تتنوع أسباب عدم الرضى عما نملك، لكن حقًا هل سنصل إلى مرحلة الرضا تلك؟ الحقيقة أن العالم الآن لا يدعم ذلك الشعور، البيئة حولنا لا تعترف بذلك، الإنسان في سباق للتملك والاستهلاك، سباق غايته الاستهلاك وليس الرضا، في حقيقة الأمر إننا مهما تملكنا من أشياء كنا قبل أن نملكها نظن أنها الغاية.. أنها السعادة.. لكن سرعان ما ينطفئ ذلك الضوء في أعيننا تجاه ما امتلكنا وما استحوذنا عليه.

ربما يحدث الإنسان نفسه أنه لم يصل بعد، سيصل حين يمتلك المزيد، عليه بمزيد من السخط حول مايمتلك، ولا بد من تطوير شراهته وتوسيع شهيته وتوحش رغبته حتى يصل إلى السعادة،  معلنًا شعار «أنا موجود بقدر ما أملك وبقدر ما استهلك».

يبكي الطفل ولا يكف عن البكاء حتى يتم إرضاعه، يجد الطفل أن البكاء طريقة مجدية للحصول على ما يريد، حتى أن بعض الأطفال يتصنعون البكاء والصياح مع تعبيرات وجه حزينة للحصول على شيء قد منعته عنه أمه، هكذا يتفاوض الطفل، مشهد يتكرر يوميًا ربما، لكن ما لم يخطر على البال أن تلك الطريقة الفعالة لدرجة كبيرة مع الطفل ربما لن يستغني عنها حين يكبر ويبلغ من العمر مايجعله على الأقل واعيًا مدركًا لتصرفاته مسؤولًا عن نفسه.

بنفس الأفكار والأسلوب، شاب يكبر يصيح في وجه العالم، في وجه أسرته، وأصدقائه، وأساتذته، في الجامعة، أو المدرسة، وربما في وجه رئيسه في العمل، أنه غير راض تمامًا بما يحصل عليه، أنه يريد أن يستهلك المزيد من المنتجات، ولا يقدر على ذلك مشكلًا بذلك عدة تهم للآخرين من حوله أنهم لم يعطوه حقه، رغم أنه قد يكون الأوفى حظًا بين الجميع بأخذ حقه في كل شيء أو يزيد، لكنه يفقد الرضا دائمًا بسبب شراهته في استهلاك المنتجات حتى يصل به الحال إلى استهلاك من حوله عاطفيًا على الأقل.

من الأشياء التي تلفت النظر أيضًا هو تحول إحدى أهم نماذج العلاقات الإنسانية المقدسة إلى علاقة مثمنة، ونقصد بذلك علاقة الزواج، تشكل الهدايا مرتفعة السعر التي ترتبط في أذهاننا بوضع اجتماعي عالي الشأن بمفهوم العلاقة السعيدة فيُستهلك أحد الطرفين على الأقل.

ومن الصور المخزية والمحزنة أن المرأة بعد وأن استهلكتها مواقع التواصل الاجتماعي والانستجرام على وجه الخصوص ووجهتها نحو معايير جمال «العروس اللعبة باربي»، لن تستقر علاقتها مع زوجها لأنها بطبيعة الحال إذا ماتغلبت على النساء الأخريات في سباق الجمال المثالي فلا بد لها من وضع اجتماعي ومادي مشابه لوضع الممثلة الهوليودية.

وعلى ناحية أخرى من صور الإستهلاك للإنسان، هي رغبة الزوج الدائمة في الحصول على زوجة محبة ومطيعة تجيد أعمال المنزل بشكل كامل وتنافس على التعلم أمهر طباخ في العالم، ولديها القدرة على العمل خارج المنزل وكسب المال والاهتمام بالأولاد، ثم هي في الليل وعلى الفراش بين أحضان زوجها تتحول إلى إحدى الممثلات الإباحية، وإلا فهي زوجة لا تجيد أي شيء، ولا تستحق الكثير من الحب، وبالتالي يخضع أحد الطرفين لابتزاز الآخر واستهلاكه من أجل رفاهية الآخر الذي لن يشعر بالرضا بطبيعة الحال.

ولأن الإنسان المعاصر يتسم بالهشاشة النفسية، خاصة في جيل الشباب، فإننا سرعان ما نسلم مشاعرنا على طبق من فضة إلى أحد الأشخاص طالما أنه وجد الحيلة المناسبة في ذلك.

قرأت مؤخرًا خبرًا عن القبض على أحد الأشخاص الذين قاموا بالكذب على الناس من أجل كسب تعاطف الجماهير على مواقع التواصل الاجتماعي، فقد ادعى أنه مريض بالسرطان، ولأن مرضًا مثل السرطان تحوطه تلك الهالة الكبيرة التي في حقيقتها تخدم التبرعات للقطاع الصحي المتهالك، والتي تتنصل من إصلاحه الدول في الغالب.

فكانت طبيعة الجماهير أنها تعاطفت معه بشكل كبير، حتى حصل، وأن بعض المرضى الحقيقيين فضحوا أمره، وتم القبض عليه بالفعل مشكلًا صدمة عند بعض الناس الذين فهموا أنهم قد استُهلكوا.

كنت أتحدث مع أحد أبناء الحي وهو في الثانوية العامة وينتمي إلى هؤلاء الذين يعرفون بـ«دفعة التابلت»، كناية عن أنهم يستخدمون اللوح الرقمي في الدراسة كبديل عن الكتب الورقية.

حدثني كثيرًا عن مخاوفه، لأنه لم يعد قادرًا على استذكار دروسه، كان واضحًا لي أن الفتى قد فقد ذلك الدلال، وفقد معه ما يعرفه عن المنهج، وفقد معه تلقين المدرس له مرة واثنتين وثلاثًا وأربعًا، وربما خمسًا لو أراد.

وبغض النظر عن مدى جدوى ذلك النظام التعليمي الجديد، فقد أصيب الفتى بالتعب لأنه لا يعرف ذلك النظام الذي يجعل من التلميذ مسؤولًا بعض الشيء عن فهمه للمواد الدراسية، فهو طالب وعليه أن يفهم ما أمامه عن طريق الاستعانة بشرح فيديو وبعض التمارين، كان النظام القديم، المدرس يشرح عدة مرات في المدرسة، وعدة مرات أخرى في (الدرس الخصوصي)، ويساعد الطالب على حل التمارين، ويصحح له ويساعده ويقويه، ويبذل قصارى جهده حتى يصير التلميذ حافظًا للأسئلة التي قد تطرح عليه قبل أن يستوعب الدرس أصلًا.

الطالب قبلها كان قد تعود على استهلاك المدرس عدة مرات، وإذا لم يخرج بتلك الدرجة التي يطمح إليها يوجه تهمة الفشل الذريع إلى المدرس، ويعتبر نفسه ضحية بطريقة أو بأخرى.

نجد من تلك الصور الاستهلاكية صورة لاعب كرة القدم، ذلك الرياضي المحترف الذي يوقع لأحد الأندية فيصير موظفًا يكفر بأي انتماء، سوى الانتماء للنادي، ويقدس شعاره وجماهيره، يمكنك رؤية سخط الجماهير ولغتهم البذيئة تجاه أي لاعب لا يظهر عليه أنه يقدس النادي ويقدس الشعار، ربما أن ذلك اللاعب في رأي الجمهور يفكر في الانتقال إلى ناد آخر، وهو ما يجعله هدفًا لكل اللعنات.

الجمهور لا يفهم سوى أن اللاعب لابد وأن يكفر بجميع الأندية الأخرى، ويقدس ناديهم وحدهم، عليه أن يكون مطيعًا في ذلك، ويخضع لهم كمنتج يتسبب لهم في الرفاهية، ربما تسمع تصريحات للجماهير أو للاعبين أنفسهم، لن تسمع تصريحات مشابهة لها إلا تصريحات المتدينين تجاهم مقدساتهم الدينية.

اللاعب هنا يظهر كمستهلَك ومنتج ترفيهي للجماهير، وآلة تدر الأرباح بظهوره في الإعلانات وتحقيق الأرقام للنادي، أو في النهاية بيعه إلى أحد الأندية الأخرى مقابل مبلغ جيد يُسكت الجماهير عن تكفير اللاعب، وهو ما يجعلنا نتذكر أسواق العبيد في العصور القديمة، مفهوم الرياضة أصبح مفهومًا ماديًا للنادي، ودينيًا للجماهير؛ مما يوقع اللاعب في فخ أن يكون ضحية، ومنتجًا مستهلكًا يباع ويشترى.

إن البيئة التعليمية لدينا الآن تدعم الاستهلاك والشراهة، لأنها أصابتها موضة العولمة، جاءتنا من تلك البلدان التي طغت فيها المادية والإنتاج والاستهلاك على القيمة الأخلاقية، فتغير لدينا طريقة ومحتوى المناهج التعليمية مما يجعلنا نتذمر طوال الوقت بدون فائدة نحو المزيد من الاستهلاك حتى وجدنا أنفسنا كالمخلوقات التي أكلت نفسها حين لم تجد ما تأكله فانقرضت.

إنها مصيبة كبيرة حين يفقد التعليم ذلك الجزء الأخلاقي، ذلك المعنى الذي يقيم الحدود للإنسان، إننا بحاجه إلى الدين السماوي، ذلك المنهج الذي يقيِم الإنسان وقدرته أمام قدرة الإله، الذي يحدد لنا الغايات ويحدد لنا الطريق حتى لا نضل، ذلك المنهج الذي يجعل من مفهوم السعادة مفهومًا واقعيًا، وليس مفهومًا مرتبطًا بالرفاهية، وإنما مفهوم مرتبط بالرضا، أعرف تلك العجوز التي قالت يوما إنها راضية تماما وهي تبحث عن قوت يوم بيوم، وأنها ليس لديها ثلاجة لتحفظ فيها قوت الغد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد