يشترون الصمت بالمال أو يأخذونه بالقوّة وقمع وتهديد لأي صحافي يتعدى الخطوط الحمراء.. شراء لذمم الصحف بالخارج وتمويل لها مقابل الصمت.. تصفية وسجن المعارضين.

كيف أسست المملكة لضمان سمعتها خارجيًا وداخليًا؟

نشأت المملكة العربية السعودية عام 1932 وتعود تسميتها إلى آل سعود التي تحكم أكبر مساحة من الأراضي في شبه الجزيرة العربية، منذ ما يزيد على 100 عام، صمد الحكم في السعودية حتّى يومنا هذا، فبينما كان الملوك يتساقطون في الدول العربية المُجاورة واشتعال حروب وثورات لأكثر من نصف قرن، ظلّت السعودية مُستقرّة داخليًا وكأنها في عالمٍ مُختلف.

كيف صمدت المملكة؟

مرحبًا بالمال، بدأ ضخّ النفط في السعودية عام 1938 لـِيفتتح آل سعود البدو المحظوظون عهد الدولة الغنيّة التي ستعتمد بـِ90٪ من صادراتها على النفط، تلك الأموال الطائلة ستكون كفيلةً ببناء أعمدة النظام السعودي.

العائلة الحاكمة

تحكم المملكة بنظام حكم الأقليّة وهي شكل من أشكال الحكم بحيث تكون السلطة السياسية محصورة بيد فئة صغيرة من المجتمع تتميز بالمال أو النسب أو السلطة العسكرية، وأمراء يتجاوز عددهم 7 آلاف، توزّع عليهم المناصب الرفيعة في الدولة، وخصوصًا الأمراء الذين هم من حصة السديري الزوجة المحبوبة للملك المؤسس، وهؤلاء يحصلون على حصص خيالية ويتقاسمون البترول ولهم رواتب شهرية بمبالغ كبيرة جدًّا، وفي عام 1996 صرفت السعودية ملياري دولار كمخصصات لأمراء سعوديين، وقتها كانت ميزانية الدولة لا تتجاوز الـ40 مليار دولار، كما أنّ إيرادات مليون برميل من النفط يوميًا تذهب لخمسة أو ستة أمراء، ومع وجود دستور غير مكتوب ونظام أساسي للحكم تمّت كتابته عام 1992، تبقى الشرعية السياسية مرهونة بتفسير المؤسسة الدينية التي تدين ولاءها بالكامل للسلطة، وهي العمود الثاني في تثبيت الحكم.

المؤسسة الدينية في السعودية

يلعب ما يُسمّى علماء المملكة من «الجامية المدخلية» دورًا هامًّا في تثبيت حكم آل سعود داخليًا، وحيث مال النظام السعود تراهم يميلون، يتمثّل دعمهم لهم بِتوفير الإطار الشرعي والأيديولوجي لممارسات الحكم داخليًا، بدأت القصة مع هيئة كبار العلماء كمؤسسة مُتكاملة تتّخذ قرارها بالإجماع، ثمّ تحوّلت إلى مسمّى سماحة المُفتي، والتّاريخ يُعيد نفسه، فقد عادات الشراكة القديمة بين آل سعود وآل الشيخ – محمد بن عبد الوهاب رحمه الله – والذين حصلوا على مناصب رفيعة في الدّولة، ولكن بوصول محمد بن سلمان للحكم، اتخذ نهج تحييد المؤسسة الدينية، ووصل الأمر لآل الشيخ أنفسهم، فقد تمّ إعفاء الشيخ عبد العزيز آل الشيخ من خطبة عرفات عام 2017.

شراء ولاء الشعب

منذ عام 1970 عاش السعوديون رفاهًا كبيرًا قادهم إلى النفور من الاشتغال بالسياسة، وعلاوةً على أن الطبيعة القبلية المحافظة للمجتمع ستعمل على خلق طاعة للقيادات التقليدية، مثل شيوخ القبائل والأمراء والملوك.

ثورات الربيع العربي 2011

مع اندلاع هذه الثورات في عالمنا العربي والمسلم، صرفت السعودية هدايا للشعب، وذلك خوفًا من انتقالها للملكة داخليًا، واستثمرت السعودية في ابتعاث الطلاب السعوديين عام 2011، وفي البلد الذي يحكمه الأمراء يُصبح المقرّبون من الأمير شركاء له وحيتان تجارية، يدينون بالولاء له والطاعة، وتُصنّف المملكة على أنّها سابع البلدان استبدادًا، من خلال جيشها، لكنّ الأمر يبقى منوطًا بوزارة الداخلية وأجهزتها، وهُناك الحرس الوطني السعودي الذي يُعدُّ من أقوى الأجهزة الأمنية في البلاد

منذ تحويله لوزارة مستقلة عام 2014، ولكنّ مع تأسيس جهاز أمن الدولة في السعودية، من المرجّح أن يُصبح أقوى أجهزة القمع في دولة آل سعود ويخضع لسيطرة الملك مُباشرةً، هذا كان داخل المملكة.

السعودية خارج حدودها

تحارب المملكة أي شكلٍ من أشكال التغيير في الإقليم، فقد حاربت المدّ القومي بقيادة الطاغية الخائن حُسين، وجمال عبد الناصر، ومعمّر القذافي وكل من كان رمزًا له ومنذ عام 1979 أصبحت إيران – المُجرمة لعنها الله – العدوّ اللدود للمملكة مع صعود ما يُسمّى الثورة الشيعية وبذلك لم يكن وقوف المملكة مُفاجئًا ضدّ ثورات الربيع العربي، التي مثلّت أكبر التهديدات للملكة في القرن الحادي والعشرين.

أمّا دوليًا فتهتم السعودية بتحسين سمعتها، وعلى هذا المنوال سار حكّام السعودية على أنّهم زُعماء مُتحررون من القيود الدينية، فقد شرب الملك فهد والملك عبد الله الخمر! أمام الكاميرات! كما ارتدى فهد قلادةً عليها شعار الصليب في بريطانيا، قبل أن يُلقّب نفسه بخادم الحرمين الشريفين؟
وما زال هذا النهج مستمرًا ليومنا الحالي مع محمد بن سلمان الذي يُصرُّ على تغيير النمط السعودي الذي كان مُحافظًا، إذ يُحاول عن طريق ما يسمّى هيئة الترفيه سلخ المجتمع السعودي عن طبقته المحافظة، إذ أدخل لأول مرّة الاختلاط بين الجنسين، في احتفالات غنائية داخل المملكة، وسمح للمرأة بقيادة السيّارة، وقلّص من صلاحيات هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المُنكر.

قال الشيخ عمر المقبل المُعتقل حاليًا فرّج الله عنه:

لسنا ضد الترفيه، بل معه إذا كان ضمن الضوابط الشرعية قولًا وفعلًا، ونحن ضد سلخ المجتمع عن هويته، وضد ذبح الحياء باسم الترفيه.

وانتقد الداعية السعودي مشاركة مشاهير وفنانين من الخارج في الحفلات التي تقوم بها الهيئة: نحن ضد جلب شذاذ الآفاق وفساقهم إلى بلاد الحرمين باسم الترفيه، لتتفتح أجيالنا الناشئة على تلك النماذج الساقطة التي تُصدّرُ على أنها نجوم وقدوات.

تنفق السعودية أموالًا طائلة على أعمالٍ لممارسة الضغط على جهة ما تأييدًا لقرارات السعودية في أمريكا ويسمّى هذا بـِ«اللوبي». وكذلك تتّبع أساليبَ التحييد، ثم الاحتواء والمواجهة في التعامل مع الصحافة العربية والعالمية، فهي تدفع المال وتُمارس الضّغط على مؤسسات إعلامية، إما لعدم ذكر السعودية بسوء وهذا اسمه التحييد، أو الثناء على المملكة وتسويق خطابها وهذا هو الاحتواء، كما حدث هذا مع قناة «MTV» اللبنانية التي حصلت على دعمٍ سعودي يُقدّرُ بـ5 مليون دولار عام 2012، لكنّ عندما لا ينفع المال أو الضغط مع أي مؤسسة فالخيار الأمثل هو المواجهة، كما حدث مع شبكة «الجزيرة» الإعلامية، و«هاف بوست عربي» سابقًا، «عربي بوست» حاليًا، التي حُجبت عام 2017 داخل المملكة وموقع «ساسة بوست». ومنها كذلك في يومنا الحالي منصّات إعلامية تركية كـ«الأناضول» و«تي آر تي» عربي، وفي مُفارقات عجيبة تقوم السعودية باستقبال الصحافيين في سجون تُعرف بأنّها مكان لإعدام العشرات منهم، وتُظهرها وكأنها مكان ذو خمس نجوم للخارجين عن القانون!

أعمدة المملكة تهتزّ

في الفترة الأخيرة تقلّصت أعمال المؤسسة الدينية في السعودية والشعب لم يعد في الرفاه القديم، كما أنّ العمود الأوّل وهو العائلة الحاكمة لم يعد مُتماسكًا، فبعدَ حكم ستة ملوك من أبناء عبد العزيز، سيكون الملك القادم من قائمة الأحفاد، وهو محمد بن سلمان، الذي أحدث زلزالًا في بيت آل سعود، مع انقلابه على ابن عمّه محمد بن نايف، وأدّى ذلك إلى غضبٍ ونفور لدى الجيل القديم وخصوصًا الحرس الوطني السعودي، الذي لا يزال المؤسسة الأقوى أمنيًا في المملكة، الذي كان يخضع لسلطة الأمير متعب نجل الملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز آل سعود، يحدث كل هذا، بينما تصرف السعودية جلّ اهتمامها في عهد محمد بن سلمان على السُمعة الخارجية، كما لو أنّه المُدافع الشرس عن الحياة الغربية في مواجهة السلطة الدينية.

فهل تكفي السعودية سُمعتها الخارجية لاستمرار ما بناه عبد العزيز آل سعود؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد