سلامة القرآن الكريم من التحريف والتبديل والتغيير:

طبيعة المؤمن الاستقامة، وهذا الاستقامة تأبى التلون والإلتواء، والتحريف على العكس من تلك الطبيعة إذ إنه يعني التبديل في القيم والموازين، وهو أمر خطير إذ إن كل ثمن لقاء التحريف هو ثمن بخس، قال ربُّ العزةِ تباركَ اسمهُ: «وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ» «1» ولو كان الثمن الدنيا برمتها، فكيف وهو لا يزيد عن دارهم معدودات، وألقابًا لاتساوي عفطة عنز، إن استعراض بوكاي للمشهد الكوني للكتب السماويةِ الثلاثة ليس هو استعراض المنحرف عن الميثاق، ولم يكن كذلك يتسم بإهمال المنحرفين، لأن هذا الإهمال هو بالحقيقة شأن الذين يُلحدون في آيات الله دون أن يقتصر هذا الإلحاد على مناسبة أو موقف، وإنما ينسحب حتى على الألوان والصور مع التصاق تلك المفردات أو المصطلحات بنواميس الطبيعة بكيفيات لايعلم شأنها إلا الحكيم الخبير، وفي ظل هذا الاستعراض وجد بوكاي أن القرآن الكريم هو الكتاب الوحيد من بين الكتب السماوية التي حُفظت من التحريف، وإننا نلمس من هذا الرجل الروح العطشى وهو يعدد أسباب الحفظ لذلك الكتاب الذي لا ريب فيه: «وقد كان للترتيل ميزة عظيمة في العصر الذي لم يكن فيه كل الناس يكتبون، بل يحفظون غيبًا، وبتنوع الرقابة الممكنة في وقت تثبّتَ النص نهائيا» «2»، ويبحث بوكاي في النصوص المكية ويؤكد حرص السماء والنبي صلى الله عليه وآله وسلم على حفظ وكتابة تلك النصوص: «وهناك نصوص ظاهرة تؤكد بأنه قبل أن يهاجر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من مكة إلى المدينة بكثير، كان ما يوحى به من القرآن يثبّتْ كتابه وهذا ما سيؤكده القرآن، وكانت عادة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه حفظ القرآن وترتيلهُ عن ظهر قلب، فلم يكن يتصور أن يشير القرآن إلى وقائع لاتمت إلى الحقيقة بصلة في الوقت الذي كانت فيه مراقبة من صحابة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم المتصلين بالكتبة»، وتأمل معي كلمته الرائعة في أصالة كتاب الله (القرآن الكريم): «إن لأصالة نص القرآن مكانة منفردة بين كتب الوحي، لا ينازعهُ فيها العهد القديم ولا الجديد» «3» ويقول أيضًا: «إن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين كانوا يحفظونه – أي القرآن – مع تتابع الوحي، ثم يكتبه في نفس الوقت الكَتَبَه الذين كانوا حولهُ، وهكذا فقد توفر للقرآن من البداية عنصرا الأًصالة اللذان لم يكونا أبدًا متوفرين للأناجيل، وقد ظل الأمر كذلك حتى وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم» «4».

الدفاع عن القُران، ونفي التهُمة عن النبي محمد صلى الله علي وآله وسلم بأنهُ هو الذي كَتَبَ القُرآن، كما يُشاع عنهُ في الغَرْب:

الفرية التي افتراها الغرب على الإسلام أن القرآن الذي أتى به محُمد صلى الله عليه وآله وسلم وزعم أنه من عند الله، إنما هو بالحقيقة كلامُ بَشر، وليس كلام الإله المتجبر من فوق سَبع سموات. وأن القرآن إنما هو آيات مُستّله من التوراة والإنجيل، استلها محمد صلى الله عليه وآله وسلم وبما يوافق هواه ومصحلته، والحقيقة أن هذه التهمة قديمة، وقد رد الله عليها في معرض كتابه العزيز فقال عز من قائل: «وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ» «5»، وهذه الفرية لاصقة في أذهان الغربيين إلا من تجرد منهم لكلمة الحق، ولقد كان موريس بوكاي من هؤلاء الذين أبو على أنفسهم إلا كلمة الحق، وإننا لنجد ذلك جليًا في ثنايا كتابهِ: «التوراة، والإنجيل، والقرآن، والعلم» فنراهُ وهو يرد على أولئك المتخرصين الذي يزعمون أن القرآن إنما كتبهُ محمد صلى الله عليه وآله وسلم، أو اكتتب له، فيقول: «إن هذه الملاحظة الأخيرة تجعل افتراض من يرون محمد صلى الله عليه وآله وسلم كاتبًا للقرآن مرفوضًا، إذ كيف يتيسر لرجل حرُم العلم في نشأتهِ أن يصبح على الأقل من وجهة نظر القيمة الأدبية، الكاتب الأول في الأدب العربي كله، يخبر عن حقائق في النظام العلمي تتجاوز وسع أي كائن انساني في هذا الزمن، ودون أن يكون منه أي خطأ مع ذلك» «6»، ويمضي موريس بوكاي في تأكيده على أن القرآن وحي السماء إلى محمد صلى الله عليه وآله وسلم: «إن الاعتبارات التي سنتوسع فيها في هذه الدراسة ستوصلنا من وجهة النظر العلمية فقط إلى الحكم بأن من المستحيل تصور رجل عاش في القرن السابع الميلادي، واستطاع أن يورد في القرآن أفكارًا في موضوعات متنوعة جدًا، ليست أفكار عصره تلتقي مع ماستكتشفهُ الناس منها بعد قرون متأخرة عنه، أما بالنسبة إليّ فليس للقرآن أي تفسير بشري» «7».

ويعزز بوكاي عقيدته في أن القرآن كلام الله المنزل على قلب محمد صلى آله عليه بما تَضَمن هذا الكتاب من موضوعات غزيرة، وهذه الموضوعات يُذكرُ مُثلها في التوراة والأنجيل، إلا إنها محملة بالأخطاء الكثيرة: «والذي يدهش فكر من يواجه مثلًا هذا النص للمرة الأولى هو غزارة الموضوعات المطروحة، مثل الخلق والفلك، وعُرض بعض الموضوعات الخاصة بالأرض وجنس الحيوان والنبات وتكاثر الإنسان، تلك الأمور التي نجد عنها في التوارة دون نص القرآن أخطاء علمية كبيره تحملني على التساؤل: إذا كان كاتب القرآن بشرًا، فكيف أمكنه في القرن السابع الميلادي كتابة ما يثبت أنه اليوم متفق مع المعارف العلمية الحديثة؟ وليس ثمة أي شك في أن النص الذي بين أيدينا للقرآن هو نص ذلك العصر،» «8»، ومع إيمان موريس بوكاي بحفظ القرآن الكريم من التحريف والتغيير والتبديل، إلا أنه لا يخفي اندهاشه من مواجهة نصوص الكتاب – القرآن العظيم – وهي تقرر أمورًا لاتنتمي إلى العصر الذي أتى به محمد صلى الله عليه وآله وسلم: «إن أول ما يُثِير الدهشة في رُوحِ مَن يُواجِه نصوص القرآن لأول مرَّة هو ثراءُ الموضوعات العلمية المعالجة، وعلى حين نجدُ في التوراة – الحالية – أخطاءً علمية ضخمة، لا نكتشف في القرآن أيَّ خطأ، ولو كان قائل القرآن إنسانًا فكيف يستطيع في القرن السابع أن يكتب حقائق لا تنتمي إلى عصره، ليس هناك تفسير وضعيٌّ لمصدر القرآن» «9».

خلو كتاب الله عزوجل – القرآن الكريم – من الأساطير والوثنيات.

الوثنيات والأساطير في الجاهلية كثيرةٌ وقديمة وهي متنوعة، وكانت فكرتها تقوم على الأرواح تمامًا كما الشياطين، فسكن الإنسان الخوف من تلك الأرواح فقّربَّ لها القرابين ومن ثم عبدها من دون الله عز وجل، والوثنية عند العرب قريبةٌ وقرينة لتلك الصورة، فقد وقف العرب من الجن موقف الخائف المضطرب، وكذلك الأقوام السابقة، مع خصوصٍ وعمومٍ بين تلك الصورتين، إلا أن العرب قد اتخذوا في الجاهلية من الجن آلهة دون الله، ولكن تحت صورة القبر الذي هو بالحقيقة مدفنًا لرجل صالح أو يُعتقد فيه الصلاح، فيستدرجهم الجن لعبادته من خلال الاستجابة لبعض متطلباتهم التي هي في حدود قدرته، والقرآن الكريم يستسخف هذا الاعتقادات، ويسخر منها إلى حد المقت، وكلمات القرآن التي تستخف بتلك المُعتقدادت وتعتبرها من رُكام الوثنية، تُثير من خلالها جرسًا خاصًا بعظيم الفرية التي قام بخلقها هؤلاء، والوثنيات والأساطير تقترن بكل ما هو شر وسحر، ومع ذلك لم ينزه أولئك الكهنة من أصحاب الديانات القديمة عن تلك الخصيصة الذميمة، ويشير موريس بوكاي إلى بعض تلك المقتطفات، كما ويؤكد أن تلك الوثينات والأساطير قائمة إضافة إلى ماتقدم فإن الخيال يلعب دورًا كبيرًا فيها وفي نشأتها، وبالرغم من كثرة الوثنيات عند العرب وفي الجزيرة العربية إلا أننا لا نجد من ذلك شيء في القرآن، بل على العكس من ذلك فإن القرآن قد حارب تلك الوثينات ونازع القوم في ثبوتها: «وإذا كانت أساطير الخلق هذه قد أثيرت هنا، فذلك لتسجيل مهارتها بخيال الإنسان، وللتنبيه على الإختلاف العميق الموجود بينها وبين الأخبار القرآنية عن الموضوع، المنزهة عن التفاصيل الخيالية التي رافقت هذه المعتقدات، والموسومة على العكس باعتدال عباراتها الإخبارية وانسجامها مع معطيات العلم الحديثة. وهكذا فإن أخبار القرآن عن الخلق وقد اتسمت بهذه الخصال منذ أكثر من 14 قرنًا تبدو خالية من أية مداخلة بشرية» «10» ويقول أيضًا: «وكانت شائعة في عصر محمد صلى الله عليه وآله وسلم مدركات غير صحيحة لا نجد لها أي صدى في نصوص القرآن التي ستأتي» «11»، ويتحدث بوكاي عن عالم الظلمة في البحار، وأنه مصدر لكثير من العقائد الوثنية للأمم السابقة، إلا أن القرآن الكريم قد خلا من كل ذلك: «على أنه من المفيد دومًا أن نقول إنه ما من آية في القرآن عن البحار تحتوي إفادات عن عقائد وثنية أو خرافات العصر» «12».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد