دعوتُ زوجتي لعشاءٍ في مطعمٍ إثيوبي، وحينما دخلنا المطعم المزركش بالرسومات الإثيوبية والخط الأمهري، وطلبنا وجبة «الزقني» المشهورة لدى المطبخ الإثيوبي، وحينما قدمت لنا صاحبة المطعم الخمسينية الوجبة المكونة من لحوح (نوع من الخبز) مع دجاج به كمية من البهارات والزيت، إذا بي أمازح صاحبة المطعم الإثيوبية بسؤالي هل اللحوح أصله حبشي أم يمني؟
فقالت: بل هو حبشي الأصل وأنتم استنسختوه منا!
وأردفت قائلة: «حتى الملكة بلقيس هي حبشية وحكمت اليمن من إثيوبيا»، وأخرجت هاتفها المحمول لتريني صور محاكاة للملكة بلقيس، وهي سمراء فاتنة تسرُّ الناظرين وترتدي زيًا إثيوبيًا تقليديًا، وقلبت الصور لتُريني آثارًا تشبه عرش بلقيس الذي في مأرب وتقول: هذا في الحبشة يشبه الذي في مأرب وهذا دليل أن مع ن ننه ه‍اليمن كانت تتبع الحبشة.
لم أجد جوابًا، وأشرت إلى حروف لغتهم وقلت دي ظن حروف أبجديتكم تشبه خط المسند الحميري الذي كان يكتب به اليمانيون القدامى يعني إنكم استنسختوه منا، قهقهة العجوز الإثيوبية، وقالت: خط المسند كان لمملكة إكسوم، وفِي الحبشة نقوش كثيرة منها مثل الذي هنا، وما هي إلا بقية نقوش تركها أجدادي حينما حكموا اليمن.

تفاجأت بما قالت، وأنا طالب التاريخ لا أملك إجابة أو دليل أحاججها به.

فقررتُ من فور خروجي من المطعم أن أبحث عن الحقيقة والإجابة على هذا السؤال قدر الإمكان، هل اليمن امتداد لحضارة الحبشة أم العكس؟
بدأتُ بالبحث وتفاجئت بما وجدته خلال البحث وأحزنني فقر المكتبة العربية في هذا المجال.

ليس سكان الحبشة جنسًا واحدًا بل أجناس كثيرة حتى أن العلماء يطلقون على الحبشة (متحف الشعوب) حيث تختلف جد الاختلاف في الجنس واللغة والمظهر والصفات والعادات، وأهم العناصر الجنسية هي السامي وعنصر الكوشي والعنصر الأفريقي.

العنصر السامي أتى من جزيرة العرب والكوشي من شمال أفريقيا أما العنصر الأفريقي، أو ما يسمى بالزنجي، فأتى من الجنوب، والجنوب الغربي، وهو الأغلبية.

الذي يزيد تاريخ الحبشة المبكر غموضًا، استعمال الاسمين: الحبشة وإثيوبيا لشيء واحد، فأهل الحبشة يطلقون كلمة إثيوبيا على بلادهم في حين يطلق مؤرخو العرب لفظ الحبشة عليها.

وبعد تحرير الحبشة من الاحتلال الإيطالي عام 1941 أطلق الإمبراطور هيلاسيلاسي مرسومًا يقضي باعتبار إثيوبيا الاسم الرسمي للبلاد، فإذا بحثنا عن معنى إثيوبيا نجد أن هوميروس ذكرها في الإلياذة، وهيرودوت في تاريخه، وإسترابون في جغرافيته، وتعني أصحاب الوجوه المحروقة.

وقد تعلق الإثيوبيون أو سكان تلك المنطقة باسم إثيوبيا بعد دخولهم المسيحية في القرن الرابع الميلادي، ووجدوا لفظ إثيوبيا في الكتاب المقدس، فزاد تعلقهم بها.
أما الاسم الآخر لإثيوبيا، وهو الحبشة الذي ينفر الإثيوبيون من استعماله، فأول ما ورد في النقوش اليمنية القديمة وتحديدًا في القرن الثاني الميلادي، حيث أشار النقش إلى أكسوم، وهي أقدم مملكة قامت هناك.
وفِي ورقة بحثية لعالم ألماني يدعى نيلسن يقول في وقت ما من الألف الأول قبل الميلاد بدأ العنصر السامي، أي اليمانيون الذي أسسوا في اليمن حضارة سبأ، وقتبان، ومعين، وحضرموت في عبور البحر إلى الحبشة، وذلك لعدة أسباب لعل أقلها الديموغرافيا ويصعب تحديد هذا التاريخ بالضبط الذي تحول مع الزمن إلى هجرات عدة، ويذكر باحث إيطالي كونتي روسيني إن أول من عبر البحر الأحمر هم تجار من مملكة سبأ، الذين ارتأوا ان هذا العالم الجديد أي الحبشة صالحُ للاستقرار والعيش.

وكثيرة هي القبائل التي هاجرت من اليمن إلى الحبشة ولا تذكر لنا المصادر إلا قبيلتين، قبيلة حبشت وقبيلة الأجاعز، بالنسبة لقبيلة حبشت ورد ذكرها في نقوش اليمانية القديمة، وأما الأجاعز ذكرت في نقش عزرائيل لأحد أباطرة الحبشة في إثيوبيا.

وهناك دليل آخر نشره باحث فرنسي عام 1955، وهو تشابه الأسماء أو تماثلها حيث إن المهاجرين السبئيين أطلقوا أسامي مدن ومناطق اليمن على الأرض الجديدة التي استوطنوها، وما زال بعض الأسماء إلى يومنا هذا.

أما الدليل الثالث وهو المظاهر الحضارية مثل العمارة، حيث وجد الباحثين أن العمارة الإثيوبية القديمة مماثلة للسبئيين بينما العمارة الإثيوبية لا وجود لها في اليمن، وخاصة المعابد حيث وجدوا في معبد يحا نقوش مسندية، وفِيه اسم أوم، وهو اسم المعبد الكبير في مأرب، كما تم العثور على الكثير من النقوش المكتوبة بالحرف العربي الجنوبي – المسند – ولهجتها السبئية.
وكذلك أدوات الزراعة والري وجدوها في إثيوبيا كتلك التي في اليمن وهي كلها تدل على الوجود الحضاري اليمني.

ويزعم الإثيوبيون أن مملكتهم تعود إلى القرن العاشر قبل الميلاد حيث يستندون إلى زيارة الملكة ماكيدا لسليمان الحكيم، وتزوجت منه وأنجبت ذكرًا أصبح الملك منليك، وهذه القصة ليس لها أي سند تاريخي، حيث اعتبرت أسطورة لدى المؤرخين، وماكيدا هذه يقصد بها بلقيس، وهناك رسالة ماجستير لطالبة مصرية فندت هذه الأسطورة بنقد منهجي علمي.
ويفسر الباحثين هذا الإدعاء بسبب الذاكرة الجمعية التي حملها اليمانيون الذين استوطنوا إثيوبيا، وحملوا معهم ذكريات أجدادهم، وأورثوها لأجيالهم؛ فأصبح لديهم معتقد أن بلقيس مِنْهُم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد