المسار التاريخي-البيئة اللإقليمية-الإرادة الأمريكية

عند النظر للمسار التاريخي للتحرك السياسي الإسرائيلي، نجد هذا الكيان دائم المحاولة في التقرب من اللاعبين الدوليين الرئيسيين؛ لكسب الحماية وتحقيق المصالح من جهة، ومن جهة أخرى محاولةً لمنع هذه القوى من دعم جهات أو دول في حالة عداء معه.

كما أن الحصول على تأييد دولة عظمى كان إحدى الركائز التي قام عليها المشروع الصهيوني منذ النشأة؛ وهو ما تحقق من خلال ما يعرف بوعد بلفور عام 1917 الذي يتضمن تعهد الحكومة البريطانية بإقامة وطن قومي لليهود، لتصبح بريطانيا الداعم الأول للمشروع حتى مؤتمر بلتمور عام 1942 والذي تبنت فيه الولايات المتحدة هذا المشروع، لينتقل معه مركز الدعم الأول من لندن لواشنطن.

وكان لوقوع الكيان الإسرائيلي بين الضغوطات الدولية، والتحديات الإقليمية والداخلية دافعًا ملزمًا في التقرب الدائم من حليف له القدرة على تقديم القدر الأكبر من الدعم، مقابل ما يقوم به هذا الكيان من تحركات إقليمية تصب في مصلحة الحليف ومصلحته في الوقت ذاته. وفي ذلك شغلت التحديات الإقليمية الحيز الأكبر من سياسة الكيان الخارجية التي كان يتم التعامل معها في الغالب بالأسلوب المباشر نتيجة الهجمات التي كان يواجهها الكيان على مختلف الجبهات، والتي انتهت بتوقيع اتفاقيات السلام مع أهم دول الجبهات العربية، الأمر الذي ساهم في تخفيف الضغط والتركيز على التحديات الإقليمية الأخرى والتي تمثلت بشكل رئيسي في مراكز القوى الإقليمية (العراق، سوريا، إيران)، وهو ما دفع الكيان الإسرائيلي لاتباع «سياسة الطرف الثالث»، والتي يتعامل من خلالها مع الأخطار، التي يصعب عليها مواجهتها بشكل مباشر، بدفع أو تحريض طرف ثالث له القدرة على التعامل مع مصادر هذه الأخطار للتخفيف من حدتها أو التخلص منها.

وبالنسبة لإيران فقد شكلت الخطر الأول على إسرائيل خلال الأربع عقود الماضية؛ فمنذ ثورة عام 1979 وما حمله نظام الخميني من عداء تجاه إسرائيل تفاقمت خطورته مع توالي السنوات، نتيجة تطور القدرات الصاروخية الإيرانية بالتعاون مع كل من روسيا وكوريا الشمالية، وإكمال العمل في المفاعلات النووية بمساعدة كل من روسيا والصين؛ إضافة للنزعة الثورية للشعب الإيراني الذي يحركه نظام ذو موقف أصولي حاد العداء لإسرائيل، ناهيك عن قدرة إيران على تفعيل أكثر من جبهة في حالة حدوث الحرب، والتي إن حصلت سيكون فيها الطرف الإسرائيلي الأكثر ضررًا.

وعند النظر في سلوك الكيان الإسرائيلي نجد أن تقاربه المستمر مع كل من الصين وروسيا يهدف في إحدى جزئياته الهامة إلى الحد العلاقة التعاونية بينهم وبين إيران في المجالات الاستراتيجية (العسكرية والأمنية منها على وجه الخصوص). في حين أن التقارب الإسرائيلي مع كل من الولايات المتحدة والسعودية والإمارات يهدف في إحدى أهم جزئياته الإقليمية إلى تدعيم توجهاتهم العدائية مع إيران، في محاولة لجرهم نحو الحرب، والتي إن حصلت ستمنح إسرائيل درجة أعلى في ميزان القوى الإقليمي من جهة، ويعمل على توزيع أعباء الرد الإيراني من جهة أخرى، عدا عن التخلص من الخطر لكونها الهدف الرئيس.

إن الرغبة الإسرائيلية التي كانت حاضرة في ضرب العراق، هي ذات الرغبة الحاضرة اليوم تجاه إيران؛ إلا أن العامل الفارق تمثل في الإرادة الأمريكية التي تواجدت في التدخل ضد العراق على عكس ما يحدث في الوقت الراهن من وعي أمريكي في حجم ضرر التدخل ضد إيران، مستبدلة ذلك بالعقوبات الاقتصادية؛ مضافًا لها التوجهات الأمريكية في الخروج من المنطقة، وبالتالي تغير السلوك الأمريكي تجاه قضايا الإقليم ومنها قضية إيران.

رغم ذلك سيبقى هدف التخلص من الأخطار الإقليمية المعقدة ومنها الخطر الإيراني مترسخ في العقلية الاستراتيجية الإسرائيلية، ولن يجري التغير إلا على الأطراف التي ستدفعها إسرائيل تجاه هذه الأخطار عند توفر الفرص، فهل مقتل سليماني فرصة؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد