نزيف العقول تعبير له دلالة واضحة، وهو هجرة الكفاءات العلمية الوطنية خارج وطنهم الأم، وله أثر واضح وخطير في نفس الوقت على تقدم الدولة، لأن أغلب الدول التي تعاني من هذه الظاهرة هي بلدان نامية، أو تعاني من مشاكل داخلية ذات ابعاد اجتماعية واقتصادية وسياسية. لذلك، بعد مغادرة هذه الكفاءات، سوف تعاني الدولة من مشاكل مستمرة.

هنا، نحن نختص العراق بحد ذاته. السبب في العراق واضح وبسيط، إذ أن البلد يعاني من مشاكل متعلقة بهجرة أبنائه بسبب الأوضاع السياسية التي عاشها العراق في فترات مختلفة، إذ هاجرت نسب ضخمة من الكفاءات العراقية في مختلف المجالات، بسبب تردي أوضاع العراق. وتشير إحصائيات صادرة عن وزارة الصحة إلى أنه يوجد أكثر من 9 آلاف طبيب هاجر من العراق في السنوات الخمسة عشر الماضية.

والأمر لا يتوقف على الكفاءات، بل يمتد إلى هجرة العراقيين من مختلف الشرائح والطبقات، وهذا الأمر خطير، إذ أن له أثر سلبي على النسيج الاجتماعي العراقي.

صدر في ديسمبر 2019 تقرير عن منظمة الهجرة الدولية، يقول بأن عدد المهاجرين العراقيين يصل إلى 5 ملايين، وأن نسبة العراقيين المهاجرين ازدادت بنحو 33%، وهذه هي المرة الأولى التي تنشر الحكومه العراقية ومنظمه الهجرة التابعة للأمم المتحدة العدد الحقيقي للمهاجرين العراقيين، وأوضح التقرير وجود تغير في نمط هجرة العراقيين من ناحية البلدان التي هاجروا اليها، فقد كانوا يهاجرون في الأغلب إلى بلدان شرق أوسطية، مثل الأردن وسوريا وايران، لكن تغير الحال إلى دول أوروبية، وخصوصًا السويد وألمانيا والمملكه المتحدة، بل حتى أن الولايات المتحده الأمريكية أعلنت أنه في عام 2018، كان العراقيون هم أكثر الشعوب العربية في الحصول على الجنسية الأمريكية، بواقع يبلغ 8047 شخصًا، وهو رقم ضخم لكن لا يكشف عن حجم العدد الحقيقي، إذ يوجد من حصل على الجنسية قبل هذا التاريخ، وهناك من ينتظر دوره في الحصول على الجنسية، وقد يكون أضعاف هذا العدد.

بالتالي نحن أمام مشكلة متعددة الأبعاد، يخسر العراق بسبب الهجره يدًا عامل قادرة أيضًا على المساعدة في بناء البلاد، لأن الهجرة التي حدثت في السنوات الأخيره كانت في غالبيتها من الشباب، وهو أمر بحد ذاته مشكلة، لأن ذلك يعني خللًا في التركيبة الاحتماعية، وخسارة للطاقات الشبابية التي يمكن استغلالها، بالتالي فهي مشكلة متعددة الأوجه وصعبة الحل.

لو استغلت الكفاءات العراقية في الخارج لساهمت في نهضه العراق، لكن حتى من يهاجر خارج العراق فإن هناك احتمالية كبيرة جدًا أن يعيش حياة صعبة في المهجر، فالدول التي أصبح العراقيون يهاجرون إليها ليست عربية، وبالتالي يجدون صعوبة في اللغة وصعوبة في الاندماج في المجتمع، بالتالي صعوبة في الانخراط في العمل داخل هذه الدولة.

يضاف إلى ذلك، أن هجرات العراقين الكثيرة أدت إلى ولادة أجيال من العراقيين في المهجر، لم يروا العراق في حياتهم، وفي بعض الأحيان لا يتحدثون حتى اللغة العربية، فقط يحملون الجنسية.

ويتوزع العراقيون المهاجرون خارج العراق في أكثر من 67 دوله عربية وأجنبية. يقول مفوض الأمم المتحدة السامي لشؤون اللاجئين أن نزوح العراقيين وهجرتهم هي الأكبر منذ النزوح الفلسطيني عام 1948، ويقف وراء تزايد أعداد المهاجرين العراقيين الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية الني حدثت في فترات متعددة ومختلفة، وإن كان أكبرها ما حدث بسبب التنظيمات الإرهابية في السنوات الخمسة الأخيرة، إلا أنه من باب العلم بالشيء، فقد حدثت هجرات في أعوام 1979 و1980 و2006 و2015.

كانت هذه الهجرات كفيلة بأن ترفع عدد المهاجرين من أصحاب الشهادات العليا والشباب وغيرهم إلى 5 ملايين مهاجر عراقي، حسب ما أقرتة منطمة الهجرة التابعة للأمم المتحدة.

في النهاية. يبقى التساؤل الاهم: هل سوف يزداد الرقم ام يقف عند هذا الحد؟ الجواب هو: لا أحد يعلم، لكن نأمل أن يعيش العراقيون حياة كريمة، تجعلهم لا يفكرون حتى في الهجرة خارج العراق، ويبقون في البلد الذي علم الناس القراءة والكتابة، في البلد الذي يطفو فوق بحيرة من النفط والثروات الهائلة، في بلد الحضارة والتنوع، لكن كل هذا لا قيمة له إذا لم يستطع الفرد أن يعيش بكرامة وكفاية تدفعة إلى ترك وطنه الذي ولد فيه. نتمنى أن يستشعر العراقيون خطورة الأمر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد