في لبنان استقال سعد الحريري وفي العراق فعل مثله عادل عبد المهدي، كلاهما تركا منصب رئاسة الوزراء، بعد مظاهرات وصلت إلى حد «الانتفاضة»، فهل تحقق مطالب الشعبين؟ وهل هذا ما كانوا يريدون من مظاهراتهم؟ الأمر ليس بهذه البساطة، النظام في البلدين لا يشبه نظم الدول الأخرى التي انتفض شعوبها، الحريري وعبد المهدي ليسوا إلا بيادق يتم التضحية بهم ليبقى الملك، والملك في لبنان والعراق ليس زعيم واحد، بل نظام متشعب ومعقد يرأسه الـ40 زعيم يديريون مغارة علي بابا.

الطبيعي ٲن الشعوب تنتفض ضد الدكتاتورية الصارمة للحزب الواحد وجبروت الزعیم؛ لٲنه ینفرد بحكم البلاد وقمع العباد، ینفرد بالقرارات «الصائبة دومًا»، فيثور الشعب علیه وعلی حزبه ویخلعه ٲو یقتله ٲو في ٲحسن الٲحوال له یهرب، لا نضرب المثال بتاریخ قرأناه، بل بحاضر عشناه، بن علي هرب، مبارك انخلع، قذافي قُتل، والبشیر انسجن، هذا طبیعي، ليس في الٲمر غرابة، لكن في النسختین اللبنانیة والعراقیة الٲمر لیس بهكذا الحال، لا یحكم حزب واحد اللبنان ولا زعیم العراق، فعلی ماذا ومن ٳنتفض الشعب اللبناني والعراقي؟

دیمقراطیة زائفة

يظهر للعيان ٲن في لبنان دیمقراطية وتعددية وفي العراق مثلها، تجري ٳنتخابات دورية يفوز حزب ویخسر الآخر، في الٳنتخابات التالية يخسر الفائز ویفوز الخاسر، القاعدة العربیة المقدسة 99.9٪ غير معمول بها في البلدین، حتی الحزب الفائز لا يستطيع تشكیل الحكومة إلا بتحالف، للوهلة الأولى يتبین للعيان ٲن الٲمور تجري بسلاسة والحكم فيها رشيد، لكن هذا فقط تجمیل للعملیة السیاسیة في لبنان والعراق، ٲما الحقیقة فمغایرة تمامًا، فالنظام في البلدین هجین بشع للدكتاتوریة الشرقیة والغربیة، الحقیقة ٲن اللبنانیین والعراقیین مجبرون علی انتخاب في دائرة محددة لا یملكون الخیار بٲن یختاروا خارج الصندوق، ٳما تختار السارق ٲو شریكه، السراق في كل دورة انتخابیة یقدمون ٲسماء مختلفة عما سبق، لكن الكل یدور في فلكهم ويخدم مصالحهم، ٳنهم یستخدمون الديمقراطية للحكم بدكتاتورية وقمعية، قمعية النظام في اللبنان والعراق أكثر شراسة من البلدان الأخرى، لأن عصبة من العصابات اتفقوا على نهب مقدرات البلد وتوافقوا قمع الشعب، وأي خيار للشعب خارج توافقهم سيسحقونه، طبعًا باسم مصلحة الشعب، فلا يغرنكم التعددية الشكلية والانتخابات المفرغة من معناها، الديمقراطية لا تختزل في الانتخابات فقط، بل هي ٳرادة الشعب في الاختيار، وما ٲن تسلب الاختيار من الشعب حتى تخرج من دائرة الدیمقراطية، ولا تبقی تلك اختیاره، بل اختیارك له، وهذا عكس المبدأ الٲساسي للديمقراطية، والتعددية لا تختصر في كثرة الأسماء وازدحام الألوان مثلما موجود في اللبنان والعراق، بل هي تعدد وجهات النظر السياسي والثقافي والاقتصادي.

سمعنا كثیرًا مصطلحات مثل النسخة العراقیة من الدیمقراطیة وهي تعني المحاصصة الموجودة، والتي أضرت بالعراق كما أضرتها ديكتاتورية صدام حسين، ٲو ما كنا نسمع عن مراعاة دول لتعُدِل الديمقراطية علی قیاسها فيزيدون مبادئ ویتجاوزون بعضها، لكن خُلقت من هذه العملیة مخلوقات غریبة ومتوحشة ٲكثر من الدكتاتوریة التقلیدیة، الحرية تكون أو لا تكون، لا توجد النسبية في الحرية إن سلبت البعض سلبت الكل، الصحيح في الٲمر ٲن الديمقراطية كل لا يتجزأ، الديمقراطية ليست قطعة قماش بٳمكاننا ٲن نصنع الرداء علی مقایسنا، لا ينبغي ٲن نؤمن ببعض الكتاب ونكفر ببعض، لا تكون الديمقراطية حينما تكون سلطة المرجعية أعلى كلمة من السلطات المنتخبة، والميليشيات الموجودة خارج دائرة السلطة والحكومة، وبرلمان مسلوب الإرادة، لأن دول وفصائل تقرر عنهم، وما هم إلا رافعو الأيدي تحت قبة البرلمان لإضافة الشرعية، والفوز بالمقاعد البرلمانية محصور في دائرة المتنفذين وأصحاب القوة، الديمقراطية تفرض كلمة الشعب وإرادته، وليس ما تريدها الدول الإقليمية والدولية.

العراقيون واللبنانيون في «مهمة مستحيلة»

مهمة المنتفضین في لبنان والعراق ٲصعب بٲشواط من البلدان التي فيها زعیم واحد وحزب واحد، الشعوب فیها یدتعرف ضد من سننتفض ومن ستخلع، ومواضع العلة ٲين وما هي نقاط الضعف، وغالبًا البدیل لا يكون صعبًا ٲيضًا، ببساطة من لا یكون في رحى الزعیم فهو بدیل، فتبحث عن الٲكثر ٳخلاصًا وكفاءة، فيثور الشعب على الزعيم ويخلعه ویٲتي البدیل، لكن في النسخة اللبنانية والعراقية الٲمر معقد جدًا، لٲن النظام فيه مثل مخلوق ذي رؤوس متعددة، كل رٲس عبارة عن ٲخطبوط، في السراء يٲكلون الشعب وما يملكه بٲفواه كثیرة، وفي الضراء يدافع النظام بالخیاشیم المتعددة، لیس باستطاعة الشعب ٲن يقطعوا كلهم، وٳذا بقي رٲس واحد يكفي ٲن يفسد الٲمر برمته، بل ينبت الرؤوس مرة ٲخری، في لبنان منذ الثمانینات القرن الماضي وبعد الحرب الٲهلية اتفقت كل الٲطراف علی التوافق في حكم البلاد، ٳنهم اتفقوا علی نهب ثروات البلاد وتسخیر العباد، وكل طرف يتكلم باسم طائفة من الشعب ویتصرف كٲنه مالك لتلك الطائفة، يستخدم الطائفة للنهب وجمع الٲموال وإثبات نفسه كلاعب متمكن ومتنفذ، اللبنانيون تحملوا غلاظة قادتهم ليس حبًا فيهم، بل وقایة من شر تناحرهم، حذروا ٲن لا تصبح مصلحة قادة ما للخطر فیتهیج باسم طائفته ويهدم استقرار 30 سنة، لذلك لا تندهش وٲنت تقرٲ ٲرقام حسابات تلك القادة المخلصین والمخلِّصين للشعب ولا تقل حساب ٲحدهم عن ملیارات الدولارات.

وفي العراق نفس القصة مع فارق حجم النهب بكثير؛ لٲن العراق بلد النفط والثروات، لكن البلد والشعب في قاع الفشل في كل النواحي والمجالات من التنمية، وٲي تنمية؟ العراق تعيش عصرها المظلم، لكن قاداتها يملكون عشرات ملیارات من الدولارات ويعيشون في بذخ وترف، وكل هذا طبعًا في ظل نظام ديمقراطي وانتخابات دوریة وتعدد سياسي، العراقیون ٲيضًا تحملوا فساد قادتهم في بدایة الٲمر لنشوتهم من خلاصهم من دكتاتوریة صدام حسين وبعدها من ٲجل طائفتهم ضد الطائفة الٲخری وبعدها من ٲجل حرب «داعش»، لكن نفذ الٲعذار من الشعب ليطلقوه للسياسيين، فانتفضوا علی بكرة ٲبیهم ضد الكل، والكل يعني الكل، حتی شعار البلدین یختلف عن البلاد الٲخری في ثوراتهم الربیعیة، كانوا یرفعون الشعار لیسقط الزعیم واللبنانیون والعراقیون رفعوا فليسقط، اللبنانيون والعراقيون ٲبدوا جرٲة منقطع النظير بانتفاضاتهم ضد ٲنظمتهم، لٲنهم یحاربون وحوش كاسرة، دول نافذة، میلیشيات مسلحة، بغض النظر ما سيتخمض من التظاهرات والاحتجاجات في البلدين، إنهم ضربوا مثالً على الشجاعة واليقظة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد