شكرًا لسؤالك، مؤخرًا أنا أقوم بكسر قاعدة من قواعدي بالإجابة عن الأسئلة التي أجاب عنها أصدقاء كثر هنا على موقع كيورة، ولكن السؤال جميل ويدفعني لكسر قواعدي للإجابة عنه والعودة مرة أخرى لها، القواعد تم وضعها لنكسرها لا لنتقيد بها وتحجم من الذي يمكن لنا فعله.

أولًا: لنفترض أنك تخرجت في جامعتك وعمرك 21 عامًا كمعظمنا والتحقتِ بعملك فور تخرجك وجاء اختيارك لمهنة شريفة كرمها الله وكرمتها الأديان كلها، فالتعليم والتدريس واختيارك لهما باعتبارها مهنة يدل على إنسانية ورقي بشري، عملتِ إذن لمدة 8 سنوات حتى وصولك للعام 29 وبعيدًا عن الماديات التي نتفق كلنا أنك لن يتم مجازاتك عليها في دولنا العربية، لأن التعليم مهنة مهضوم حقها في التعويض المادي ولكن هناك مكسب معنوي ضخم هنا لا يرى ولا يمكن حسابه رقميًا، مئات بل الآلاف الطلاب الذين قمتِ بتدريسهم وتعليمهم شيء جديد وأضفتِ لهم معلومات جديدة وشاركتِ في صنع تفكيرهم ومنهج حياتهم القادمة أليس ذلك بكاف؟

ثانيًا: بخصوص عدم تحقيقك لشيء جديد منذ سنوات، لتفترضي معي أنك تعملين في وظيفة أخرى مجدية جدًا ماديًا فما الذي سيختلف؟ أليس نفس الشخص هو ذاته ولا أعتقد أن الماديات سيكون لها ذاك الفارق الضخم ولكن لنفترض أنك تعملين في وظيفة مختلفة بنفس شخصيتك الحالية – التي لا أحكم عليها أبدًا ولكن أحاول توضيح بعض النقاط- لتحققي شيئًا جديدًا في حياتك عليك أن تقومي بالتخطيط له، فالأمور الجيدة لا تحدث دون تخطيط ولكن الأمور السيئة تحدث دونه.

هناك عدد من الأشياء الجيدة التي يمكن لك أن تقومي بها ويمكن أنك بالفعل قمت بها دون أن تحتسبيها لأن الأشياء الجيدة أخف على الذاكرة من الأشياء السيئة.

كونك مدرسة ومعلمة لأطفال يمنحك صفات التواصل الفعال، وتواصلك الفعال ذلك مع أطفال يمنحك القدرة على التواصل مع الناضحين بمختلف مستوياتهم، وتلك القدرات والصفات ليست متاحة للجميع فعبر 8 سنوات تمكنت أنت من تطوير وشحذ قدراتك لتطوري مهارات التواصل التي يمكن أن تفيدك في مجال العلاقات العامة وإدارة الأحداث و عدد من المجالات التي تحتاج لتواصل مباشر ومهارات في التفاوض.

ثالثًا: هل تودين تجربة شيء جديد؟ أي مغامرة جديدة تتطلب قدر من الشغف وثمن ما، الشغف يزرعه الله فينا فلا نستطيع أن نقوم بأبسط مهمة يقوم بها الآخرين دون شغف لدينا تجاهها ويمكننا أن نقوم بأعظم المهام أن وجدنا الشغف اللازم لدينا، فهل تملكين الشغف اللازم لتجربة شيء جديد؟ هل فكرتِ في تحويل الدروس التي تقدمينها لتلاميذك لسلسلة من الفيديوهات تقومين بإنتاجها ونشرها على يوتيوب لتستفيدي أنت أولًا وتتركين أثرًا لتلاميذك وغيرهم ثانية وتصبح صدقة جارية لك وشيئًا جديدًا تقدمينه لك ولمجتمعك؟

هل تملكين الثمن لأن تغيري مجال عملك الآن؟ في إجابة سابقة تناولت فيها لماذا نعمل؟ أجبت من وجهة نظري أنني أعمل لثلاثة أسباب السبب الأول الماديات، والسبب الثاني لاكتساب الخبرات والتجارب، والسبب الثالث هو سلامي النفسي. وقد أجبت السائلة في الإجابة السابقة أن سلامها النفسي أهم بكثير من الماديات واكتساب الخبرات والتجارب، لأن التجارب التي تدمر سلامنا النفسي سنقوم بإنفاق كل الماديات على العلاج منها.

بخصوصك أنت يجب عليك من وجهة نظري أن تبحثي عن الكثير من التجارب والخبرات لأن 8 سنوات في وظيفة واحدة في مجال واحد في مكان واحد هو أمر ليس بالهين، فلو كان في الإمكان أن تنتقلي لمجال آخر وتبدئي فيه من البداية وأثق أنك ستبلين بلاء حسنا في مجالات كالإعلام والعلاقات العامة وإدارة المناسبات والأحداث التي يكن حضورها الكثير من الأطفال، فكل تلك تجارب ستضيف لك خبرات جديدة وأشياء جديدة لتتعلميها وتشاركيها مع آخرين.

رابعًا: لا تنتظري سنوات لتحققي شيئًا جديدًا.. سأشاركك سرًا وهو أنني أؤمن أن الأشياء الصغيرة المستمرة تترك في النفس والروح آثارًا أعظم من الأشياء العظيمة التي تتوقف ولا تستمر، بمعني أنني في بداية كل شهر أقوم بوضع خطة لإنجازات تدخل علي البهجة وتشعرني دوما بالإنجاز والتميز، ليس شرطًا أن تكون مادية أو عينية وليس شرطًا أن تكن عظيمة الشأن، ولكنني أقوم بالتجديد فيها في بداية كل شهر أعتقد لو قمت بإنشاء مثل تلك القائمة واستمررت في تحديثها ومقارنتها بما قمت بإنجازه منها والانتهاء منه ستشعرين بالتحسن وتخف أعراض الاكتئاب، بل ستبحثين دومًا عن المزيد لإنجازه لأن الشغف حينها سيحركك ويجعلك تبحثين عن المزيد منه.

هنا سأشاركك قائمتي للعام الحالي ولشهر يناير منه، أنا أحب القراءة وأشعر أن القراءة هي أشياء جديدة تضاف لي في كل يوم، وأحب الدراسة والتدريب وأحب كذلك مشاهدة الوثائقيات كما أنني أحب تعلم مهارات جديدة في العمل وحتى لو قمت بادخار مبلغ بسيط فأكتبه ولو قمت بكتابة أي محتوى خاص بي أقوم بتسجيله وأنا أحب السفر فاخطط دومًا للسفر لدولة مختلفة أو حتى لمدينة داخل دولتي فالتغيير مطلوب ومهم ويخلق مزيد من الشغف في كل لحظة.

كذلك أنا أقوم بوضع أهداف خاصة ومتغيرة لكل شهر، فمثلًا أضع هدف كم كيلو جرام أريد أن أخسر هذا الشهر أو كم خطوة أود أن أمشيها هذا الشهر، أو كم شخصًا جديدًا أود أن أقابله، المطاعم الجديدة التي أود تجربتها والأكلات الغريبة التي أود أن أجربها.

كل ذلك لشخص يبحث عن الشغف يعطيك العديد من الأشياء التي يمكنك الكتابة عنها أو تصويرها أو حتى إنتاجها في شكل فيديوهات لتشاركيها مع آخرين، ليس المهم أن تتكسبي مالا أو تبحثي عن الجانب المادي في البداية، ولكن لنضع على الأقل خارطة طريق للشغف تدلك على ما الذي تبحثين عنه؟ وما الذي يمكن أن يخرجك من دائرة الاكتئاب؟

خامسًا وأخيرًا: فترة العشرينينات هي فترة لطيفة ومهمة ومنها تشعرين بالذي ستصبح عليه حياتك أنت لا زلت صغيرة ويمكنك تجربة عدد آخر من الوظائف أن كنت لا تعملين لأجل المال، ويمكنك تجربة وظائف أخرى وأنتي تعملين في وظيفتك الحالية، الحياة ليست عملًا فقط، الحياة أن تتركي أثرًا وتخلقي نفعًا لآخرين، حتى إجاباتك هنا في كيورة يمكن أن تصبح شيئًا جديدًا لك يقدم لك ثوابا خالصا ويعرفك على ثقافات مختلفة وأشخاص مختلفين.

لدي صديق كنت أقول له دائمًا هناك تجربة دومًا تحت كل حجر مهمل في الطريق، دورنا أن نكتشف تلك التجربة ونعيد ذلك الحجر لمكانه ليكتشفه آخرين ولكن لنترك عليه بعض العلامات والإشارات التي تخبرنا وتخبرهم أننا مررنا من هنا.. فلا ضير من أن نأتي في المكان الخطأ ونصححه ولا ضرر من أن نأتي في التوقيت الخطأ فندرك خطؤنا ونبحث عن أحجار أخرى لنكتشف ما الذي يقبع تحتها؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

اكتئاب, معلمة

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد