قبل بضع سنوات، تلقيت دعوة من إحدى شركات المحتوى الرقمي الناشئة لحضور عرض لعدد من مؤدّي الكوميديا المباشرة، أو «ستاند أب كوميدي»، الذين كانوا قد بدأوا يظهرون في المشهد أواخر العقد الأول من الألفية، وكانت تلك الشركة بالذات تتبنى عددًا منهم وتنتج فيديوهاتهم التي تُبث عبر قناتها على «يوتيوب».

كان عرضًا مصغرًا ترويجيًا، يسبق العرض الرئيس الكبير الذي كانوا بصدد إقامته بوصفه العرض الأول من نوعه في الأردن الذي يقدمه كوميديانات محليون.

اجتمعنا في مقر الشركة حيث سيُقام العرض، وبدأ الكوميديانات الذين ألفناهم عبر الشاشة بالتناوب لتقديم فقراتهم.

مع استثناءات قليلة، كانت معظم الفقرات أشبه بامتحان لصبر المتفرج، إذ راح المؤدون يصفّون النكات الملغمة بالتنميط والسخرية السطحية واحدة تلو الأخرى، ناهيك عن أسلوب الإلقاء الذي يشعرك بالجهد المبالغ فيه لإضحاكك رغمًا عنك. إلا أن الحضور كانوا مستعدين للمجاملة وتجاوز كل ذلك، حتى جاء دور ذلك الكومديان الذي قرر إلقاء نكتة تتعلق بذوي البشرة السمراء، مستعيرًا كلمة «غورانية»، ربما ظنًا منه أنها ستكون ذات وقع مضحك على السامعين؛ لكنّ أحدًا لم يضحك، ولم يتسنّ له أن يكمل النكتة أصلًا، إذ إنّ أحد الحاضرين نظر إليه وقال ببرود: «ما بضّحك». حاول الكوميديان التعامل مع الأمر على أنه مزحة لإنقاذ نفسه من الإحراج، إلا أن الشاب هزّ رأسه مؤكدًا: «ما بضّحك».

كما سيتضح خلال الأعوام اللاحقة، كانت تلك العبارة أخف نقد جرى توجيهه للمحتوى الكوميدي الساخر الذي وجد طريقه إلى شاشات التلفزيون عبر القنوات المحلية، التي راحت تتسابق للتعاقد مع الأسماء الرائجة لملء ساعات البث.

بالرغم من تسارع الأحداث التي شهدتها المنطقة منذ عام 2010 وحتى الآن، إلا أنّ المحتوى الكوميدي لم يتطور كثيرًا عمّا كان عليه، خاصة المحتوى الذي يحاول تجنب المواضيع السياسية والدينية، إذ ظلت الكوميديا تتمحور حول أمور مثل الصور النمطية عن المرأة والرجل وتقليد اللهجات المختلفة والعادات الاجتماعية، ولمّا قُتلت هذه المواضيع سخرية، أصبح هناك لجوء أكبر للألفاظ النابية والسوقية من باب التجديد؛ مما لم يلقَ ترحيبًا من عامة الناس، وكان سببًا لمهاجمة تلك البرامج والقنوات التي تقدمها غير مرة، ناهيك عن محاولات نسخ برامج كوميدية عالمية بشكل لا يراعي السياق الأردني، كما حدث في إحدى الفقرات الكوميدية على محطة «رؤيا»؛ مما أثار سخط الناس عليها لما احتوته من إيحاءات جنسية.

وهكذا أصبحت «ساعة كوميديا» في أذهان كثير من الأردنيين مرادفة ليس لثقل الظل فحسب، بل للإعلام المغرض الهادف إلى هدم قيم المجتمع أيضًا.

 حدثت طفرة نوعية في المشهد الكوميدي محليًا وعربيًا مع اندلاع شرارات الثورة في عدد من البلدان العربية عام 2011، إذ توافرت مادة خصبة للأخبار الساخرة والتركيز على النقد السياسي الساخر، لا سيما مع فورة الحماسة نحو التحرر من القيود والتمرد على الأنظمة القمعية، وإن كان شعورًا متوهمًا أو قصير الأمد في أفضل الحالات.

ولعلّ أبرز مثال على ذلك عربيًا كان برنامج «البرنامج مع باسم يوسف»، والذي بدأ بعد أشهر قليلة من انطلاق ثورة «25 يناير»، وكان يحاكي برامج الأخبار الساخرة الأمريكية في الأسلوب، وحصد مشاهدات بالملايين، سواء حين كان يبث عبر الإنترنت، أو بعد انتقاله إلى شاشة التلفزيون.

لكنّ صعود «البرنامج» وتوقفه لاحقًا يحكي الكثير عن استخدام الكوميديا وسيلة تعبير في ظل الأنظمة القمعية، إذ شهد «البرنامج» نجاحًا كبيرًا، خاصة خلال فترة حكم الإخوان المسلمين بعد توليهم السلطة إثر أول انتخابات ديمقراطية شهدتها مصر منذ أكثر من 30 عامًا، فقد شكّلت فترة حكم الإخوان العصر الذهبي لبرنامج باسم يوسف، ليس لتوفر مادة خصبة للسخرية فحسب، بل أيضًا لأنها كانت آخر فترة استطاع فيها تقديم برنامجه الساخر من دون تلقي تهديدات لسلامته وسلامة عائلته، كما حدث لاحقًا بعد انقلاب يونيو (حزيران) 2013 وعودة حكم العسكر، حين أصبحت السخرية ممنوعة من جديد، ولم يعد بالإمكان النظر إلى كل ما تقدم على أنه وسيلة للتعبير ونقد للنظام الحاكم، بل جزءًا من مسرحية تُحاك وراء الكواليس، لتُصبح السخرية في غياب ديمقراطية حقيقية أداة في يد القوى المهيمنة، تسمح بها متى تشاء وتمنعها متى تشاء.

الأمر لا يختلف كثيرًا في المشهد الأردني، إذ ظهرت برامج أخبار ساخرة كبرنامج «حكي جرايد» والذي استمر لفترة قصيرة فقط، وبرنامج «تشويش واضح» الذي حظي بنجاح أكبر وما زال مستمرًا حتى الآن.

لكن كلمة «النجاح» هنا نسبية، فإن كان البرنامج يحظى بنسبة متابعة لا بأس بها ويقدم محتوى يتمحور حول قضايا مهمة في إطار كوميدي ساخر جيد نسبيًا، إلا أن هذا يبقي التساؤل قائمًا حول الجدوى من السخرية السياسية ضمن النطاق الذي تسمح به الرقابة.

بمعنى آخر، كيف يمكن أن نضحك من نكات حول مجلس النواب ورئيس الوزراء في ظل وجود معتقلين سياسيين، ومحاكمة مدنيين في محاكم أمن الدولة، وتوقيف إداري يتطاول على سلطة القضاء، وقانون جرائم إلكترونية يهددك بالسجن والغرامات المالية لمجرد مشاركة منشور على «فيسبوك»؟ وقد يكون التجلي الأوضح لهذه المفارقة هو تغريدة قديمة للرزاز قبل استلامه رئاسة الوزراء قام مغردون بإعادة نشرها حديثًا، والتي شارك فيها أغنية ساخرة من برنامج تشويش واضح بعنوان «ما بدنا غاز» تطالب بإسقاط اتفاقية الغاز مع إسرائيل، وهي الاتفاقية التي دخلت حيّز التنفيذ قريبًا، خلال رئاسته للحكومة، بلا أي اعتراض منه.

يمكن الاحتجاج بأنّ هذه البرامج أسلوب حضاري مطلوب للتعبير عن الرأي وإخضاع المسؤولين الحكوميين للمساءلة الشعبية، إضافة إلى الدور الذي تلعبه الأخبار الساخرة في نشر الوعي حول الأحداث السياسية بين مختلف فئات الناس، حتى أولئك الأقل متابعة للمستجدات على الساحة المحلية والعالمية. إلا أنه يمكن الاحتجاج أيضًا بأن هذه البرامج تلمّع صورة النظام القائم؛ إذ تعطي صورة وهمية عن الديمقراطية وحرية التعبير، إذ يعرف الجميع أنها تلعب في مساحة محددة لا يمكنها تجاوزها، وإلا كان مصيرها الإلغاء أو المحاكمة.

من جانب آخر يرى البعض أن هناك مواضيع لا تحتمل السخرية، وأنّ تناولها بشكل ساخر يؤدي إلى تسفيهها والتنفيس عن الغضب الشعبي تجاهها من دون تحقيق أي تحرك فعلي لحلّها على أرض الواقع.

لا تنحصر مشاكل الكوميديا الساخرة العربية في الجانب السياسي، إذ ما زالت في جزء كبير منها تفتقر إلى الأصالة والنضوج الفني، ناهيك عن الحساسيات الثقافية والاجتماعية التي تجعل الكوميديا تتصادم مع المجتمع في أحيان كثيرة.

يمكن رؤية ذلك بوضوح من خلال برامج الكوميديا المأخوذة عن نماذج غربية، وأوضح مثال عليها برنامج «ساترداي نايت لايف بالعربي»، وهو النسخة العربية من البرنامج الأمريكي المستمر منذ 45 موسمًا، لكنّ مشاهدة حلقة واحدة من كلتا النسختين يكفي لرؤية الخلل الذي جعل النسخة العربية تستمر لأربعة مواسم فقط.

تقدم النسخة الأمريكية من البرنامج مشاهد تمثيلية ساخرة تحاكي الأحداث السياسية والظواهر الاجتماعية في المجتمع الأمريكي، ولا تكاد تستثني أحدًا من السخرية، بما في ذلك الرئيس الأمريكي نفسه، بل تمتد السخرية إلى رؤساء وحكّام الدول الأخرى.

أما في النسخة العربية، والتي تستنسخ شكل البرنامج الأصلي بحذافيره، فهناك تجنب واضح لأي شيء يتعلق بالسياسة والسياسيين؛ مما جعل السخرية تتركز على الفنانين – مع التركيز على الفنانات العربيات – والظواهر المجتمعية، وما يتبع ذلك من تنميط ومبالغة، ناهيك عن الإيحاءات الجنسية المفرطة والتي كانت سببًا في إلغاء البرنامج لاحقًا، وهي الشيء الوحيد المشترك في المحتوى مع البرنامج الأصلي، إلا أنّ الفرق هنا هو أنها في النسخة الأمريكية تبدو مقبولة ضمن السياق الاجتماعي والتلفزيوني، فلا يكاد يخلو مسلسل أو برنامج كوميدي من التطرق إلى موضوع الجنس صراحة وضمنًا، أما في النسخة العربية فبدت تلك الإيحاءات فجة وصبيانية، كمراهق يقول نكتة ذات طابع جنسي في جلسة عائلية.

لا تحتاج إلى متابعة حلقة كاملة من البرنامج لترى عدم ملاءمته للسياق العربي، فيكفي أن تشاهد الدقيقة الأولى من أي حلقة من النسخة العربية، والتي تبدأ ببيان طويل لإخلاء المسؤولية واعتذار مسبق لا يخلو من التملق للفنانين الذين يسخرون منهم، والتدقيق في ذلك الاعتذار يجعله يبدو إهانةً لتلك الشخصيات بافتراض أنها أكثر هشاشة من أن تتحمل النقد وتتقبل السخرية.

لكن «الهشاشة» تبدو طابعًا سائدًا في الكوميديا العربية، سواء للساخرين أو من يسخرون منهم، وهذا يعيدنا بشكل أو بآخر إلى النظام السياسي وأثره في تكوين شخصية المحكومين، فمن القواعد الأساسية في الكوميديا أن الكوميدي لا يكون ناجحًا، إلا إن استطاع السخرية من نفسه، إلا أنّ ما يجعل كثيرًا من الكوميديين العرب مستفزين للجمهور هو الطابع الاستعلائي والتعاليمي الذي يبدو في أسلوبهم، خاصة فيما يتعلق بنقد السلوكيات الاجتماعية، فما أن يحصل أحدهم على برنامجه الخاص أو يصبح شخصية معروفة حتى يعطي نفسه هالة من الأهمية، وينطلق في السخرية من عادات الناس و«حركات البنات» والعلاقات الزوجية، وإعطاء المواعظ حول ما يجوز وما لا يجوز، لتصبح نبرته أقرب إلى من يقول: «أنا حكيم ومضحك، وأعرف أنني حكيم ومضحك، فعليك أن تتعظ وتضحك»، بل وتصبح الكوميديا مهنة يمكن لأي مذيع تلفزيوني أو إذاعي احترافها، بلا مراعاة لشروطها وقواعدها كفنّ مستقل بذاته.

هذه الأهمية والشعور بالاعتداد بالنفس هي في الواقع صورة أخرى لهشاشة الشخصية التي تنشأ في مناخ يعتمد على تعظيم الذات لإخفاء تلك الهشاشة، كالأنظمة التي تنفق الآلاف على أغانٍ تمجدها وتعظم شأنها، وتواجه أي نقد لها بتهم التخوين وتقويض النظام وإطالة اللسان، فلا عجب أن تنتج شخصيات عامة تتعامل مع نفسها على أنها صورة مصغرة لهذا النظام لا يحق لأحد تناولها بالنقد أو السخرية، وكوميديا متواضعة لكوميديين يعوزهم التواضع.

وكي لا أبدو متحاملة على الكوميديين العرب، لا بد عن الاعتراف بوجود نماذج ناجحة تقدم محتوى جيدًا وجريئًا، لكن معظم هذه النماذج تقدم محتواها من مأمنها خارج الدول العربية وبعيدًا عن نطاق سيادة الأنظمة التي تنتقدها.

يحتم الحديث عن النجاح التأكيد مجددًا على كونه مصطلحًا نسبيًا، وهذا يعيدنا إلى الكوميديان المذكور في بداية المقال، والذي استمر في مجال الكوميديا وأصبح له متابعون بالآلاف عبر السنوات، وبالرغم من أنه تفادى السقطات العنصرية وأصبح أكثر التزامًا بالصوابية السياسية، بل اكتسب صورة الناقد الجريء بسخريته من الأنظمة العربية والحكّام العرب – إذا تجاهلنا تغير الحكّام الذين يُسمح له بالسخرية منهم بتغير ولاءات المحطة التي يقدم برنامجه من خلالها – وبالرغم من كل ما حققه من انتشار، ومئات الحلقات في رصيده، واسمه الذي أصبح معروفًا على مستوى الوطن العربي، إلا أنه ما زال – في رأي الكثيرين – «ما بضحك».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد