أحدثت مواقع التواصل الاجتماعي ثورة في عصرنا هذا، فسرعة انتشار الخبر وتزايد عدد المتلقين، ساهم في خلق تدّفق رهيب للمعلومات على كافة المستويات، مما أدّى إلى الوسائل الإعلامية بأنواعها في ركوب موجة هاته التحولات والتفاعلات الاجتماعية في تناولها للأحداث، إذ فتحت صفحات مُباشرة مع قُرائها أو مُشاهديها، وذلك من أجل تزويد متابعيها بآخر الأخبار ووضعهم في صورة الحدث لخلق جو تفاعلي، لتكتمل بذلك العملية الاتصالية بجميع عناصرها، عكس ممّا كان عليه الإعلام التقليدي في السابق، وانتقلت عدوى استخدام هاته المواقع إلى المنظّمات، سواء كانت اقتصادية، أو ثقافية، أو اجتماعية، وحتى الحكومية كالهيئات ومختلف الدوائر، فأصبح المواطن على اطلاّع دوري وفوري لنشاطات وقرارات هاته المؤسسات.

لكن ما نعيشه الآن في الجزائر هو تفشي الأخبار المغلوطة يوميًا باسم هيئات رسمية على «فيسبوك»، ولم يسلم من ذلك حتى رجال الدّين وأهل الثقافة والرياضة والسياسة، فأضحت الصور المفبركة وإعادة نشر الفيديوهات القديمة على أنّها جديدة ما يميّز الفضاء الأزرق؛ الأمر الذي أحدث بلبلة في الشارع الجزائري وأربك السلطة في عُقر مكاتبها، وهنا نتساءل لما هاته الشائعات المغرضة؟ ولما في هذا الوقت الحرج التي تمرّ به البلاد؟

تعتبر الجزائر أكثر الدول العربية تعرضًا للأخبار المضلّلة، فمنذ تفشي جائحة كوفيد-19، شهدت البلاد كمًّا هائلًا من الشائعات، وذلك بتسويق عدّة أخبار تضليلية مرتبطة بمستجدّات كورونا، زرعت الهلع والخوف في نفوس المواطنين، وزعزعت مؤسسّات الدولة في بداية الأزمة وجعلتها في حالة تخبّط، فمن التشكيك في الأرقام الرسمية لعدد المصابين وعدد الوفيات، إلى إصابة عدّة وزراء في الحكومة، إلى الإعلان المنسوب لوزارة التربية عن سنة بيضاء، وغيرها من الأخبار، لكن سريعًا ما استعادت قطاعات الدولة السيطرة على الوضع حسب إمكانياتها المتاحة؛ وبالتوظيف الجيّد لمواقع التواصل الاجتماعي التي سعت إلى تكذيب هذه الشائعات، ولمحاربة هاته الظاهرة التي أصبحت أخطر من الوباء نفسه، شنّت مصالح الأمن حملة اعتقالات واسعة ضدّ مرّوجي الأخبار الكاذبة، ولم يصل الأمر إلى هذا الحد، بل بلغت ظاهرة الأنباء المزيفة مستويات مقلقة، مسّت حتى بأسمى وثيقة رسمية بالبلد، وهي الدستور بعد الترويج لنسخة مزّورة من مسودّة التعديل عبر المنصّات الاجتماعية، كما لم تكن أيضًا وزارة الدفاع في منأى عن تزييف الحقائق.

ولحماية النظام العام وأمن واستقرار المجتمع وضمانًا لحقوق وحريّات الأفراد، شرعت الحكومة في تكييف نصوص قانونية للحد من هاته الممارسات التي شوّهت الدولة وإطاراتها الشرفاء، فمن خلال مصادقة مجلس الوزراء على مشروع قانون العقوبات، وذلك بتجريم الشائعات الكاذبة وكذا تعريض حياة الغير للخطر، فقد نصّت المادة 96 منه «يعاقب بالحبس من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات وبغرامة من 3 آلاف و600 إلى 36 ألف دينار جزائري، كل من يوزع أو يضع للبيع، أو يعرّض لأنظار الجمهور، أو يحوز بقصد التوزيع، أو البيع، أو العرض بغرض الدعاية، منشورات، أو نشرات، أو أوراق، من شأنها الإضرار بالمصلحة الوطنية»، كما جاء في نفس المادة أنّه «إذا كانت المنشورات أو النشرات أو الأوراق من مصدر أو وحي أجنبي، فإن عقوبة الحبس ترفع إلى خمس سنوات، ويجوز للمحكمة علاوة على ذلك، أن تقضي في الحالتين السابقتين بعقوبة الحرمان من الحقوق المبينة في المادة 14 من هذا القانون وبالمنع من الإقامة»، كما أصدرت لجنة الإفتاء الوزارية فتوى تحريم نشر الشائعات.

غير أنّه لحد الساعة ما زال التحريف في الكلام والمعلومات والإحصائيات ينتشر كالنار في الهشيم، خاصة في ظلّ الأوضاع التي تعيشها البلاد من اضطراب سياسي واقتصادي، واحتقان شعبي خلفته جائحة كورونا، تزامن مع تواصل جُمعات الحراك، ممّا ساعد على انتعاش الإشاعة ونشرها بشكل رهيب خدمة لأجندات وأهداف يعلمها من يقف ورائها، لذا فلمُجابهة هذا الإعلام البديل المزيّف، أصبح ضروريًا، بل حتميًا تعزيز الثقة لدى الجمهور المتلقي بنشر المعلومة الصادقة باستخدام أمثل للشبكات الاجتماعية، ضف إلى ذلك وجب على المواطن التعامل الحذر مع ما ينشر والتمييز ما بين الأخبار الصحيحة والمضللّة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد