قرأت منذ فترة بحثًا لأحد زملائي عن نابليون بونابرت وحروبه الأوروبيَّة التي سميت باسمه «الحروب النابليونية»، وانصبَّ البحث على دراسة التكتيكات والإستراتيجيات العسكرية التي ابتكرها نابليون بالإضافة إلى تاريخه الشخصي، الذي هو بكلِّ المقاييس تاريخ استثنائي وفريد.

وقد كان لافتًا أنَّ الكثير، أو لنقل إنَّ كلَّ المصادر الغربية تعد نابليون هو أعظم قائد عسكري «في التاريخ»، في التاريخ كلِّه هكذا بجرَّة قلم.

استفزَّني التعميم الذي تنطلق منه الدراسات والأبحاث والمقالات والكتب الأوروبيَّة للغاية، وعليه انصبَّ تعليقي الرئيسي على هذا البحث المتميِّز، على المصادر الغربية ومركزيتها المتعالية.

أثناء نقاشي حول البحث، سردت قائمةً بالقادة الذين توازي عظمتهم عظمة نابليون، بل يتفوَّق عليه بعضهم. لكنَّ هؤلاء القادة العِظام كانوا «مَشرِقِيِّين»، ولهذا لم يحظَوا بمثل هذا التهليل والتعظيم المُبالغ فيه لنابليون.  والسبب الرئيسي هو أنَّ إنتاج المعرفة السائدة كان غربيًّا بشكلٍ رئيسي منذ ما قبل الغزو الأوروبي للمشرق/ للجنوب، ثمَّ طبيعة انتشار هذه المعرفة عالميًّا، والتي صرنا نردِّدها دون أدنى مُساءلة أو تشكيك، أو حتَّى فحص لتلك المقولات.

أيُّ قارئ مُنصف سيَنبَهر بنابليون بلا شكٍّ، وسينبهر بطبيعة وشكل الخُطَط والتكتيكات الرهيبة التي أدخلها في العسكرية، وهي خُطط مبتكرة وأصيلة، وعامل حاسم في كل معاركه تقريبًا بشكلٍ مُذهل.

لكنَّ إخراج تعميمٍ مُخلٍّ على شاكلة «نابليون هو أعظم قائد عسكري في التاريخ» يعدُّ إهانة للعسكريَّة وللتاريخ معًا، فالعالم الذي يتحدَّثون عنه هو عالمٌ أوروبيٌّ بحت، لا يضع «العوالم الأخرى» – إذا جاز التعبير – في الاعتبار.

وهي المركزية الغربية نفسها التي عدَّت الإسكندر الأكبر أعظم قائد عسكري في التاريخ القديم كله، وهو أحد أعظمهم بلا شكٍّ، لكنَّ اعتراضي على استخدام «صيغة التفضيل»، التي تجعله الأعظم دون نقاش أو تفكير.

كما أنَّ أحدًا لا يتذكَّر قادة عظماء آخرين، أفادوا وأضافوا للإستراتيجية والتكتيك العسكري بقدر ما أضاف نابليون، بل كانوا أعظم منه على المستوى السياسي عن جدارة. فما المعيار الذي تعده الدراسات الأوروبية معيارًا؟

وعلى سبيل المثال لا الحصر، أذكر هنا أسماء بعض القادة مثل ظهير الدين بابور، ذلك الشاب اليافع الذي ورث إمارةً صغيرة في أفغانستان عندما كان عمره 14 عامًا فقط، ما لبث أن خسرها خلال أربع سنوات فقط تحت الهجمات القويَّة لجيرانه الأُزبك، ولكن في غضون أربع سنواتٍ أخرى فقط، استطاع بابور أن يؤسِّسَ مملكةً جديدة في كابول، ومنها انطلق إلى الهند ليؤسِّس دولة المغول المسلمين في الهند، تلك الدولة التي استمرَّت بَعدَهُ ثلاثة قرون ونصف، وهي نفسها الدولة التي ورثتها بريطانيا العظمى وأطلق عليها اسم «درَّة التاج البريطاني».

كما أنَّ محمَّدًا الفاتح، ذلك الشاب الذي فتح القسطنطينيَّة عام 1453 ومن بعدها بعض دُول البلقان، وغيَّر وجه العالم وعمره 21 عامًا فقط لا يُحسب في الحسبان الأوروبي قائدًا موازيًا لنابليون؛ إذ لا يستهوي ذلك الأوروبيين أبدًا.

وطبعًا لن تذكر الصحافة والإنتاج المعرفي الغربي قادةً مثل تحتمس الثالث، أو هانيبال من العالم القديم، ولا الظاهر بيبرس أو صلاح الدين ولا سليم الأوَّل ولا ظهير الدين بابور ولا جلال الدين أكبر ولا محمَّد الفاتح من العصور الوُسطى بوصفهم أعظم قادة التاريخ، ولن يذكروا أيضًا بالحماسة نفسها والانبهار أنَّ قائدًا عجوزًا في السبعين من عمره، اسمه أحمد باشا الجزَّار، استطاع هزيمة نابليون نفسه عند أسوار مدينة عكَّا.

جميع من ذكرتهم سابقًا (ما عدا أحمد باشا الجزّار) لم ينتصروا في أغلب المعارك التي خاضوها وحسب، بل أسَّسوا إمبراطورياتٍ أو وسَّعوها بشكلٍ حاسم في تاريخ العالم كله، واستمرَّت تأثيراتهم وإمبراطورياتهم بعدهم لقرون.

انتهى نابليون منفيًّا، ورغم ذكائه الحادِّ وعودته للحكم ومن ثمَّ إزعاج أوروبا مرةً أخرى، فإنَّ الجغرافيا هزمته في روسيا، وانتهى به الأمر منفيًّا مرةً أخرى، ولم تستمر إنجازاته لفرنسا بعده بشكلٍ مباشر ومستمرٍّ، على عكس ما فعله ظهير الدين بابور أو الفاتح أو سليم الأول أو بيبرس أو صلاح الدين.

لقد وازى بعض هؤلاء القادة نابليون عسكريًّا في زمانهم، وتفوَّقوا عليه جميعًا سياسيًّا، واستمرَّت إمبراطورياتهم من بعدهم لقرونٍ عديدة، فهل كان نابليون «أعظم قائد في التاريخ بلا مُنازع»؟

إذا كان من ناحية عدم خسارته في أغلب حروبه، فهذا حققه محمد الفاتح وظهير الدين بابور وجلال الدين أكبر وصلاح الدين وبيبرس (الذي لم يُهزم قط تقريبًا)، وإذا كان من ناحية بساطة منشأه وطموحه الذي جعله القائد رقم واحد في أوروبا، فظهير الدين بابور كان في الثامنة عشرة فقط من عمره عندما بدأ رحلته في تأسيس إمبراطوريته.

وإذا كان من ناحية استمرارية ما قدَّمه لدولته، فجميع من ذكرتهم من الملوك يفوز عليه بلا شكٍّ. ناهينا عن أنَّ أحمد باشا الجزَّار قد أذاق نابليون ويلات المَشرِق على أسوار عكَّا المُحاصرة من أقوى جيشٍ أوروبيٍّ في ذلك الوقت. جيش نابليون العظيم!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد