر السفر إلى الصين، كوجهة بعيدة عن كلِّ ما يعانيه، ليصطدم بواقع أكثر مرارة، حيث يقول: «فالسفارة الصينية لا تتساهل في منح تأشيرات خروج الجزائريين، ولو منحت لي تأشيرة… أجد نفسي مجددا كأيِّ كلب وحيد مشرَّد، وحتى الكلاب هناك لا تتجوَّل في الشّوارع، ولها حضائر خاصة، لا يُسمَح بدخولها إلاَّ بشروط!» (رفيق طيبي، ليل الغواية، ص: 184).

حاولت ليل الغواية تفكيك بعض الألغام الجزائرية الروحية، وقد نجحت إلى حدٍّ بعيد في ذلك، هذا ما يجعلها مِن النوافذ التي تعبِّر عَن ما يحاول العالَم الجزائري تغطيته، عبر الكثير من الحواشي، لكنَّه لا ينجح، فتخرج الحقيقة ثانية مِن الخراب، مِن الدّمار إلى النور.

لقد أعادت إليَّ رواية ليل الغواية بعض النقاط التي اعتبرها أساسية لكلِّ باحث عن مفاتيح الواقع الجزائري، لعلَّ أهمَّها:

1. شخصية «سي ناصر» المذكورة في ليل الغواية بالتحديد في الصفحة رقم: 44، ذكّرتني بفيلم (Mad Max)، حيث يجلس القائد بمنظر رديء يشبه الشمع الذائب، بجِلدٍ مبقع بدوائر البهاق، يداريها بطبقة مِن البودرة البيضاء على ارتفاع شاهق، حتى يمنَّ على شعبه ببعض الماء.

2. شخصية «يوسف» المذكورة في ليل الغواية بالتحديد في الصفحة رقم: 118، تذكّرني بأحد أبرز شخصيات الثورة الفرنسية، الذي شاع بين الجماهير بواسطة لقب: (L’incorrigible)، فكان يعدم معارضيه مِن بقايا الملكية أو مِن زملائه، وكانت الجماهير تصفِّق له، وتلعب بالرؤوس المقطوعة تحت المقاصل، وحينما قُتل، صفَّقت تلك الجماهير ذاتها، ولعبت برأسه.

3. لكن أبرز شخصية في ليل الغواية والتي جاء ذكرها في الصفحة رقم: 129، هي «شخصية التّائه»، التي أعادت ذاكرتي إلى أغنية: (la complainte de pablo Nerauda)، والتي قال عنها «جون فييرا»: كيف لنا أن نسمعها في وسط تسوده أصوات وضجيج أقدام الجنود الغليظة؟

كما يُمكنُني أن ألخِّص رواية ليل الغواية فيما يلي:

«القرصان لا يتَّفق مع تعاليم الدين الإسلامي، أو أيّ ديانة أخرى في تفسير مفهوم الخير والشر، ويرى في ما تظنه شرًا لنفسك قد يكون خيرًا للجزائري أو مجموعة جزائريين أخرى تمامًا، فإذن الخير أو الشر هي قيم نسبية أعطاها الجزائري للمواضيع العامَّة حسب فائدته ومضرته منها» (مزوار محمد سعيد، تودرومو القرصان. ط 1. 2019. دار خيال للنشر والترجمة-الجزائر، ص: 124).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد