في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، كتبت ملاحم الشعب المغربي على مستوى الشارع، والآن في زمن الألفية ها هي تخط بصوت الكورفا سود (ألتراس مغربية تنتمي لفريق الرجاء).

رجاء الشعب، العش الأخضر، النسور،الكورفا سود، گرين بويز، درب السلطان، ألترا إيگلز، تشير جميعها إلى كيان واحد ولا يحضر إلا اسم واحد: نادي الرجاء البيضاوي المغربي.

ليس هو ريال مدريد الذي يمتلكه أكثر من ستين ألف شخص من أثرياء إسبانيا، ولا نادي ريفل بليت الذي أسسته البورجوازية في الأرجنتين. إنه الرجاء فكرة تأسست عن فكرة، وتولدت عنها أفكار.

حُمل تأسيسه على عاتق بعض المقاومين، والنقابيين الوطنيين في درب السلطان، بمقهى شعبي يُطلق عليه مقهى بويا صالح، والذي مازال محجًّا تاريخيًّا لعشاق النادي. وهنا يطرح سؤال: هل انتقلت عدوى النضال من مقعديه إلى مشجعيه؟

لم أكن يومًا محبًا ولا متابعًا لهذا الكيان، ولا لأي كيان في البطولة المغربية، شذرات هنا وهناك نحو: صعوده لنهائي كأس العالم للأندية، وما قدمه من متعة كروية علت شأنه ورفعت همته، وتألقه كذلك في مونديال البرازيل ضد العريق ريال مدريد، في ملحمة كروية رفيعة رغم هزيمة الأخضر. لست هنا من أجل سرد كرونولوجية النادي، ولا ذكرًا لألقابه، ولا إحصاء لخسائره وانتصاراته، فأبناؤه أهل الاختصاص، إنما حديثي عن ثقافة الألتراس ما دامت هذه الأخيرة الخط الناظم بين النادي وصداه خارج المستطيل الأخضر. هذه الثقافة ما فتئت الأنظمة تحاول تكميم أفواههم، وتدجين عقولنا، وتغيير مفاهمينا، وتغييب أذهاننا على أن الألتراس خراب في خراب، ودمار في دمار ، دماء تتلاشى هنا وهناك، وعصي تعلو وتهوي، إنه تصوير لأعضاء الألتراس على أنها حفنة التخريب، وحمالة المصائب والشغب، ومحتضنة (التشرميل) والمخدرات – وإن كانت تُؤخذُ على بعض  الجماهير ممارسات التي توسم الجميع وتعمم على الكل – لكنهم ثلة لن تغير النظرة ولا الثقافة.

لنتجاوز ذلك المفهوم السطحي اللاتيني الذي ظهرت فيه الألتراس بمعنى المتطرفين. إني أحسب الألتراس كنظرية ما دامت قائمة على منهج. بل هي نظرية حية متطورة متجددة؛  فإن كانت يومًا توسم بالتطرف، وبعدُ قلصت وحوصرت في التشجيع والتطبيل للكيان الموحد، فالآن أصبحت ثقافة، وأستسمح على التجاوزات، سنتجاوز أيضًا مفهوم الثقافة المرتبط باللغة، والأكل، والملبس، والتاريخ، والمجتمع.

الألتراس بادئ الأمر نكران للذات، هو ارتباط روحي بالكيان قبل أن يكوم ارتباط قمصان ومظهر وشعارات، هو الحب السرمدي الأزلي، بل إنه يتجاوز البديهيات حول الخسارة والفوز، حول إحصائيات الألقاب والبطولات، إنها جرعات يصفها لك الطبيب كلما ضاقت بك الحياة، أو أحسست باضطراب النفس وكآبة الوقت، بل إن بعض الأصدقاء الذين ينتمون لهذا الكيان يرددون بلغتنا العامية المغربية «الرجاء لي كاتزهينا وكاتفرحنا، الرجاء هي لي كاتنسينا الهموم». هذا يلخص الفصول على أن الارتباط والتعلق بالكيان تمسك بتلابيب الحياة.

الألتراس لغة، تنسيق للكلمات، يصدح بها في المدرجات، حوافز معنوية، على إيقاع موسيقي موزون، وأحيانا مقفى في بعض أجزائه، كلمات تخرج من الأعماق لكنها دائمًا ما تعود للموطن ألا وهو الأعماق، وليست مجرد شعارات شِفاه.

وأخيرًا، وهذا بيت المقصد والقصيد، فالألتراس موقف، الألتراس تمارس السياسة، ولربما نقول إن الألتراس سياسة، تمارسها في أبهى مبادئها. قد يصفني البعض بخمول الفكر وجنون التفكير، وقد أكون ضيفًا في مائدة السخرية إذا قلت إن الألتراس نواب الشعب في برلمان الشارع، وممثلو الأمة، وإنما هي الحقيقة في أعظم تجلياتها ولنستحضر نزرًا قليلًا في ما عبرت عنه ألتراس الرجاء من مواقف، قد لا يعبر البعض عنها حتى بين أربعة جدران، ولا في طاولات المقاهي، ألم تلخص حالة المغرب والمغاربة وتعدت ذاك لتعبر عن كل دول العالم الثالث، ما دامت الأغنية الملتزمة «في بلادي ظلموني»، تخطت الحدود لتُخطَّ وتغني بها الصحافة والأقلام؟ أولم تحمل على عاتقها القضية الفسلطينية كدفعة معنوية لشعب تكالبت عليه التكالبات من كل حدب وصوب؟ أولم ترفع شعارات تذكرنا نحن الذين تناسينا معتقلينا، كأن الألتراس تحاسبنا على ذلك؟.

كما مثلني يومًا شباب الريف الأتقياء، ومثلني شباب السبعينيات والثمانينيات عفنت السجون أرواحهم، حتى أحيا اليوم، لعلي أجد شيئًا مما ضحوا من أجله، فإن رجاء الشعب يمثلني اليوم، لا تسيرني العواطف، إنما هي مواقف أُجِلُّها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد